تذكرة لمن أراد حج بيت الله الحرام ( 1 )

في تاريخ :  11 مارس 2015



تذكرة لمن أراد حج بيت الله الحرام ( 1 )




تصحيح لغوي وتنسيق مقال / إبراهيم باشا

هذا المقال نقلاً بتصرفٍ مني عن كاتبه / حامد بن عبد الله العلي


إنّ حج بيت الله الحرام، ركن من أركان الإسلام، من جحده كفر، ومن تركه عمدًا متهاونًا فهو إن لم يتداركه الله برحمته لا شك هالك،

ومن أخّره بغير عذر؛ إذ هو واجب على الفور في أصح قولي العلماء، فقد اقتحم المهالك.


وقد عظم النبي صلى الله عليه وسلم شأنه، فجعله من الجهاد في سبيل الله تعالى، وذلك ذروة سنام الإسلام،

وبشر الحاج أن يرجعه الله نقيًّا من الذنوب، وهو إجابة دعوة إبراهيم عليه السلام،
قال الحق سبحانه: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 27].

وهذا مختصر في تيسير أحكام الحج، يصحبك أيّها الحاج من انطلاق نيتك الصالحة لحج بيت الله العتيق، إلى أن ترجع -إن اتقيت ربّك- كيوم ولدتك أمك، فأنت من نار جهنّم إن شاء الله عتيق.


أولاً : الإخلاص

ابدأ الحج بالإخلاص.. وإنما الأعمال بالنيات
يبدأ الحاج أولاً بإخلاص النية لله تعالى؛ امتثالاً لأمره سبحانه بأداء الحج،
قال تعالى: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97]؛

إذ هو من أركان الإسلام، وطمعًا في ثوابه العظيم،
فعن أبي هريرة رضى الله عنه، قال صلى الله عليه وسلم: “من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه”.

متفق عليه.


وعنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “العمرة إلى العمرة، كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلاّ الجنّة”.

 متفق عليه.


وعن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟! فقال صلى الله عليه وسلم: “لكن أفضل الجهاد حج مبرور”.

رواه البخاري.


وعنها رضي الله عنها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النّار من يوم عرفة”.

رواه مسلم.


فتوجه إلى بيت الله الحرام؛ تعظيمًا لشعائر الله تعالى، امتثالاً لطاعة الله تعالى، رغبة في ثوابه، خوفًا من عقابه، واجتنبِ الرياء والسمعة،

واحذر من طلب المكانة والمنزلة في قلوب المخلوقين،
قال تعالى: {وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى} [الليل:19- 21].
وقال: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا} [الإنسان: 9].


النفقة الحلال على رحلة الحج

أنفق على رحلة الحج من طيب المال، والكسب الحلال؛ ذلك أنّ الله تعالى طيب لا يقبل إلاّ طيبًا، ومن حج من مال حرام لم يقبل الله تعالى حجه.


اشتراط المحرم للمرأة في الحج

وعلى المرأة أن تجد لها محرمًا يرافقها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: “لا تسافر المرأة إلاّ مع ذي محرم”
 متفق عليه.

ويجب أن يكون بالغًا عاقلاً،
والمحرم: الزوج أو من يحرم على المرأة على التأبيد، بنسب أو رضاع أو مصاهرة، وهم أربعة بالمصاهرة: أبو زوجها، وابنه، وزوج أمها، وزوج ابنتها.


الاغتسال والتطيب عند وصول رحلة الحج إلى الميقات

عند الوصول إلى الميقات، تغتسل وتتطيب في جسدك دون ثياب الإحرام، وتزيل عنك الأظفار والشعر الذي ترغب بإزالته ، وكل ذلك مستحب غير واجب، ثم تحرم قبل تجاوز الميقات.

ومعنى الإحرام: هو نية الدخول في النسك، وليس المقصود به هو التجرد من المخيط (والمخيط كل ثوب مفصل على قدر أعضاء الجسد مثل القميص والفانيلة والبنطلون ونحو ذلك، مما فصل على قدر الأعضاء، وليس المقصود بالمخيط ما فيه خيط)،

بل لبس المخيط من محظورات الإحرام.

ولهذا يجب على الحاج أن لا ينوي الإحرام -الدخول في النسك- إلاّ بعد أن يتجرد من الثياب، 

ولو نوى الحاج الدخول في النسك ناسيًا أن يتجرد من كل الثياب، (مثلاً نسي سروايله ولم ينزعها) ولبس الإزار والرداء، ثم نوى الدخول في النسك، فإنّه يصح دخوله في النسك، ثم عليه أن ينزع عنه ما نسي أن يزيله، ولا شيء عليه إن كان ناسيًا،

والمقصود أنّه يجب التفريق بين الإحرام وهو نية الدخول في النسك، والتجرد من المخيط.


أنواع الأنساك

ثم تقول عند نية النسك: لبيك اللّهم بعمرة، أو بحج، أو بعمرة وحج، وفق النسك الذي تختاره، 

وهي ثلاثة أنواع:

أحدها: التمتع
وهو أفضلها، وهو الذي تقول فيه: “لبيك اللّهم بعمرة”. وصفته أنّك تأتي بعمرة كاملة وتتحلل منها، تمامًا كما لو ذهبت إلى عمرة في غير أشهر الحج، ثم تبقى غير محرم، حتى إذا كان اليوم الثامن من ذي الحجة، تحرم بالحج وتذهب إلى مِنى،

وعلى المتمتع -إن كان من غير حاضري المسجد الحرام أي من غير ساكني مكة أو حدود الحرم- أن يذبح هديًا كما سيأتي بيانه.


والثاني: الإفراد
 وهو الذي تقول فيه: “لبيك اللّهم بحج”، وهو أن تنوي الحج مفردًا ليس معه عمرة، وفي هذه الحالة تبقى على إحرامك حتى تتحلل يوم النحر، كما سيأتي بيانه.


والثالث: القران
 وهو الذي تقول فيه: “لبيك اللّهم بعمرة وحج”، 
ولا فرق بين الإفراد والقران في أعمال الحج، وإنّما يفترقان في أمرين:

أحدهما: النية، فالقارن ينوي الحج مع العمرة، إن طاف نوى أن يكون طوافه طواف حج وفي نفس الوقت هو طواف عمرة، وإن سعى نوى بسعيه سعي حج وهو في نفس الوقت سعي عمرة، كما ينوي داخل المسجد تحيته وركعتي الفجر في نفس الوقت على سبيل المثال.

الثاني: أنّ القارن عليه هدي، والمُفرِد لا هدي عليه.

فإن اخترت أحد هذه الأنساك، ولبَّيت به، فإن كنت مريضًا أو تخشى من حدوث طارئ يمنعك من إتمام الحج، فاشترط قائلاً: “لبيك اللّهم بعمرة -أو حج أو عمرة وحج- ومحلي حيث حبستني”؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لضباعة بنت الزبير: “حجي واشترطي وقولي: اللّهم إنّ محلي حيث حبستني”.
متفق عليه.

وفائدة هذا الشرط أنّك إذا حال بينك وبين إتمام الحج عذر شرعي، خارج عن إرادتك، مثل مرض أقعدك عن إتمام الحج، أو حادث سيارة على سبيل المثال، أو منعك مانع من إتمامه بعدما دخلت في الإحرام، فإنّك تتحلل من إحرامك وتلبس ثيابك ولا شيء عليك، وترجع إلى بلدك، حتى يتيسر لك الحج مرة أخرى.

والدليل على أنّ الحاج مخير بين الأنساك الثلاثة، قول عائشة رضي الله عنها: “فمنّا من أهَلَّ بعمرة، ومنّا من أهل بحج، ومنّا من أهل بهما”
متفق عليه.

والدليل على أفضلية التمتع أمر النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بذلك، وقوله صلى الله عليه وسلم: “لولا أنّي سقت الهدي لفعلت مثل ما آمرُكم به”
متفق عليه من حديث جابر رضي الله عنهما.

وكان صلى الله عليه وسلم قارنًا،
فعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أتاني آتٍ من ربّي، فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرةٌ في حجة”
 رواه أحمد والبخاري وغيرهما.

وذلك أنّه كان قد ساق الهدي معه -أي جاء به معه من خارج الحرم،

والهدي هي الأنعام التي تجلب للحرم، سميت بذلك لأنّها تُهدى إلى الحرم لفقرائه- فمنعه ذلك من أن يكون متمتعًا،

وكذلك يستحب لمن جاء بهديه من خارج الحرم أن يكون قارنًا.

والأفضل لمن حج مفردًا أو قارنًا أن يتحلل بعد طواف القدوم والسعي، وينوي أن ما فعله عمرة، ويتحول إلى التمتع؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بذلك.
 متفق عليه.


هل للإحرام في الحج صلاة مخصوصة؟

ولم يرد دليل على استحباب ركعتين للإحرام بخصوصه، إلاّ أن يصلي المحرم نافلة أخرى وافقته بعد إحرامه أو قبله، أو يحرم بعد صلاة الفريضة إن أدركته ، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فذلك حسن.


محظورات الإحرام

وعليك أن تتجنب محظورات الإحرام، حتى تتحلل من إحرامك.

وهي تسعة محظورات يجب على المحرم بحج أو عمرة أن يتجنبها:

أولاً: تعمد لبس المخيط بالنسبة للرجل ،

وسبق أن ذكرنا: أنّ المخيط هو كل ما فصل على قدر أعضاء الجسد من الثياب، وليس هو ما فيه خيط- لقوله صلى الله عليه وسلم: “لا يلبس المحرم القميص ولا العمامة، ولا البرنس ولا السروايل ولا ثوبًا مسه ورس ولا زعفران”
متفق عليه.


ويدخل في المخيط، لُبس الخفين أو الجوربين فلا يجوز ذلك للمحرم، إلاّ إن لم يجد نعلين، فيجوز له أن يلبس الخفين؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات: “من لم يجد إزارًا فليلبس سراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين”
متفق عليه.
ولا بأس أن يلبس المحرم النظارة والساعة والحزام الذي يشد به إزاره ويحفظ فيه نفقته ولو كان فيه خيوط، ولا بأس أن يلبس نعلين فيهما خيوط، أو يكون طرف ردائه أو إزاره مخيط، كل ذلك جائز.


ثانيًا: تغطية الرأس من الرجل، ولا بأس أن يستظل بخيمة أو مظلة (شمسية) أو سقف السيارة ونحو ذلك، لحديث أم الحصين قالت: “حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، فرأيت أسامة وبلالاً أحدهما آخذ بخطام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة”
رواه أحمد ومسلم

وتغطية الوجه للأنثى، ولكن تسدل على وجهها لحاجة، لقوله صلى الله عليه وسلم: “لا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين”
متفق عليه

وعن عائشة رضي الله عنها: “كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه”
رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه

ثالثًا: قصد شم الطيب ومسه واستعماله في أكل وشرب بحيث يظهر ريحه،

ولا بأس أن يتطيب قبل الإحرام في بدنه دون ثيابه، حتى لو استمر هذا الطيب إلى بعد الإحرام، فذلك جائز؛ لأنّه وضع الطيب قبل الإحرام لا بعده، لحديث عائشة رضي الله عنها وعن أبيها قالت: “كأنّي أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أيام وهو محرم”
متفق عليه


رابعًا: إزالة الشعر من البدن عمدًا،

ولا بأس إن سقط شيء من الشعر بغير قصد بسبب الامتشاط أو الاستحمام ونحو ذلك، 

ويجوز للمحرم أن يستحم بالماء والصابون الذي لا يكون فيه عطر، فقد روى أبو أيوب الأنصاري أنّ النبي صلى الله عليه وسلم غسل رأسه وهو محرم، وحرك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر.
متفق عليه.

ويجوز له أن يبدل ثياب الإحرام التي أحرم فيها أولاً، بأخرى نظيفة ليس فيها طيب، كل ذلك جائز.

ويجوز للمحرم أن يحلق رأسه لعذر، أو يلبس ثوبًا لعذر، مرض أو نحوه، وعليه أن يفدي في هذه الحالة، وذلك بأن يذبح شاة لفقراء الحرم، أو يطعم ستة مساكين من مساكين الحرم لكل مسكين مُدٌّ من بُرٍّ أو نصف صاع من غيره، أو يصوم ثلاثة أيام، ولا يشترط أن يكون الصيام في الحرم.


خامسًا: تقليم الأظافر،
فإن انكسر الظفر فلا بأس بإزالته.


سادسًا: صيد البر الوحشي المأكول،

ومعنى الوحشي أي غير الأليف، والأليف مثل: الدجاج والمعز والضان والبقر والإبل، والوحشي مثل الغزال وحمار الوحش والأرنب، ويجوز صيد البحر.


سابعًا: عقد النكاح ولا يصح، وكذلك الخطبة فلا تجوز في أثناء الإحرام.


ثامنًا: الوطء في الفرج.


تاسعًا: دواعي الجماع، والمباشرة دون الفرج، والاستمناء.


فإن وقع المحرم بشيء من محظورات الإحرام ناسيًا أو جاهلاً فلا شيء عليه، وإن فعل شيئًا من ذلك عامدًا، ففيه الفدية وهي التخيير بين إطعام ستة مساكين من مساكين الحرم، لكل مسكين مد من البر (القمح) أو نصف صاع من غير البر، أو ذبح شاة لمساكين الحرم، أو صيام ثلاثة أيام في أي مكان.


ويستنثى من ذلك ثلاثة أشياء:

أحدها: الصيد ففيه جزاء الصيد، سواء تعمد صيده أم لا.

والثاني: الجماع في الفرج، ففيه تفصيل سيأتي لاحقًا إن شاء الله تعالى.

والثالث: عقد النكاح أو الخطبة، فليس فيهما فدية مع أنّهما من محظورات الإحرام.


التلبية في الحج

ثم تنطلق إلى المسجد الحرام، ملبيًا من أول دخولك الإحرام وأثناء الطريق قائلاً: “لبيك اللّهم لبيك، لبيك لا شريك لك، لبيك إنّ الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك”. كذا روى التلبية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين.

يرفع الرجل صوته، لحديث السائب بن خلاد، قال صلى الله عليه وسلم: “أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية”
رواه الخمسة

وتخفض المرأة صوتها.

واحرص أن تردد هذه التلبية على قدر استطاعتك وجهدك، فذلك من أفضل أعمال الحج، قال صلى الله عليه وسلم: “أفضل الحج العج والثج”
 رواه الترمذي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما

والعج: أي رفع الصوت بالتلبية.


دخول المسجد الحرام أثناء رحلة الحج

فإذا وصلت البيت الحرام أي الكعبة، فيستحب لك أن يكون أول شيء تفعله عند دخول المسجد الحرام، أن تقول دعاء دخول المسجد: (اللّهم صلِّ على محمد، اللّهم افتح لي أبواب رحمتك)، ثم تتجه إلى الحجر الأسود للطواف.

ولم تصح الأحاديث التي فيها رفع اليدين عند رؤية البيت، وكذا لم يصح في ذلك دعاء مخصوص، غير دعاء دخول المسجد.


الطواف حول الكعبة

أولاً: ويشترط أن تكون حال الطواف ساترًا للعورة، طاهر الثياب والبدن، ويشترط له الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر، وذلك كلّه عند جمهور العلماء.

واحتجوا بحديث “إنّ الطواف بالبيت صلاة إلاّ أنّكم تتكلمون فيه”
 رواه الترمذي وغيره

وبحديث عائشة رضي الله عنها “افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري”
متفق عليه


ثانيًا: وإن كنت متمتعًا، فإنّك تنوي بطوافك أنّه طواف عمرة.

وإن كنت قارنًا نويت أنّه طواف القدوم، على أن تطوف طواف العمرة والحج، بعدما تأتي من مزدلفة يوم النحر، ويجوز لك أن تسعى بعد طواف القدوم هذا، وتنوي به أنّه سعي عمرتك وسعي حجك في نفس الوقت،

وتكون في هذه الحالة قد قدمت سعي العمرة والحج على طوافهما الذي ستفعله يوم النحر، 

ويجوز لك أن تؤجل السعي إلى يوم النحر عندما تطوف طواف عمرتك الذي تنوي به أيضًا أنّه طواف حجك، فتسعى بعد ذلك سعي عمرتك الذي هو سعي حج، وبذلك تقرن أفعال العمرة بالحج.

وأمّا إن كنت مفردًا فإنّك تنوي أنّه طواف القدوم فقط،

ويجوز لك أيضًا أن تقدم سعي الحج فتسعى بعد طواف القدوم، ولا يكون عليك سعي آخر إذا طفت طواف الحج يوم النحر، كما سيأتي بيان ذلك.

فإن طفت ولم تنوِ شيئًا نسيانًا أو جهلاً، فلا شيء عليك وطوافك صحيح.


ثالثًا: ومعنى الطواف ببيت الله تعالى، إظهار عظيم حبّك له، إذ تعلق قلبك بمحبته حتى قادتك تلك المحبة العظيمة إلى الطواف حول بيته مرارًا في صورة الإلحاح عليه، من أجل أن يقبلك في حضرته، ويقربك من محبته، ويتجاوز عن تقصيرك في حقه،

وكلما استحضرت هذا المعنى الجليل، كان ثوابك أعظم عند الله تعالى.


رابعًا: وتكون مضطبعًا في هذا الطواف استحبابًا،

ومعنى الاضطباع أي تجعل وسط ردائك تحت عاتقك الأيمن، وطرفيه على عاتقك الأيسر، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم،

وليس كل طواف فيه اضطباع، وإنّما طواف العمرة وطواف القدوم للحج،

وأمّا طواف الإفاضة فحتى لو طافه الحاج وهو محرم، لا يكون فيه اضطباع،

ويستمر الاضطباع إلى آخر الطواف.

فعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرمّلوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى
رواه أبو داود وغيره.


خامسًا: ويستحب هنا أن يرمل الطائف أول ثلاثة أشواط،

والرَّمَل هو الإسراع مع مقاربة الخُطا،

ويكون الرمل في كل طواف فيه اضطباع، ولا يكون في طواف ليس فيه اضطباع،

وقد قال جابر رضي الله عنهما في وصف حجة النبي صلى الله عليه وسلم: “حتى أتينا البيت معه، استلم الركن فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا”
 رواه مسلم.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثًا ومشى أربعًا
 متفق عليه


 والطواف الأول هو القدوم، وخبَّ أي رمل.


سادسًا: ويجب أن تطوف سبعة أشواط كاملة لا تسقط منها خطوة، تبدأ من الحجر الأسود وتنتهي بالحجر الأسود.

وتجعل البيت على يسارك، واحذر أن تطوف وأنت مستقبل البيت أو جاعله عن يمينك ترجع القهقرى، وحتى لو كنت محمولاً… يجب أن تجعل البيت عن يسارك.


سابعًا: فإن شككت في عدد الأشواط، تعمل بغالب الظن ولا شيء عليك،

فإن لم يكن لديك ظن غالب، واستوى الطرفان، فاجعل العدد هو الأقل، لأنّه المتيقن،

مثلاً شككت هل طفت ثلاثة أشواط أو أربعة، فاجعلها ثلاثة،

فإن جاءك الشك بعد انتهاء الطواف، فلا تلتفت إليه؛ لأنّ الشك بعد العبادة لا يلتفت إليه ما دام مجرد شك.


ثامنًا: وعندما تبدأ من الحجر الأسود تحاذيه ببدنك، ثم تستلمه وتقبّله إن استطعت، أو تستلمه وتقبّل يدك، فإن لم تستطع لشدة الزحام، تشير إليه بيدك ولا تقبّل يدك في حالة الإشارة، وتكون الإشارة باليد اليمنى،

تستقبل الحجر وتشير بيدك اليمنى قائلاً: “الله أكبر”، وتفعل ذلك كلّه وفق هذا الترتيب كلما حاذيت الحجر الأسود في أثناء طوافك، وذلك إن تيسر لك، ولا تزاحم النّاس فتؤذيهم.


تاسعًا: ويستحب استلام الركن اليماني باليد، فإن لم تستطع فلا تشير إليه من بعيد،

ولم يرد أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال شيئًا عند استلامه،

ويستحب أن تقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: (ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النّار)،
وأن تكثر من ذكر الله تعالى، والاستغفار والدعاء في أثناء الطواف.


عاشرًا: واحذر أن تطوف من داخل الحجر، وهو الجزء الذي حوله حاجز رخامي يشبه شكل الهلال خلف أحد جدران الكعبة، بل يجب أن تكمل طوافك من وراءه؛

لأنّك لو أكملت الطواف من داخله، فكأنّك دخلت الكعبة في جزء من طوافك، ولم تطف حولها، 

ويجب على من فعل ذلك إعادة الطواف.


حادي عشر: وإذا أقيمت الصلاة وأنت تطوف، أو حضرت جنازة، أو أردت شرب الماء، ونحو ذلك فإنّك تتم الطواف بعد ذلك من حيث وقفت، إلاّ إذا أطلت الفصل بين الأشواط، فإنّ فعلت فابدأ من جديد؛

لأنّ الموالاة بين أشواط الطواف شرط في صحته،


ثاني عشر: وبعد انتهاء الطواف، ينتهي الاضطباع، كما ينتهي الرمل بنهاية الشوط الثالث من الطواف،

ويستحب للطائف بعد نهاية الشوط السابع، أن يتوجه إلى مقام إبراهيم عليه السلام ويقول: {وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125]

ثم يصلي ركعتين،

ويستحب أن يقرأ فيهما سورة الكافرون {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} في الركعة الأولى، وسورة الإخلاص {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} في الركعة الثانية، 

والأفضل أن يصليهما خلف مقام إبراهيم عليه السلام، فإن لم يتيسر ذلك لشدة الزحام، ففي أي موضع من المسجد الحرام.


ثالث عشر: ويستحب للطائف الوقوف بالملتزم وهو ما بين الحجر والباب، فيجعل خده وصدره على حائط الكعبة في ذلك الموضع الشريف، ويدعو الله تعالى.


رابع عشر: ويستحب إذا أردت أن تسعى بعد ذلك أن تعود إلى الحجر فتستلمه، إن استطعت قبل أن تنطلق إلى المسعى.


خامس عشر: وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه بعدما أنهى طوافه في حجته ذهب إلى زمزم فشرب منها وصب على رأسه، ثم رجع إلى الركن فاستلمه
رواه مسلم من حديث جابر رضى الله عنه


شرب ماء زمزم

والدعاء عند شرب زمزم مستحب ومستجاب، قال صلى الله عليه وسلم: “ماء زمزم لما شرب له”
 رواه أحمد وابن ماجه من حديث جابر رضى الله عنه




اترك تعليقاً