الجهاد روح الدين وقوام الدنيا

في تاريخ :  10 مارس 2015

الجهاد روح الدين وقوام الدنيا


للأستاذ تقى الدين الهلالى مدرس العربية بجامع بن بألمانيا

الجهاد فعال من جهد اى عمل كلما فى وسعة للبلوغ إلى غرض من الأغراض فمعناه حينئذ العمل بكل ما أوتى من قوة لنيل مراده .

والأعراض تختلف باختلاف أهواء الناس ومقاصدهم وهو ركن عظيم من أركان الإسلام بحيث لا يوجد إسلام مع عدمه . وكذلك هو ركن من أركان الحياة المعنوية للأمم الحياة الاجتماعية والمدنية الفاضلة والعيشة الراضية والعدل والإحسان الذى أمر الله به بقوله ” إن الله يأمر بالعدل والإحسان ” ويمكننا ان نقول : الجهاد هو روح السعادة الدنيوية لمن لاحظ لهم ولا خلاق فى الآخرة . وهو روح السعادة فى الدارين لمن يؤمن بالله واليوم والآخر .

ومن ذلك يفهم أن كل جماعة من البشر تركت الجهاد فقد هلكت واضمحلت وشقيت شقاء تاما لن يزول عنها حتى تئوب إلى تلافى ما ضيعت من هذا الفرض العظيم المقدس .

ومن زعم أن الجهاد ساقط فى اى زمان وان الحق يقوم بدونه وان المرء يجب أن يعتمد على الحلم وحده واحتج بما يروى عن المسيح بن مريم انه قال : من لطمك على خدك الأيمن فادر له الأخر . ومن أراد أن يأخذ احد ثوبيك فأعطه الأخر . ومن أرادك أن تسير معه ميلا فسر معه ميلين وزعم أن الجهاد بكل أنواعه وأشكاله  لصوصية واعتداء وتوحشا ينافى الكمال والرحمة فهو من الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا .

ومن قال بهذه النظرية أولا من البوذية قبل آلاف من السنين وثانيا من المدعين لأتباع عيسى بن مريم فان أحدا منهم لم يقدر أن يخرج هذه النظرية إلى خير العمل قط بل تناقضوا تناقضا عظيما جعلهم سخريا للساخرين فترى البوذى الذى يعتقد حرمة ذبح الحيوان وحلبه والانتفاع بتسخيره فى العمل يرتكب ضد ما يدعو إليه ويعتقده ولا يقتصر على ذلك حتى يقتل الإنسان الذى هو اشرف أنواع الحيوان ويضربه ويؤذيه ويظلمه .

ويرى النصراني ولا سيما  الأوربي تراه يضرب بما يروى عن المسيح عرض الحائط ويرتكب ضده فبيتدئ بالاعتداء على الناس بالضرب والتعذيب والقتل والنهب والإخراج من الديار والتحريق والتعبيد اى اتخاذ الناس عبيدا وغير ذلك من أنواع الظلم .

أما محمد رسول الله ومن اتبعه بإحسان فقد سلكوا، ا إتباعا لأمر ربهم واهتداء بكتابة طريقا وسطا عادلا فاضلا لا يمكن للبشر أن يصلوا إلى أحسن منه وذلك إن اعتبروا الجهاد امرأ ضروريا لابد منه ولا مندوحة عنه ما دام الناس قد خلقوا مختلفين فى السير والأخلاق والأهواء فمنهم من جبل على حب الخير والعدل والرحمة ومنهم من جبل على ضد ذلك من الولوع بالظلم والعلو والفساد والتجبر والأذى والقسوة لا يردعه عن ذلك رادع ولا يزجره الا القهر والقمع بقوة الحديد ( وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاس) فأمر الله بإقامة الحدود والضرب على أيدي الظالمين وقسرهم على الحق قسرا بالوسائل التى تكف أذاهم وتريح الناس من شرهم وتحفظ العدل والقسط بين الناس لأنه لا سعادة ولا مدينه ولا خير يوجد بدونه .

هذا فى داخل الأمة وأمر كذلك جهاد الظالمين من الأمم الأخرى بدعوتهم أولا بالقران ( وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً) وذلك بدعوتهم إلى الحق والعدل وان يشرح لهم ما فى ذلك من السعادة لجميع البشر ثم بالسلاح أن طغوا وبغوا ومالوا إلى الشر كما قال الحماسى :

وفى الشر نجاة حين لا ينجيك إحسان

( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ )

وآيات الجهاد لإعلاء كلمة الله وحفظ العدل والحقوق وكف أهل العلو والفساد الصريحة لا تنقص عن ثلث القران . أما الدالة على ذلك بطريق الاستنباط فهى أكثر من ذلك .

وما اشرنا إليه أعلاه من أن الإسلام لا يوجد على الحقيقة بدون جهاد كما لا يوجد بدون توحيد وبدون إيمان بالقران والرسول وهو ما صرح به القران والحديث مع أن العقل والتاريخ لا يبقى فيه ريبا لمرتاب . ولو شئنا أن نذكر هنا الحجج القرآنية والحديثية لخرجنا عن المقصود وهو كتابة مقال ليدرج فى مجلة إلى تأليف كبير مستقل بنفسه ومن كان لا يحفظ القران وأراد أن يعرف ذلك فليقرا اى سورة من السور المدنية فانه يجد من ذلك فوق ما يريد .

ونذكر من ذلك على سبيل المثال قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ .إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .                                                                                                                  

****

هل قيل للمسلمين اليوم من قبل الله انفروا فى سبيل الله كما قيل لمن كانوا على عهد النبى صلى الله عليه وسلم ؟

الجواب : نعم : لان الإجماع انعقد على ما جاء به القران وتواترت به الأخبار على انه متى انتقصت ارض المسلمين أو وقع على أهل بلد منهم ضم أو اعتداء صار الجهاد للدفاع فرض عين على كل قادر عليه من الرجال والنساء والقويات – انظر جهاد النساء عند قول أبى داود فى سننه ( باب النساء يغزون ) وسائر كتب الحديث وهذا الإجماع يدلنا على أن علماء الأمة أولهم وأخرهم فهموا من الآية المذكورة وما ضاهأها – وهو كثير – إن الله يقول لكل مسلم ومسلمة – إلا العاجزين – انفروا فى سبيل الله ولا تتثاقلوا إن ذلك قول الله لنا معاشر المسلمين اليوم لم يتبدل ولم يتغير وانه توعدنا وعيدا صادقا لا خلف فيه أننا إن لم ننفر يعذبنا عذابا أليما ويستبدل قوما غيرنا اى ينزع الأمر والعزة والخلافة فى أرضنا من أيدينا ويوليها غيرنا اى أعداءنا وذلك هو العذاب الأليم وهو آية سخطه تعالى وغضبه ولعذاب الآخرة اكبر ولو كنا نعلم .

يوضح لك ذلك قول النبى صلى الله عليه وسلم ” من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات ميتة جاهلية ” اى مات على غير ملة محمد رسول الله والحديث له شقان : شق الغزو وهو حين يؤمر بالنفير كالآن ؛ وشق النية والعزم على الغزو وهو مادام لم يؤمر بذلك وذلك حين تكون حوزة المسلمين مصونة وكلمة الله هى العليا وكلمة أعداء الإسلام وهى السفلى : فان النية فى ذلك الوقت تكفى مع أن الأفضل عدم الاقتصار عليها بل التنقل بالجهاد وقد قال النبى صلى  الله عليه وسلم إن الجهاد لا ينقطع حتى تطلع الشمس من مغربها وانه ماض مع البر والفاجر . ومن اعتقد انه ينقطع قبل طلوع الشمس من مغربها ويكون الإسلام كاملا قائما بدونه فى اى وقت حتى فى زمان الخلفاء الراشدين إذ كان الإسلام عزيزا فقد كفر وخرج من الملة فكيف اليوم وقد بلغ السيل الزبى وصار  أعداء الحق يغزون كل بقعة للمسلمين أينما كانت فى شرق الأرض وغربها .

وإذا علموا أن أهلها مسلمون ازداد طمعهم واشتدت جرأتهم لأنهم علموا بالتجارب العديدة أن المدعين للإسلام هم ازهد الناس فى الدفاع  عنه ، وأرضاهم بالذلة والهوان ، وأصبرهم على أذى الأجنبى فهم ضد ما اخبر الله له عن المؤمنين حقا إذ قال ( أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ).

وقال النبى صلى الله عليه وسلم :” إذا تبايعتم بالعينة – هى نوع من البيع المحتال فيه على أكل الربا – واتبعتم أذناب البقر وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لن يرفعه عنكم حتى تراجعوا دينكم ” . رواه أبو داود وغيره . وهو فى درجة الحسن عند اعتبار الصناعة الحديثية وأما فى الحقيقة فهو صحيح فى درجة ما اتفق عليه البخارى ومسلم بل فى درجة المتواتر لان معناه موجود فى القران وفى كثير من السير والأحاديث ومعنى اتباع أذناب البقر التشاغل بالحرث والكسب عن الجهاد . وفى معناه كل شغل للاكتساب يلهى عن الجهاد .

 

ومنذ فرض الله الجهاد لم يغفل عنه النبى صلى الله عليه وسلم لحظة إلى أن توفاه الله ولم يكن ذلك بالقول فقد بل بالعمل والجد والتنافس وقد عاقب النبى الثلاثة الذين تخلفوا فى غزوة تبوك عقابا شديدا حتى فرق بينهم وبين أزواجهم وأمر جميع المسامين بمقاطعتهم حتى كان الواحد منهم يسلم على احد أقربائه الأدنين فلا يرد عليه ، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت وكانوا يتمنون الموت فلا يجدونه وبقوا فى ذلك العذاب خمسين يوما ، انظر تفسير قوله ( وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ) فى سورة التوبة فى جزء ( إنما السبيل ) هكذا عاقب هؤلاء الصحابة وهم لم يتخلفوا إلا مرة واحدة فما بالك بمن تحلف طول عمره على أن الجهاد فى ذلك الوقت لم يكن فى الوجوب كما هو اليوم لان ارض المسلمين إذ  ذاك كانت مصونة وإنما صيره واجبا على أهل المدينة أمر النبى بالنفير العام وهذا هو الحكم متى أمر أمير مسلم ولو فاسقا بالنفير العام فى اى وقت وجب النفير .

وقوله ” سلط الله عليكم ذلا لن يرفعه عنكم حتى تراجعوا دينكم ” واضح فى أن من ترك الجهاد فلا حظ له فى الإسلام لان الحديث صرح بذلك فى قوله ” حتى تراجعوا دينكم ” فسماه دينا ، فمن لا جهاد له لا دين له .

وعلى ذلك سار خلفاؤه الراشدون ومن بعدهم من الملوك الصالحين وغيرهم لم يبلغ الفسق بأحد منهم الى تضييع هذا الفرض لان من ضيعه لاحظ له فى الدين ولا فى الدنيا .

واليوم جميع الأمم تعتنى بالجهاد رجالا ونساء وأطفالا ولا تتوانى فيه وتبذل فيه النفوس والنفائس مع أكثره فى سبيل الشيطان كما قال تعالى ( الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً) . الآيات .

والآن أولياء الشيطان يقاتلون من يزعمون أنهم أولياء الرحمن فى عقر دارهم فيأبى هؤلاء الدفاع عن أنفسهم وعن دينهم وعن أموالهم وحرماتهم ويسلمون لأولياء الشيطان كل ذلك رضى بضياع الدين والدنيا وخزى الدنيا وعذاب الآخرة وكفرا بالله وتكذيبا لوعده بالنصر والعلو –  وكان حقا علينا نصر المؤمنين – ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الأعلون إن كنتم مؤمنين –

وترى ساداتنا العلماء يقرءون آيات الجهاد وأحاديثه ويمرون عليها وهم عنها معرضون كان المخاطب بها غيرهم أو كأنها منسوخة لا حظ من العمل حتى إذا رأى احدهم رجلا ليس نعله اليسرى قبل اليمنى أو قدم اليسرى فى الدخول أو أكل بأكثر من ثلاثة أصابع او أسبل إزاره او قصر لحيته وترك شاربه وما أشبه ذلك قاموا وقعدوا وبرقوا ورعدوا كأنه قد أنهدم ركن الإسلام الأعظم .

وليس مقصودنا أن نغض من قدر المحافظة على السنن سواء أكانت فى الآداب والحلية أم فى الفرائض والأركان وإنما قصدنا التنبيه على المخالفة الهدى النبوى من قبل أكثر الدعاة ولا سيما هدى النبى فى الجهاد فانه لصعوبته وما فيه من المشقة والتعرض للهلاك أماتوه وعموا عنه وصموا وشغلوا بآداب الأكل واللباس الدخول والخروج والختان والحلية كتقليم  الأظفار وإزالة ما يزال من الشعر وقص ما يقص وإرسال ما يرسل وآداب الخضاب والكحل فإذا تجاوزوا ذلك وصلوا إلى العبادات البدنية أما الفرائض المالية والجهاد فهى حارة فلذلك نبذوها وضيعوها .

وادهي من ذلك أن علماء البلاد المحكومة من قبل الأجانب يوالون أعداء الإسلام ويخضعون لهم وينصرونهم على الإسلام ويفتونهم بكل ما أرادوا ، وهم أكفر من جميع الكفره . ومع ذلك تجدهم شامخين بأنوفهم ومستتبعين للعامة ، ومتظاهرين بالإمامة فى الدين ويسمون ما هم عليه إسلاما  ألا ساء ما يزرون .

وبسبب كتمان هؤلاء للحق وكفرهم  أنهدم ما بقى من الإسلام ولا يزال ينهدم فصار عامة المسلمين وجهلتهم حين رأوا علمائهم أماتوا الجهاد يتطوعون فى صفوف أعداء قومهم وملتهم ويحاربون إخوانهم المسلمين وربما أفتاهم كفرة العلماء بأنهم على حق فى عملهم وأفتوا بان المجاهدين القائمين بهذا الفرض المضيع خوارج على الدولة وقطاع طريق ومفسدون فتانون ، فهم فى هذا شر العدوين واكفر الفريقين مع ما فى مسلكهم من النذالة والخيانة التى يتنزه عنها أشراف الكافرين .

فمن أراد إقامة الدين فليؤمن بالكتاب كله ولا يكن كالذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض (  فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ).

ففتش تجد أن أكثر هؤلاء الأئمة الهداة يسمعون ما يجرى فى فلسطين وفى اسكندرونة وطرابلس وتونس والجزائر والمغرب وحضر موت ولا يحركون ساكنا وكأن ذلك ليس من الإسلام فى شيء ولا يعنيهم ولا هو من شانهم ولو قيل لهم أنكم مخالفون للنبى وخلفائه وسالكون فى ضد طريقهم وان الحجاج بن يوسف أفضل إسلاما منكم ألف مرة لان غزوة واحدة من غزواته اذا وضعت فى الميزان . ميزان العلم والدين ترجح بجميع أعمالكم لو كان لكم عمل صالح ورمت أنوفهم من ذلك .

فليمحوا آيات الجهاد من القرن والكتب المروية عن النبى صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يكون دينهم الذى هم عليه صحيحا وليمحوا سيرة النبى صلى الله عليه وسلم وخلفائه وأمراء الإسلام الصحيح من جميع كتب الدنيا وإلا فليعلموا أنهم ليسوا على صراط مستقيم فليتوبوا إلى الله وليرجعوا إلى دينهم ويحكموا كتاب ربهم وسنة نبيهم كلها قولا وعملا والله يقول الحق وهو يهدى السبيل ([1])..

 



([1]) مجلة الهدى  النبوى : عدد  ذو الحجة (1357)..

اترك تعليقاً