صلاة العيد
الدليل على مشروعية صلاة العيد : قوله تعالى : ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) وقوله تعالى : ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ) وكان النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده يداومون عليها . وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بها حتى النساء , فيسن للمرأة حضورها غير متطيبة ولا لابسة لثياب زينة أو شهرة ; لقوله عليه الصلاة والسلام: ( وليخرجن تفلات , ويعتزلن الرجال , ويعتزل الحيض المصلى ) قالت ( أم عطية رضي الله عنها : كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد , حتى تخرج البكر من خدرها , وحتى تخرج الحيض , فيكن خلف الناس , فيكبرن بتكبيرهم , ويدعون بدعائهم ; يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته )
والخروج لصلاة العيد وأداء صلاة العيد على هذا النمط المشهود من الجميع فيه إظهار لشعار الإسلام , فهي من أعلام الدين الظاهرة , وأول صلاة صلاها النبي صلى الله عليه وسلم للعيد يوم الفطر من السنة الثانية من الهجرة , ولم يزل صلى الله عليه وسلم يواظب عليها حتى فارق الدنيا صلوات الله وسلامه عليه , واستمر عليها المسلمون خلفا عن سلف , فلو تركها أهل بلد مع استكمال شروطها فيهم , قاتلهم الإمام ; لأنها من أعلام الدين الظاهرة ; كالأذان .
وينبغي أن تؤدى صلاة العيد في صحراء قريبة من البلد ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي العيدين في المصلى الذي على باب المدينة ; فعن أبي سعيد : (كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج في الفطر والأضحى إلى المصلى ) متفق عليه , ولم ينقل أنه صلاها في المسجد لغير عذر , ولأن الخروج إلى الصحراء أوقع لهيبة المسلمين والإسلام , وأظهر لشعائر الدين , ولا مشقة في ذلك ; لعدم تكرره ; بخلاف الجمعة ; إلا في مكة المشرفة ; فإنها تصلى في المسجد الحرام .
ويبدأ وقت صلاة العيد إذا ارتفعت الشمس بعد طلوعها قدر رمح , لأنه الوقت الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها فيه , ويمتد وقتها إلى زوال الشمس .
فإن لم يعلم بالعيد إلا بعد الزوال , صلوا من الغد قضاء ; لما روى أبو عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار ; قالوا : ( غم علينا هلال شوال , فأصبحنا صياما , فجاء ركب في آخر النهار , فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس , فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس أن يفطروا من يومهم , وأن يخرجوا غدا لعيدهما) رواه أحمد وأبو داود والدارقطني وحسنه , وصححه جماعة من الحفاظ , فلو كانت تؤدى بعد الزوال ; لما أخرها النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغد , ولأن صلاة العيد شرع لها الاجتماع العام ; فلا بد أن يسبقها وقت يتمكن الناس من التهيؤ لها
ويسن تقديم صلاة الأضحى وتأخير صلاة الفطر ; لما روى الشافعي مرسلا ; ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى عمرو بن حزم : أن عجل الأضحى , وأخر الفطر , وذكر الناس ) وليتسع وقت التضحية بتقديم الصلاة في الأضحى , وليتسع الوقت لإخراج زكاة الفطر قبل صلاة الفطر .
ويسن أن يأكل قبل الخروج لصلاة الفطر تمرات , وأن لا يطعم يوم النحر حتى يصلي ; لقول بريدة : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج يوم الفطر حتى يفطر , ولا يطعم يوم النحر حتى يصلي ) رواه أحمد وغيره .
قال الشيخ تقي الدين : ” لما قدم الله الصلاة على النحر في قوله : ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) وقدم التزكي على الصلاة في قوله : ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ) كانت السنة أن الصدقة قبل الصلاة في عيد الفطر , وأن الذبح بعد الصلاة في عيد النحر .
ويسن التبكير في الخروج لصلاة العيد ; ليتمكن من الدنو من الإمام , وتحصل له فضيلة انتظار الصلاة , فيكثر ثوابه
ويسن أن يتجمل المسلم لصلاة العيد بلبس أحسن الثياب , لحديث جابر ( كانت للنبي صلى الله عليه وسلم حلة يلبسها في العيدين ويوم الجمعة ) رواه ابن خزيمة قي ” صحيحه ” , وعن ( ابن عمر أنه كان يلبس في العيدين أحسن ثيابه ) رواه البيهقي بإسناد جيد
ويكبر في الركعة الأولى بعد تكبيرة الإحرام والاستفتاح وقبل التعوذ والقراءة ست تكبيرات ; فتكبيرة الإحرام ركن , لا بد منها , لا تنعقد الصلاة بدونها , وغيرها من التكبيرات سنة , ثم يستفتح بعدها ; لأن الاستفتاح في أول الصلاة , ثم يأتي بالتكبيرات الزوائد الست , ثم يتعوذ عقب التكبيرة السادسة ; لأن التعوذ للقراءة , فيكون عندها , ثم يقرأ .
ويكبر في الركعة الثانية قبل القراءة خمس تكبيرات غير تكبيرة الانتقال ; لما روى أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ; ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر في عيد ثنتي عشرة تكبيرة , سبعا في الأولى , وخمسا في الآخرة ) وإسناده حسن .وروي غير ذلك في عدد التكبيرات : قال الإمام أحمد رحمه الله : ” اختلف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في التكبير , وكله جائز “ويرفع يديه مع كل تكبيرة ; لأنه صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه مع التكبير .
ويسن أن يقول بين كل تكبيرتين : الله أكبر كبيرا , والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا , وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليما كثيرا ; لقول ( عقبة بن عامر : سألت ابن مسعود عما يقوله بعد تكبيرات العيد ; قال : ” يحمد الله , ويثني عليه , ويصلي على النبي ) رواه البيهقي بإسناده عن ابن مسعود قولا وفعلا .
وقال حذيفة : ” صدق أبو عبد الرحمن ” .وإن أتى بذكر غير هذا ; فلا بأس , لأنه ليس فيه ذكر معين .
قال ابن القيم : ” كان يسكت بين كل تكبيرتين سكتة يسيرة , ولم يحفظ عنه ذكر معين بين التكبيرات ” اه .
وإن شك في عدد التكبيرات , بنى على اليقين , وهو الأقل .وإن نسي التكبير الزائد حتى شرع في القراءة ; سقط ; لأنه سنة فات محلها .وكذا إن أدرك المأموم الإمام بعدما شرع في القراءة ; لم يأت بالتكبيرات الزوائد , أو أدركه راكعا ; فإنه يكبر تكبيرة الإحرام , ثم يركع , ولا يشتغل بقضاء التكبير
ومن أحكام صلاة العيد أنه يكره التنفل قبلها وبعدها في موضعها , حتى يفارق المصلي ; لقول ابن عباس رضي الله عنهما : ( خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم عيد ; فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما ) متفق عليه , ولئلا يتوهم أن لها راتبة قبلها أو بعدها .قال الإمام أحمد : ” أهل المدينة لا يتطوعون قبلها ولا بعدها ” .
وقال الزهري : ” لم أسمع أحدا من علمائنا يذكر أن أحدا من سلف هذه الأمة كان يصلي قبل تلك الصلاة ولا بعدها , وكان ابن مسعود وحذيفة ينهيان الناس عن الصلاة قبلها ” .
فإذا رجع إلى منزله ; فلا بأس أن يصلي فيه ; لما روى أحمد وغيره , ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل إلى منزله ; صلى ركعتين )
ويسن لمن فاتته صلاة العيد أو فاته بعضها قضاؤها على صفتها , بأن يصليها ركعتين ; بتكبيراتها الزوائد ; لأن القضاء يحكي الأداء , ولعموم قوله صلى الله عليه وسلم ( فما أدركتم ; فصلوا , وما فاتكم , فأتموا ) فإذا فاتته ركعة مع الإمام ; أضاف إليها أخرى , وإن جاء والإمام يخطب ; جلس لاستماع الخطبة , فإذا انتهت ; صلاها قضاء , ولا بأس بقضائها منفردا أو مع جماعة .
ويسن في العيدين التكبير المطلق , وهو الذي لا يتقيد بوقت , يرفع به صوته , إلا الأنثى ; فلا تجهر به , فيكبر في ليلتي العيدين , وفي كل عشر ذي الحجة ; لقوله تعالى : ( وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ) ويجهر به في البيوت والأسواق والمساجد وفي كل موضع يجوز فيه ذكر الله تعالى , ويجهر به في الخروج إلى المصلى ; لما أخرجه الدار قطني وغيره عن ابن عمر ; ( أنه كان إذا غدا يوم الفطر ويوم الأضحى ; يجهر بالتكبير , حتى يأتي المصلى , ثم يكبر حتى يأتي الإمام ) وفي ” الصحيح ” : ( كنا نؤمر بإخراج الحيض , فيكبرن بتكبيرهم ) ولمسلم : ( يكبرن مع الناس ) فهو مستحب لما فيه من إظهار شعائر الإسلام .والتكبير في عيد الفطر آكد ; لقوله تعالى : ( وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ) فهو في هذا العيد آكد ; لأن الله أمر به
وصفة التكبير أن يقول : الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله , والله أكبر الله أكبر ولله الحمد .
ولا بأس بتهنئة الناس بعضهم بعضا ; بأن يقول لغيره : تقبل الله منا ومنك .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ” قد روي عن طائفة من الصحابة أنهم كانوا يفعلونه , ورخص فيه الأئمة كأحمد وغيره ” اهـ .والمقصود من التهنئة التودد وإظهار السرور.
وقال الإمام أحمد : ” لا أبتدئ به , فإن ابتدأني أحد ; أجبته ” .
وذلك لأن جواب التحية واجب , وأما الابتداء بالتهنئة ; فليس سنة مأمورا بها , ولا هو أيضا مما نهي عنه , ولا بأس بالمصافحة في التهنئة .
هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً
مختصر من كتاب الملخص الفقهي للفوزان حفظه الله