شرح أحاديث رياض الصالحين باب الصَّـبْــر ( جـزء 4 ) شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين

في تاريخ :  11 مارس 2015

 

 شرح أحاديث رياض الصالحينباب الصَّـبْــر  ( جـزء 4 ) شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين

 

تصحيح لُغَوي و تنسيق مقالٍ / إبراهيم باشا

 

41 ـ وعن عبد الله خبَّاب بن الأرت ـ رضي الله عنه ـ قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسِّدٌ بردةً له في ظل الكعبة، فقلنا : ألا تستنصر لنا ، ألا تدعو لنا ؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيُحفر له في الأرض فيُجعل فيها ، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ، ما يصده ذلك عن دينه ، والله ليُتِمَّنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون)) أخرجه البخاري .

وفي رواية : (( وهو متوسد بردة ، وقد لقِينا من المشركين شِدَّةً ))

 

 الشرح :

حديث أبي عبد الله خباب بن الأرت ـ رضي الله عنه ـ يحكي ما وجده المسلمون من الأذية من كفار قريش في مكة ، فجاؤوا يشكون إلى النبي صلى الله عليه وسلم : ((وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة )) صلوات الله وسلامه عليه .فبيَّن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن من كان قبلنا ابتُلي في دينه أعظم مما ابتلي به هؤلاء ، يُحفر له حفرة ثم يلقى فيها ، ثم يؤتى بالمنشار على مفرق رأسه ويشق ، يمشط بأمشاط الحديد ما بين جلده وعظمه ، بأمشاط الحديد يمشَّط، وهذا تعزير عظيم وأذية عظيمة . ثم أقسم ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن الله سبحانه سيتم هذا الأمر، يعني: سيتم ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام من دعوة الإسلام، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون، أي : فاصبروا وانتظروا الفرج من الله، فإن الله سيتم هذا الأمر، وقد صار الأمر كما أقسم النبي عليه الصلاة والسلام . ففي هذا الحديث آية من آيات الله، حيث وقع الأمر مطابقًا لما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، وآية من آيات الرسول – عليه الصلاة والسلام – حيث صدَّقه الله بما أخبر به، وهذه شهادة له من الله بالرسالة، كما قال الله: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء:166] . وفيه أيضًا دليل على وجوب الصبر على أذية أعداء المسلمين، وإذا صبر الإنسان ظفر . فالواجب على الإنسان أن يقابل ما يحصل من أذية الكفار بالصبر والاحتساب وانتظار الفرج، ولا يظُنَّ أن الأمر ينتهي بسرعة وينتهي بسهولة، قد يبتلي الله عز وجل المؤمنين بالكفار يؤذونهم وربما يقتلونهم، كما قتل اليهود الأنبياء الذين هم أعظم من الدعاة وأعظم من المسلمين، فليصبر ولينتظر الفرج ولا يملَّ ولا يضجر، بل يبقى راسيًا كالصخرة، والعاقبة للمتقين، والله تعالى مع الصابرين، فإذا صبر وثابر وسلك الطرق التي توصل إلى المقصود، ولكن بدون فوضى وبدون استنفار وبدون إثارة، ولكن بطريق منظمة ؛ لأن أعداء المسلمين من المنافقين والكفار يمشون على خطى ثابتة منظمة ويحصلون مقصودهم . أما السَّطحيون الذين تأخذهم العواطف حتى يثوروا ويستنفروا، فإنه قد يفوتهم شيء كثير، وربما حصل منهم زَلَّة تفسدُ كل ما بنوا، إن كانوا قد بنوا شيئًا، لكن المؤمن يصبر ويتَّئد، ويعمل بتؤدة ويوطِّن نفسه، ويخطط تخطيطًا منظمًا يقضي به على أعداء الله من المنافقين والكفار، ويفوِّت عليهم الفرص ؛ لأنهم يتربصون الدوائر بأهل الخير، يريدون أن يثيروهم، حتى إن حصل من بعضهم ما يحصل حينئذ استعلوا عليهم، وقالوا: هذا الذي نريد، وحصل بذلك شر كبير . فالرسول – عليه الصلاة والسلام – قال لأصحابه اصبروا، فمن كان قبلكم – وأنتم أحق بالصبر منه – كان يُعمَلُ به هذا العمل ويصبر، فأنتم يا أمة محمد أمة الصبر والإحسان، اصبروا حتى يأتي الله بأمره، والعاقبة للمتقين . فأنت أيها الإنسان لا تسكت عن الشر، ولكن أعمل بنظام وبتخطيط وبحسن تصرف وانتظر الفرج من الله، ولا تمل، فالدرب طويل، لاسيما إذا كنت في أول الفتنة، فإن القائمين بها سوف يحاولون – ما استطاعوا – أن يصلوا إلى قمة ما يريدون، فاقطع عليهم السبيل، وكنْ أطول منهم نفسًا وأشد منهم مكرًا، فإن هؤلاء الأعداء يمكرون، ويمكر الله، والله خير الماكرين، والله الموفق .

* * *

 

42 – وعن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال : لما كان يوم حُنين ، آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسًا في القسمة ، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل ، وأعطى عُيينة بن حصن مثل ذلك ، وأعطى ناسًا من أشراف العرب وآثرهم يؤمئذ في القسمة ، فقال رجل : والله إن هذه قسمة ما عُدل فيها، وما أُريدَ فيها وجه الله، فقلت : والله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتيته فأخبرته بما قال، فتغير وجهه حتى كان كالصِّرْف، ثم قال : (( فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ ثم قال : يرحم الله موسى ،قد أوذي بأكثر من هذا فصبر)) فقلت: لا جَرَمَ لا أرفع إليه بعدها حديثًا . أخرجه البخاري، ومسلم .

  قوله : ((كالصِّرْف)) هو بكسر الصاد المهملة: وهو صبغ أحمر.

 

 الشرح :

هذا الحديث الذي نقله المؤلف- رحمه الله- عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- أنه ((لما كان غزوة حنين)) وهي غزوة الطائف التي كانت بعد فتح مكة، غزاهم الرسول صلى الله عليه وسلم وغنمَ منهم غنائم كثيرة جدًا من إبل، وغنم، ودراهم ودنانير، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم نزل بالجِعرَّانة، وهي محل عند منتهى الحرم من جهة الطائف، نزل بها وصار صلى الله عليه وسلم يقسمُ الغنائم، وقسم في المؤلفة قلوبهم-أي: في كبار القبائل- يؤلفهم على الإسلام ، وأعطاهم عطاء كثيرًا، حتى كان يعطي الواحد منهم مائة من الإبل. فقال رجل من القوم : ((والله إن هذه قسمة ما عُدِلَ فيها وما أُريد فيها وجه الله)) نعوذ بالله- يقول هذا القول في قسمة قسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن حب الدنيا والشيطان يوقع الإنسان في الهَلَكة، نسأل الله العافية.هذه الكلمة كلمة كفر، أن ينسب الله ورسوله إلى عدم العدل، وإلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُرد بها وجه الله،ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد بهذه القسمة وجه الله ، أراد أن يؤلِّف كبار القبائل والعشائر من أجل أن يَتَقَوَّى الإسلام ؛ لأن أسياد القوم إذا ألفوا الإسلام وقوي إيمانهم بذلك حصل منهم خير كثير ، وتبعهم على ذلك قبائل وعشائر ، واعتز الإسلام بهذا، ولكن الجهل – والعياذ بالله – يوقع صاحبه في الهلكة . عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لما سمع هذه الكلمة تُقالُ في رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم ورفعها إليه، أخبره بأن هذا الرجل يقول كذا وكذا، فتغيَّر وجه الرسول صلى الله عليه وسلم حتى كان كالصِّرْف – أي كالذهب – من صُفرته وتغيُّره ، ثم قال: ((فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله))، وصدق النبي عليه الصلاة والسلام، إذا كانت قسمة الله ليست عدلاً، وقسمة رسوله ليست عدلاً، فمن يعدل إذًا، ثم قال ((يرحم الله موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر)) .

 والشاهد من الحديث هذه الكلمة، وهي أن الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – يؤذَون ويصبرون، فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم قيل له هذا الكلام بعد ثماني سنين من هجرته، يعني: ليس في أول الدعوة، بل بعدما مكَّن الله له، وبعدما عُرف صدْقه، وبعدما أظهر الله آيات الرسول في الآفاق وفي أنفسهم، ومع ذلك يقال: هذه القسمة لم يعدل فيها ولم ُيرد بها وجه الله . فإذا كان هذا قول رجل في صحابة النبي – عليه الصلاة والسلام – للنبي صلى الله عليه وسلم فلا تستغرب أن يقول الناس في عالمٍ من العلماء: إن هذا العالم فيه كذا وفيه كذا ويصفونه بالعيوب ؛ لأن الشيطان هو الذي يَؤزُّ هؤلاء على أن يقدحوا في العلماء ؛ لأنهم إذا قدحوا في العلماء وسقطت أقوالهم عند الناس ما بقي للناس أحد يقودهم بكتاب الله، من يقودهم بكتاب الله إذا لم يثقوا بالعلماء وأقوالهم ؟تقودهم الشياطين وحزب الشيطان!ولذلك كانت غيبة العلماء أعظم بكثير من غيبة غير العلماء ؛ لأن غيبة غير العلماء غيبة شخصية، إن ضرَّت فإنها لا تضر إلا الذي اغتاب والذي قيلت فيه الغيبة، لكن غيبة العلماء تضر الإسلام كله ؛ لأن العلماء حملة لواء الإسلام، فإذا سقطت الثقة بأقوالهم، سقط لواء الإسلام، وصار في هذا ضرر على الأمة الإسلامية، فإذا كانت لحوم الناس بالغيبة لحوم ميتة، فإن لحوم العلماء ميتة مسمومة، لما فيها من الضرر العظيم، فلا تستغرب إذا سمعت أحدًا يَسُبُّ العلماء ! وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل فيه ما قيل، فاصبر، واحتسب الأجر من الله عز وجل، واعلم أن العاقبة للتقوى، فمادام الإنسان في تقوى وعلى نور من الله عز وجل فإن العاقبة له . وكذلك يوجد بعض الناس يكون له صديق أو قريب يخطئ مرة واحدة فيصفه بالعيب والسب والشتم – والعياذ بالله – في خطيئة واحدة، على هذا الذي وُصِفَ بالعيب أن يصبر، وأن يعلم أن الأنبياء قد سبوا وأُوذوا وكُذِّبوا، وقيل إنهم مجانين، وإنهم شعراء، وإنهم كهنة، وإنهم سحرة ﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ [الأنعام:34]، هكذا يقول الله عز وجل . ففي هذا الحديث: دليل على أن للإمام أن يعطي من يرى في عطيَّته المصلحة ولو أكثر من غيره، إذا رأى في ذلك مصلحة للإسلام، ليست مصلحة شخصية يحابي من يحب ويمنع من لا يحب، ولكن إذا رأى في ذلك مصلحة للإسلام وزاد في العطاء، فإن ذلك إليه وهو مسؤول أمام الله، ولا يحل لأحد أن يعترض عليه، فإن اعترض عليه فقد ظلم نفسه .

 وفيه: أن النبي – عليه الصلاة والسلام – يعتبر بمن مضى من الرسل، ولهذا قال: لقد أُوذي موسى بأكثر من هذا فصبر ؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَاب﴾[يوسف:111] ، ويقول: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه﴾ [ الأنعام : 90] ، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهدي الأنبياء قبله . وهكذا ينبغي لنا نحن أن نقتدي بالأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ في الصبر على الأذى، وأن نحتسب الأجر على الله، وأن نعلم أن هذا زيادة في درجاتنا مع الاحتساب، وتكفير لسيئاتنا، والله الموفق .

* * *

 

43 – وعن أنس – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أراد الله بعبده خيرًا عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة)). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن أعظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي الله فَلهُ الرضى، ومن سخط فله السُّخط))أخرجه الترمذي ، وقال: حسن غريب. وهو في صحيح الجامع .

 

 الشرح :

الأمور كلها بيد الله عز وجل وبإرادته ؛ لأن الله تعالى يقول عن نفسه: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:16]، ويقول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج:18] ، فكل الأمور بيد الله . والإنسان لا يخلو من خطأ ومعصية وتقصير في الواجب، فإذا أراد الله بعبده الخير عجَّل له العقوبة في الدنيا: إما بماله، أو بأهله، أو بنفسه، أو بأحد ممن يتصل به ؛ لأن العقوبة تُكَفِّرُ السيئات، فإذا تعجَّلت العقوبة وكفَّر الله بها عن العبد، فإنه يوافي الله وليس عليه ذنب، قد طهَّرَته المصائب والبلايا، حتى إنه ليشدَّدُ على الإنسان موته لبقاء سيئة أو سيئتين عليه، حتى يخرج من الدنيا نقيًا من الذنوب،وهذه نعمة ؛ لأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، لكن إذا أراد الله بعبده الشر أمهل له واستدرجه وأدرَّ عليه النعم ودفع عنه النقم حتى يبطر – والعياذ بالله – ويفرح فرحًا مذمومًا بما أنعم الله به عليه ، وحينئذ يلاقي ربه وهو مغمور بسيئاته فيعاقب بها في الآخرة، نسأل الله العافية .فإذا رأيت شخصًا يبارز الله بالعصيان، وقد وقاه الله البلاء وأدرَّ عليه النعم، فاعلم أن الله إنما أراد به شرًّا ؛ لأن الله أخَّرَ عنه العقوبة حتى يوافى بها يوم القيامة . ثم ذكر في هذا الحديث: ((إن عظم الجزاء من عظم البلاء)) يعنى: أنه كلما عظُم البلاء عظم الجزاء، فالبلاء السهل له أجر يسير، والبلاء الشديد له أجر كبير ؛ لأن الله عز وجل ذو فضل على الناس، إذا ابتلاهم بالشدائد أعطاهم عليها من الأجر الكبير، وإذا هانت المصائب هان الأجر . ((وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم ، فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط)) . وهذه – أيضًا – بُشرى للمؤمن، إذا ابتُلي بالمصيبة فلا يظن أن الله سبحانه يُبغضه، بل قد يكون هذا من علامة محبة الله للعبد، يبتليه سبحانه بالمصائب، فإذا رضيَ الإنسان وصبر واحتسب فله الرضى، وإن سخط فله السخط .

 وفي هذا حث على أن الإنسان يصبر على المصائب حتى يُكتب له الرضى من الله عز وجل . والله الموفق .

 * * *

 

 44- وعن أنس – رضي الله عنه – قال: كان ابنُ لأبي طلحة – رضي الله عنه – يشتكي، فخرج أبو طلحة ، فقُبض الصبي، فلما رجع أبو طلحة قال: ما فعل ابني ؟ قالت أم سُليم – وهي أم الصبي -: هو أسكن ما كان، فقرَّبت إليه العشاء فتعشى، ثم أصاب منها، فلما فرغ قالت: وارُوا الصبي، فلما أصبح أبو طلحة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال ((أعرَّستم الليلة ؟)) قال : نعم ، قال: (اللهم بارك لهما، فولدت غلامًا)، فقال لي أبو طلحة: احمله حتى تأتي به النبي صلى الله عليه وسلم، وبعث معه بتمرات، ((أَمَعَه شيء ؟))، قال: نعم، تمرات، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم فمضغها، ثم أخذها من فيه فجعلها في فِي الصبي، ثم حنَّكه وسماه عبد الله . أخرجه البخاري، ومسلم .

  * وفي رواية للبخاري: قال ابن عُيينه: فقال رجل من الأنصار، فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرأوا القرآن، يعني: من أولاد عبد الله المولود .

 * وفي رواية لمسلم: مات ابنٌ لأبي طلحة من أم سُليم، فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه، فجاء، فقرَّبت إليه عشاء فأكل وشرب، ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك، فوقع بها، فلما أن رأت أنه قد شبع وأصاب منها قالت: يا أبا طلحة، أرأيت لو أن قومًا أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعهم ؟ قال: لا، فقالت: فاحتسب ابنك . قال: فغضب، ثم قال: تركتني حتى إذا تلطخت ثم أخبرتني بابني ! فانطلق حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما كان، فقال رسول الله: (( بارك الله في ليلتكما ))، قال: فحملت، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وهي معه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى المدينة من سفر لا يطرقها طروقًا، فدنوا من المدينة، فضربها المخاض، فاحتبس عليها أبو طلحة، وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: يقول أبو طلحة: إنك لتعلم يا رب أنه يعجبني أن أخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج، وأدخل معه إذا دخل، وقد احتبست بما ترى . تقول أم سليم: يا أبا طلحة، ما أجد الذي كنت أجد، انطلق، فانطلقا، وضربها المخاض حين قدما فولدت غلامًا، فقالت لي أمي: يا أنس، لا يُرضعه أحد حتى تغدو به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح احتملته ، فانطلقت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،

 وذكر تمام الحديث .

 

 الشرح :

حديث أنس بن مالك عن أبي طلحة أنه كان له ابنٌ يشتكي، يعني: مريضًا، وأبو طلحة كان زوج أم أنس بن مالك رضي الله عنهم، وكان هذا الصبي يشتكي، فخرج أبو طلحة لبعض حاجاته، فقُبِضَ الصبي: يعني مات، فلما رجع سأل أمه عنه فقال: كيف ابني ؟ قالت: ((هو أسكن ما يكون))، وصدقت في قولها، هو أسكن ما يكون ؛ لأنه مات، ولا سكون أعظم من الموت، وأبو طلحة ـ رضي الله عنه ـ فهِمَ أنه أسكن ما يكون من المرض، وأنه في عافية، فقدمت له العشاء فتعشى على أن ابنه برئ وطيب، ثم أصاب منها، يعني: جَامَعَها، فلما انتهى قالت له: ((وارُوا الصبي)) أي: ادفنوا الصبي، فإنه قد مات، فلما أصبح أبو طلحة رضي الله عنه ووارى الصبي وعلم بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وسأل: ((هل أعرستم الليلة))، قال: نعم، فدعا لها بالبركة «اللهم بارك لهما في ليلتهما» فولدت غلامًا سماه عبد الله، وكان لهذا الولد تسعة من الولد كلهم يقرأون القرآن ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم. ففي هذا الحديث: دليل على قوة صبر أم سليم – رضي الله عنها – وأن ابنها الذي مات بلغ بها الحال إلى أن تقول لزوجها هذا القول وتورِّيَ هذه التورية، وقدمت له العشاء، ونال منها، ثم قالت: ادفنوا الولد .

 وفي هذا دليل على جواز التورية، يعني: أن يتكلم الإنسان بكلام تخالف نيَّته ما في ظاهرة هذا الكلام، فله ظاهر هو المتبادر إلى ذهن المخاطب، وله معنى آخر مرجوح، لكن هو المراد في نية المتكلم، فيظهر خلاف ما يريد، وهذا جائز، ولكنه لا ينبغي إلا للحاجة، إذا احتاج الإنسان إليه لمصلحة أو دفع مضرة فليُوَرِّ،وأما مع عدم الحاجة فلا ينبغي أن يوري ؛ لأنه إذا ورى وظهر الأمر على خلاف ما يظنه المخاطب نسب هذا الموري إلى الكذب وأساء الظن به، لكن إذا دعت الحاجة فلا بأس . ومن التورية المفيدة التي يحتاج إليها الإنسان: لو أن شخصًا ظالمًا يأخذ أموال الناس بغير حق ، وأودع إنسان عندك مالاً قال: هذا مالي عندك وديعة، أخشى أن يطلع عليه هذا الظالم فيأخذه، فجاء الظالم إليك وسألك: هل عندك مال لفلان ؟ فقلت والله ماله عندي شيء . المخاطَب يظن أن هذا نفي، وأن المعنى: ما عندي له شيء، لكن أنت تنوي بـ (ما) الذي، أي: الذي عندي له شيء، فيكون هذا الكلام مثبتًا لا منفيًا، هذا من التورية المباحة، بل قد تكون مطلوبة إذا دعت الحاجة إليها، وإلا ففيما عدا ذلك فلا .

وفي هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء أنس بن مالك بأخيه من أمه ابن أبي طلحة جاء به إلى النبي – عليه الصلاة والسلام – ومعه تمرات، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم ومضغ التمرات، ثم جعلها في فِي الصبي، يعني أدخلها فمه وحنَّكه، أي: أدخل أصبعه وداره في حنكه، وذلك تبرُّكًا بريق النبي عليه الصلاة والسلام ؛ ليكون أول ما يصل إلى بطن الصبي ريق الرسول عليه الصلاة والسلام . وكان الصحابة يفعلون هذا إذا وُلد لهم أولاد – بنون أو بنات – جاءوا بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءوا بالتمرات معهم من أجل أن يحنكه . وهذا التحنيك هل هو لبركة ريق النبي صلى الله عليه وسلم ؟ أو من أجل أن يصل طعم التمر إلى معدة الصبي قبل كل شئ ؟ إن قلنا بالأول صار التحنيك من خصائص الرسول – عليه الصلاة والسلام – فلا يحنك أحد صبيًا ؛ لأنه لا أحد يُتَبرَّك بريقه وعَرَقِه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم . وإن قلنا بالثاني: إنه من أجل التمرات ليكون هو أول ما يصل إلى معدة الصبي ؛ لأنه يكون لها بمنزلة الدباغ، فإننا نقول: كل مولد يحنك.

 وفي هذا الحديث: آية من آيات النبي صلى الله عليه وسلم حيث دعا لهذا الصبي فبارك الله فيه وفي عقبه، وكان له كما ذكرنا تسعة من الولد، كلهم يقرأون القرآن ببركة دعاء النبي عليه الصلاة والسلام .

 وفيه: أنه يستحب التسمية بعبد الله، فإن التسمية بهذا وبعبد الرحمن أفضل ما يكون، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن ))، أخرجه مسلم وأما ما يُروى أن (( خير الأسماء ما حُمِّد وعُبِّد )) فلا أصل له، وليس حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه سلم،

الحديث الصحيح: ((أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن ، وأصدقها حارث وهمَّام ))، أخرجه أبو داود، والنسائي، والإمام أحمد في المسند . وحارث وهمام أصدق الأسماء ؛ لأنها مطابقة للواقع، فكل واحد من بني آدم فهو حارث يعمل، وكل واحد من بني آدم فهو همام يهم وينوي ويقصد وله إرادة، قال الله تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾[الانشقاق:6] ،وكل إنسان يعمل، فأصدق الأسماء حارث وهمام ؛ لأنه مطابق للواقع، وأحبها إلى الله عبد الله، وعبد الرحمن . ولهذا ينبغي للإنسان أن يختار لأبنائه وبناته أحسن الأسماء ؛ لينال بذلك الأجر، وليكون محسنًا إلى أبنائه وبناته، أما أن تأتي بأسماء غريبة على المجتمع، فإن هذا قد يوجب مضايقات نفسية للأبناء والبنات في المستقبل، ويكون كل همٍّ ينال الولد أو الابن أو البنت من هذا الاسم فعليك إثمه ووباله ؛ لأنك أنت المتسبب لمضايقته بهذا الاسم الغريب الذي يُشار إليه، ويقال: انظر إلى هذا الاسم ، انظر إلى هذا الاسم ‍‍‍‍‍‍! . ولهذا ينبغي للإنسان أن يختار أحسن الأسماء، ويحرم أن يسمي الإنسان بأسماء من خصائص أسماء الكفار، مثل: جورج، وما أشبه ذلك من الأسماء التي يتلقب بها الكفار؛ لأن هذا من باب التشبه بهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من تشبَّهَ بقوم فهو منهم))، أخرجه أبو داود، والإمام أحمد في المسند، وهو في صحيح الجامع .  ويجب علينا – نحن المسلمين – أن نكره الكفار كرهًا عظيمًا، وأن نعاديهم، وأن نعلم أنهم أعداء لنا مهما تزيَّنوا لنا وتقربوا لنا، فهم أعداؤنا حقًا، وأعداء الله عز وجل، وأعداء الملائكة، وأعداء الأنبياء، وأعداء الصالحين، فهم أعداء ولو تلبسوا بالصداقة أو زعموا أنهم أصدقاء، فإنهم والله هم الأعداء، فيجب أن نعاديهم، ولا فرق بين الكفار الذين لهم شأن وقيمة في العالم أو الكفار الذين ليس لهم شأن، حتى الخدم والخادمات، يجب أن نكره أن يكون في بلدنا خادم أو خادمة من غير المسلمين، لا سيما وأن نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم يقول: ((أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب))، ويقول: ((لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلمًا))، أخرجه مسلم .ويقول في مرض موته في آخر حياته وهو يودِّعَ الأمة: ((أخرجوا المشركين من جزيرة العرب))، أخرجه البخاري، ومسلم .  وبعض الناس الآن – نسأل الله العافية – يخير بين عامل مسلم وعامل كافر فيختار الكافر ! قلوب زائغة ضالة، ليست إلى الحق مائلة، يختارون الكفار ! يزين لهم الشيطان أعمالهم، ويقولون كذبًا وزورًا وبهتانًا: إن الكافر أخلصُ في عمله من المسلم ! أعوذ بالله ! . يقولون: إن الكافر لا يصلى، بل يستغل وقت الصلاة في العمل، ولا يطلب الذهاب إلى العمرة أو الحج، ولا يصوم، هو دائمًا في عمل . ولا يهمُّهم هذا الشيء مع أن خالق الأرض والسموات يقول: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:221] ، فيجب عليكم أيها الإخوة أن تناصحوا إخوانكم الذين اغترُّوا وزين لهم الشيطان جَلْبَ الكفار إلى بلادنا خدَمًا وعمالاً وما أشبه ذلك، يجب أن يعلموا أن في ذلك إعانة للكفار على المسلمين؛ لأن هؤلاء الكفار يؤدون ضرائب لحكوماتهم لتقويتها على المسلمين، والشواهد على هذا كثيرة،فالواجب علينا أن نتجنَّب الكفار، بقدر ما نستطيع، فلا نتسمى بأسمائهم، ولا نوادُّهم، ولا نحترمهم، ولا نبدأهم بالسلام، ولا نفسح لهم الطريق ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((لاتبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطرُّوهم إلى أضيقه))، أخرجه مسلم .أين نحن من هذه التعليمات ؟ أين نحن من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى ؟ لماذا لا نحذر إذا كَثُرَ فينا الخبث من الهلاك ؟استيقظ النبي – عليه الصلاة والسلام – ذات ليلة محمرًّا وجهه فقال: ((لا إله إلا الله، ويل للعرب من شرٍّ قد اقترب)) إنذار وتحذير، ويل للعرب حملة لواء الإسلام من شر قد اقترب ((فُتح اليوم من ردمِ يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلَّق بأُصبعه الإبهام والتي تليها، قالت زينب: يا رسول الله، أنَهْلكُ وفينا الصالحون ؟ قال: نعم إذا كَثُرَ الخبث))، أخرجه البخاري، ومسلم .  الخبث العملي والخبث البشري، فإذا كثر الخبث في أعمالنا فنحن عرضة للهلاك، وإذا كثر البشر النجس في بلادنا فنحن عرضة للهلاك،والواقع شاهد بهذا، نسأل الله أن يحمي بلادنا من أعدائنا الظاهرين والباطنين، وأن يكبت المنافقين والكفار، ويجعل كيدهم في نحورهم، إنه جواد كريم . قول أم سليم – رضي الله عنها -: ((أرأيت لو أن قومًا أعاروا عاريتهم أهل بيت ثم طلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم ؟ قال: لا، فقالت: فاحتسب ابنك))، يعني: أن الأولاد عندنا عارية، وهم ملك لله – عز وجل – متى شاء أخذهم، فضربت له هذا المثل من أجل أن يقتنع ويحتسب الأجر على الله سبحانه وتعالى.

 وهذا يدل على ذكائها – رضي الله عنها – وعلى أنها امرأة عاقلة صابرة محتسبة، وإلا فإن الأم كالأب ينالها من الحزن على ولدها مثل ما ينال الأب، وربما تكون أشدَّ حزنًا ؛ لضعفها وعدم صبرها .

 وفي هذا الحديث بركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان له تسعة من الولد كلهم يقرأون القرآن، ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم .

 وفيه – أيضًا – كرامة لأبي طلحة رضي الله عنه ؛ لأن أبا طلحة كان قد خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر وكانت معه أم سليم بعد أن حملت، فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من السفر أتاها المخاض، أي: جاءها الطَّلْقُ قبل أن يصلوا إلى المدينة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يحِبُ أن يطرقَ أهله طروقًا))، أي: لا يحب أن يدخل عليهم ليلاً دون أن يخبرهم بالقدوم، فدعا أبو طلحة – رضي الله عنه – ربه، وقال: اللهم إنك تعلم أنني أحب أن لا يخرج النبي صلى الله عليه وسلم مخرجًا إلا وأنا معه ولا يرجع مرجعًا إلا وأنا معه، وقد أصابني ما ترى – يناجي ربه سبحانه وتعالى – تقول أم سليم: (( فما وجدتُ الذي كنت أجده من قبل )) يعني: هان عليها الطلق، ولا كأنها تطلق . قالت أم سليم لزوجها أبي طلحة: انطلق، فانطلق، ودخل المدينة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما وصلوا إلى المدينة وضعت . ففي هذا كرامة لأبي طلحة – رضي الله عنه – حيث خفف الله الطلق على امرأته بدعائه، ثم لما وضعت قالت أم سليم لابنها أنس بن مالك – وهو أخو هذا الحمل الذي ولد، أخوه من أمه – قالت: احتمله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي:اذهب به، كما هي عادة أهل المدينة إذا وُلد لهم ولد يأتون به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعهم تمر، فيأخذ النبي صلى الله عليه وسلم التمرة فيمضغها بفمه ثم يحنِّك بها الصبي ؛ لأن في ذلك فائدتين : الفائدة الأولى : بركة ريق النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الصحابة – رضي الله عنهم – يتبرَّكون بريق النبي صلى الله عليه وسلم وبعَرَقه، حتى كان من عادتهم أنه إذا كان في الصباح وصلى الفجر أتوا بآنية فيها ماء فغمس النبي صلى الله عليه وسلم يديه في الماء، وعرك يديه في الماء، فيأتي الصبيان بهذا الماء ثم ينطلقون به إلى أهليهم يتبركون بأثر النبي صلى الله عليه وسلم . وكان الصحابة – رضي الله عنهم – إذا توضأ النبي عليه الصلاة والسلام كادوا يقتتلون على وضوئه، أي: فضلِ الماء، يتبركون به، وكذلك من عَرَقه وشَعْره، حتى كان عند أم سلمة – إحدى زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام وإحدى أمهات المؤمنين – عندها جُلْجُلٌ من فضة، أي: مثل ( الطابوق ) فيه شعرات من شعرات النبي صلى الله عليه وسلم يستشفون بها، أي: يأتون بشعرتين أو ثلاثة فيضعونه في الماء ثم يحركونها من أجل أن يتبركوا بهذا الماء . أخرجه البخاري .لكن هذا خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام . الفائدة الثانية من التمر الذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحنكه الصبيان: أن التمر فيه خير وبركة ، وفيه فائدة للمعدة، فإذا كان أول ما يصل إلى معدته من التمر كان ذلك خيرًا للمعدة . فحنَّكه الرسول – عليه الصلاة والسلام – ودعا له بالبركة .

والشاهد من هذا الحديث: أن أم سليم قالت لأبي طلحة: احتسب ابنك، يعنى: اصبر على ما أصابك من فقده، واحتسب الأجر على الله . والله الموفق .

 * * *

 

 45 – وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس الشديد بالصُرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب))، أخرجه البخاري، ومسلم .

(( والصرعة )) بضم الصاد وفتح الراء، وأصله عند العرب: من يصرع الناس كثيرًا .

 

 46 – وعن سليمان بن صُرَد – رضي الله عنه – قال: كنت جالسًا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ورجلان يَسْتَبَّان، وأحدهما قد احمر وجهه، وانتفخت أوداجه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ذهب منه ما يجد))، فقالوا له: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((تعوَّذ بالله من الشيطان الرجيم))، أخرجه البخاري، ومسلم .

 

 الشرح :

هذان الحديثان اللذان ذكرهما المؤلف في الغضب، والغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم، فيستشيط غضبًا، ويحتمي جسده، وتنتفح أوداجه، ويحمرُّ وجهه، ويتكلم بكلام لا يعقله أحيانًا، ويتصرف تصرفًا لا يعقله أيضًا . ولهذا جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أوصني قال: ((لا تغضب))، قال فردَّد مرارًا، قال «لا تغضب»، أخرجه البخاري . وبيَّن النبي – عليه الصلاة والسلام – في حديث أبي هريرة هذا الذي ذكره المؤلف – رحمه الله – أن الشديد ليس بالصُّرَعة، فقال: ((ليس الشديد بالصرعة)) أي: ليس القوي في الصرعة الذي يكثر صرع الناس فيطرحهم ويغلبهم في المصارعة، هذا يقال عنه عند الناس إنه شديد وقوي، لكن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ليس هذا الشديد حقيقة، ((إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب))، أي : القوي حقيقة هو الذي يصرع نفسه إذا صارعته وغضب ملكها وتحكم فيها ؛ لأن هذه هي القوة الحقيقة، قوة داخلية معنوية يتغلب بها الإنسان على الشيطان ؛ لأن الشيطان هو الذي يلقي الجمرة في قلبك من أجل أن تغضب .

ففي هذا الحديث الحث على أن يملك الإنسان نفسه عند الغضب، وأن لا يسترسل فيه ؛ لأنه يندم بعده، كثيرًا ما يغضب الإنسان فيطلِّق امرأته، وربما تكون هذه الطلقة آخر تطليقة ! كثيرًا ما يغضب الإنسان فيتلفُ ماله، إما بالحرق أو بالتكسير ! كثيرًا ما يغضب على ابنه حتى يضربه، وربما مات بضربه ! وكذلك يغضب على زوجته مثلاً فيضربها ضربًا مبرحًا، وما أشبه ذلك من الأشياء الكثيرة التي تحدث للإنسان عند الغضب، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان؛ أخرجه البخاري، ومسلم .  لأن الغضب يمنع القاضي من تصور المسألة، ثم من تطبيق الحكم الشرعي عليها، فيهلك ويحكم بين الناس بغير الحق .  وكذلك ذكر المؤلف – رحمه الله – حديث سليمان بن صُرَد – رضي الله عنه – في رجلين استَبَّا عند الرسول صلى الله عليه وسلم، فغضب أحدهما حتى انتفخت أوداجه واحمر وجهه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)) أعوذ بالله، أي: أعتصم به من الشيطان الرجيم ؛ لأن ما أصابه من الشيطان،وعلى هذا فنقول: المشروع للإنسان إذا غضب أن يحبس نفسه وأن يصبر، وأن يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأن يتوضأ، فإن الوضوء يطفئ الغضب، وإن كان قائمًا فليقعد، وإن كان قاعدًا فليضطجع، وإن خاف خرج من المكان الذي هو فيه، حتى لا ينفذ غضبه فيندم بعد ذلك . والله الموفق .

* * *

 

 47 – وعن معاذ بن أنس – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من كظم غيظًا، وهو قادر على أن يُنْفِذَه، دعاه الله سبحانه وتعالى على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يُخيِّره من الحور العين ما شاء))، أخرجه أبو داود، والترمذي، وقال: حسن غريب، وابن ماجه، والإمام أحمد في المسند، وحسنه الألباني في صحيح الجامع .

 

48 – وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني ، قال: ((لا تغضب)) فردَّدَ مرارًا، قال ((لا تغضب))، أخرجه البخاري .

 

 49 – وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة))، أخرجه الترمذي، وأحمد، وقال الترمذي: حسن صحيح.

 

 الشرح :

هذه الأحاديث في باب الصبر تدل على فضيلة الصبر .

 أما الحديث الأول: حديث معاذ بن أنس – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله سبحانه وتعالى على رؤوس الخلائق يوم القيامة))، الغيظ: هو الغضب الشديد، والإنسان الغاضب هو الذي يتصوَّر نفسه أنه قادر على أن ينفذ ؛ لأن من لا يستطيع لا يغضب، ولكنه يحزن، ولهذا يوصف الله بالغضب ولا يوصف بالحزن ؛ لأن الحزن نقص، والغضب في محله كمال، فإذا اغتاظ الإنسان من شخص وهو قادر على أن يفتك به، ولكنه ترك ذلك ابتغاء وجه الله، وصبرًا على ما حصل له من أسباب الغيظ، فله هذا الثواب العظيم أنه يُدعى على رؤوس الخلائق يوم القيامة ويخيَّر من أي الحور شاء .

 وأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلاً قال: يا رسول الله، أوصني، قال: ((لا تغضب)) فردد مررًا فقال: ((لا تغضب)) فقد سبق الكلام عليه .

 والحديث الثالث فهو أيضًا دليل على أن الإنسان إذا صبر واحتسب الأجر عند الله كفَّرَ الله عنه سيئاته، وإذا أُصيب الإنسان ببلاء في نفسه أو ولده أو ماله، ثم صبر على ذلك، فإن الله – سبحانه وتعالى – لا يزال يبتليه بهذا حتى لا يكون عليه خطيئة .

ففيه دليل على أن المصائب في النفس والولد والمال تكون كفارة للإنسان، حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة، ولكن هذا إذا صبر، أما إذا تسخَّط فإن من تسخط فله السخط . والله الموفق .

 * * *

 

 50 – وعن ابن عباس – رضي الله عنهم- قال: قدم عُيينَة بن حصن فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يُدْنيهم عمر رضي الله عنه، وكان القراء أصحاب مجلس عمر – رضي الله عنه – ومشاوَرتِهِ، كهولاً كانوا أو شبانًا، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، لك وجه عند هذا الأمير فاستأذنْ لي عليه، فاستأذنَ، فأذن له عمر، فلما دخل قال: هيه يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل، فغضب عمر – رضي الله عنه – حتى هم أن يوقعَ به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:199]، وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها، وكان وقَّافًا عند كتاب الله تعالى . أخرجه البخاري .

 

الشرح :

ما زال المؤلف – رحمه الله – يأتي بالأحاديث الدالة على الصبر وكظم الغيظ، فذكر هذا الحديث عن ابن عباس – رضي الله عنهما – عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أمير المؤمنين، وثالث رجل في هذه الأمة الإسلامية، بعد نبيها صلى الله عليه وسلم وبعد الخليفة الأول، فعمر هو الخليفة الثاني، وكان قد اشتُهِرَ بالعدل بين الرعية، وبالتواضع للحق، حتى أن المرأة ربما تُذكِّرهُ بالآية في كتاب الله فيقف عندها ولا يتجاوزها، فقد قدم عليه عيينة بن حصن – وكان من كبار قومه – فقال له: هيه يا ابن الخطاب . هذه كلمة استنكار وتلوُّم . وقال له : إنك لا تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل . انظر إلى هذا الرجل يتكلم على هذا الخليفة المشهور بالعدل بهذا الكلام، مع أن عمر كما قال ابن عباس رضي الله عنه: ((كان جلساؤه القراء))، القُرَّاء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم جلساؤه، سواء كانوا شيوخًا أو كهولاً أو شبابًا، يشاورهم ويدنيهم، وهكذا ينبغي لكل أمير أو خليفة أن يكون جلساؤه الصالحين ؛ لأنه إن قُيِّضَ له جلساء غير صالحين هلك وأهلك الأمة، وإن يسَّر الله له جلساء صالحين نفع الله به الأمة .فالواجب على ولي الأمر أن يختار من الجلساء أهل العلم والإيمان .وكان الصحابة – رضي الله عنهم – القُرَّاء منهم هم أهل العلم ؛ لأنهم لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل . لما قال الرجل هذا الكلام لعمر: إنك لا تعطينا الجزل ولا تحكم فينا بالعدل، غَضِبَ – رضي الله عنه – غضبًا حتى كاد أن يهمَّ به، أي: يضر به أو يبطش به، ولكن ابن أخي عيينة الحر بن قيس قال له: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:199]، وإن هذا من الجاهلين . فوقف عندها عمر ولم يتجاوزها ؛ لأنه كان وقَّافًا عند كتاب الله – رضي الله عنه وأرضاه – فوقف، وما ضرب الرجل وما بطش به ؛ لأجل الآية التي تليت عليه . وانظر إلى أدب الصحابة – رضي الله عنهم عند كتاب الله، لا يتجاوزونه، إذا قيل لهم هذا قول الله وقفوا مهما كان . فقوله تعالى ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أي: خذ ما عفا من الناس وما تيسَّر، ولا تطلب حقك كله ؛ لأنه لا يحصل لك، فخذ منهم ما عفا وسهل . وقوله : ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ أي: اأمر بما عرفه الشرع وعرفه الناس، ولا تأمر بمنكر، ولا بغير العرف ؛ لأن الأمور ثلاثة أقسام : 1 – منكر يجب النهي عنه   ،

  2 – وعرف يؤمر به .

3 – وما ليس بهذا ولا بهذا فإنه يسكت عنه .ولكن على سبيل النصيحة ينبغي للإنسان ألا يقول إلا قولاً فيه خير، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت ))، أخرجه البخاري، ومسلم .  وأما لقوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، فالمعنى: أن من جهل عليك وتطاول عليك فأعرض عنه لاسيما إذا كان إعراضك ليس ذُلاً وخُنوعًا، مثل عمر بن الخطاب إعراضه ليس ذُلاًّ ولا خنوعًا، فهو قادر على أن يبطش بالرجل الذي تكلم، لكن امتثل هذا الأمر وأعرض عن الجاهلين . والجهل له معنيان : أحدهما: عدم العلم بالشيء، والثاني: السفه والتطاول .ومنه قول الشاعر الجاهلي: ألا لا يجهَلَـنْ أحـدٌ علينــا فَنَجْهَـل فوق جَهْـل الجـاهِلينـا أي: لا يسفَهْ علينا أحد ويتطاول علينا فنكون أشدَّ منه، لكن هذا شعر جاهلي ! أما الأدب الإسلامي فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:34] ،سبحان الله ! إنسان بينك وبينه عداوة أساء إليك، ادفع بالتي هي أحسن، فإذا دفعت بالتي هي أحسن ففورًا يأتيك الثواب والجزاء: ﴿أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾[فصلت:34]، وقوله ﴿وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ أي: قريب صديق في غاية ما يكون من الصداقة والقرب، والذي يقول هو الله عز وجل مُقَلِّبُ القلوب، ما من قلب من قلوب بني آدم إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل يُصَرِّفه كيف يشاء، فهذا الذي كان عدوًّا لك ودافعته بالتي هي أحسن، فإنه ينقلب بدل العداوة صداقة (كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) . فالحاصل أن هذه الآية الكريمة ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:199]، لما تليت على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه – وقف ولم يبطش بالرجل، ولم يأخذه على جهله . فينبغي لنا إذا حصلت مثل هذه الأمور، كالغضب والغيظ، أن نتذكر كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أن نسير على هديهما، حتى لا نضلَّ، فإن من تمسك بهدي الله فإن الله يقول: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طـه:123] ، والله الموفق.

 * * *

 51 – وعن ابن مسعود – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها !‍ قالوا: يا رسول الله، فما تأمرنا، قال: تؤدُّون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم))، أخرجه البخاري، ومسلم .

 (( والأثرة )): الانفراد بالشيء عمن له فيه حقٌ. 52 – وعن أبي يحيى أُسيد بن حضير – رضي الله عنه – أن رجلاً من الأنصار قال: يا رسول الله، ألا تستعملني كما استعملت فلانًا ؟ فقال: ((إنكم ستلقون بعدي أثرةً، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض))، أخرجه البخاري، ومسلم .

  (( وأُسَيْدٌ )) بضم الهمزة ، (( وحُضَيْرٌ )) بحاء مهملة مضمومة وضاد معجمة مفتوحة ، والله أعلم.

 

 الشرح :

هذان الحديثان: حديث عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – وحديث أسيد بن حضير – رضي الله عنه – ذكرهما المؤلف في باب الصبر ؛ لأنهما يدلان على ذلك . أما حديث عبد الله بن مسعود، فأخبر – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنها ستكون بعدي أثرة))، والأثرة يعني: الاستئثار بالشيء عمن له فيه حق . يريد بذلك صلى الله عليه وسلم أنه سيستولي على المسلمين وُلاةٌ يستأثرون بأموال المسلمين يصرفونها كما شاؤوا ويمنعون المسلمين حقَّهم فيها، وهذه أثرة وظلم الولاة، أن يستأثروا بالأموال التي للمسلمين فيها الحق، ويستأثروا بها لأنفسهم عن المسلمين، ولكن قالوا: ما تأمرنا ؟ قال: ((تُؤدُّون الحق الذي عليكم))، يعني: لا يمنعكم استئثارهم بالمال عليكم أن تمنعوا ما يجب عليكم نحوهم من السمع والطاعة وعدم الإثارة وعدم التشويش عليهم، بل اصبروا واسمعوا وأطيعوا ولا تنازعوهم الأمر الذي أعطاهم الله ((وتسألون الله الذي لكم))، أي: اسألوا الحق الذي لكم من الله، أي: اسألوا الله أن يهديهم حتى يؤدوكم الحق الذي عليهم لكم، وهذا من حكمة النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ علمَ أن النفوس شحيحة، وأنها لن تصبر على من يستأثر عليهم بحقوقهم، ولكنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أرشد إلى أمر قد يكون فيه الخير، وذلك بأن نؤدِّي ما علينا نحوهم من السمع والطاعة وعدم منازعة الأمر وغير ذلك، ونسأل الله الذي لنا، وذلك إذا قلنا: اللهم اهدهم حتى يعطونا حقنا، كان في هذا خير من جهتين .

 وفيه دليل على نبوَّة الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه أخبر بأمر وقع، فإن الخلفاء والأمراء منذ عهد بعيد كانوا يستأثرون المال، فنجدهم يأكلون إسرافًا، ويشربون إسرافًا، ويلبسون إسرافًا، ويسكنون ويركبون إسرافًا، وقد استأثروا بمال الناس لمصالح أنفسهم الخاصة، ولكن هذا لا يعني أن ننزع يدًا من طاعة، أو أن نُنابِذَهم، بل نسأل الله الذي لنا، ونقوم بالحق الذي علينا .

 وفيه ـ أيضًا ـ استعمال الحكمة في الأمور التي قد تقتضي الإثارة، فإنه لا شك أن استئثار الولاة بالمال دون الرَّعيَّة يوجب أن تثور الرعية وتطالب بحقها، ولكن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أمر بالصبر على هذا، وأن نقوم بما يجب علينا، ونسأل الله الذي لنا . أما حديث أسيد بن حضير ـ رضي الله عنه ـ فهو كحديث عبد الله بن مسعود أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ((إنها ستكون أثرة))، ولكنه قال: ((اصبروا حتى تلقوني على الحوض))، يعني: اصبروا ولا تنابذوا الولاة أمرهم حتى تلقوني على الحوض، يعني أنكم إذا صبرتم فإن من جزاء الله لكم على صبركم أن يسقيَكم من حوضه، حوض النبى صلى الله عليه وسلم، اللهم اجعلنا جميعًا ممن يرده ويشرب منه، هذا الحوض الذي يكون في يوم القيامة في مكان وزمان أحوج ما يكون الناس إليه ؛ لأنه في ذلك المكان وفي ذلك الزمان، في يوم الآخرة يحصل على الناس من الهم والغم والكرب والعرق والحر ما يجعلهم في أشد الضرورة إلى الماء، فيَرِدونَ حوض النبي صلى الله عليه وسلم، حوض عظيم طوله شهر وعرضه شهر، يصب عليه ميزابان من الكوثر، وهو نهر في الجنة أُعْطِيَهَ النبي صلى الله عليه وسلم، يصبَّان عليه ماء، أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وأطيب من رائحة المسك، وفيه أوان كنجوم السماء في اللمعان والحسن والكثرة، من شرب منه شربة واحدة لم يظمأ بعدها أبدًا، اللهم اجعلنا ممن يشرب منه . فأرشده النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ إلى أن يصبروا ولو وجدوا الأثرة، فإن صبرهم على ظلم الولاة من أسباب الورود على الحوض والشرب منه .

 وفي هذين الحديثين : حث على الصبر على استئثار ولاة الأمور في حقوق الرعية، ولكن يجب أن نعلم أن الناس كما يكونون يُوَلَّى عليهم، إذا أساؤوا فيما بينهم وبين الله فإن الله يُسَلِّط عليهم ولاتهم، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام:129]، فإذا صلحت الرعية يَسَّرَ الله لهم ولاة صالحين، وإذا كانوا بالعكس كان الأمر بالعكس . ـ ويذكر أن رجلاً من الخوارج جاء إلى علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ وقال له : يا علي، ما بال الناس انتقضوا عليك ولم ينتقضوا على أبي بكر وعمر ؟ فقال له: إن رجال أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ أنا وأمثالي، أما أنا فكان رجالي أنت وأمثالك، أي: ممن لا خير فيه، فصار سببًا في تسلُّط الناس وتفرقهم على علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ وخروجهم عليه ، حتى قتلوه رضي الله عنه . ـ ويذكر أن أحد ملوك بني أمية سمع مقالة الناس فيه، فجمع أشراف الناس ووُجَهاءهم وكلَّمهم ـ وأظنه عبد الملك بن مروان ـ وقال لهم: أيها الناس، أتريدون أن نكون لكم مثل أبي بكر وعمر ؟ قالوا: نعم ، قال إذا كنتم تريدون ذلك فكونوا لنا مثل رجال أبي بكر وعمر ! فالله سبحانه وتعالى حكيم، يولي على الناس من يكون بحسب أعمالهم، إن أساؤوا فإنه يُساء إليهم، وإن أحسنوا أحسن إليهم . ولكن مع ذلك لاشك أن صلاح الراعي هو الأصل، وأنه إذا صلُحَ الراعي صلحت الرعية ؛ لأن الراعي له سلطة يستطيع أن يُعَدِّلَ من مَالَ، وأن يُؤدِّب من عالَ وجَار . والله الموفق.

 * * *

 

 53 ـ وعن أبي إبراهيم عبد الله بن أبي أَوْفَى ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لَقِيَ فيها العدو انتظر حتى إذا مالت الشمس، ثم قام فيهم فقال: ((يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)). ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللهم مُنزل الكتاب، ومُجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم))، أخرجه البخاري، ومسلم .

 

 الشرح :

قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن عبد الله بن أبي أوفى ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بعض غزواته، فانتظر حتى مالت الشمس، أي: زالت الشمس، وذلك من أجل تُقبِلَ البرودة ويكثر الظل وينشط الناس، فانتظر حتى مالت الشمس قام فيهم خطيبًا، وكان صلى الله عليه وسلم يخطب الناس خطبًا دائمة ثابتة كخطبة يوم الجمعة، وخطبًا عارضة إذا دعت الحاجة إليها قام فخطب ـ عليه الصلاة والسلام ـ وهذه كثيرة جدًا، فقال في جملة ما قال: ((لا تتمنوا لقاء العدو))، أي: لا ينبغي للإنسان أن يتمنى لقاء العدو ويقول: اللهم ألقني عدوي، ((واسألوا الله العافية))، قل: اللهم عافنا، ((فإذا لقيتموهم)) وابتليتم بذلك ((فاصبروا))، هذا هو الشاهد من الحديث، أي : اصبروا على مُقاتَلَتِهم واستعينوا بالله عز وجل، وقاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا، ((واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)) نسأل الله من فضله، فالجنة تحت ظلال السيوف التي يحملها المجاهد في سبيل الله ؛ لأن المجاهد في سبيل الله إذا قُتل صار من أهل الجنة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 169ـ 171]. والشهيد إذا قُتل في سبيل الله فإنه لا يحسُّ بالطعنة أو بالضربة، كأنها ليست بشيء، ما يحسُّ إلا أن روحه تخرج من الدنيا إلى نعيم دائم أبدًا، نسألك اللهم من فضلك، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف )) . وكان من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أنس بن النضر، قال: (( إنِّي لأجد ريح الجنة دون أُحد)) أخرجه البخاري، ومسلم .  انظر كيف فتح الله مشامَّه حتى شم ريح الجنة حقيقة دون أحد، ثم قاتل حتى قُتل ـ رضي الله عنه ـ فوجِدَ فيه بضع وثمانون ضربة ما بين سيف، ورمح، وسهم، وغير ذلك، فقُتل شهيدًا رضي الله عنه، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: ((واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف))، ثم قال عليه الصلاة والسلام: ((اللهم مُنزل الكتاب، ومُجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم))، وهذا دعاء ينبغي للمجاهد أن يدعو به إذا لقي العدو. فهنا توسَّل النبي- عليه الصلاة والسلام- بالآيات الشرعية والآيات الكونية، توسل بإنزال الكتاب وهو القرآن الكريم، أو يشمل كل كتاب، ويكون المراد به الجنس، أي: منزل الكتب على محمد وعلى غيره. ((ومجري السحاب)): هذه آية كونية، فالسحاب المسخر بين السماء والأرض لا يجريه إلا الله عز وجل، لو اجتمعت الأمم كلها بجميع آلاتها ومعداتها على أن تجري هذا السحاب أو أن تصرف وجهه ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، وإنما يُجريه من إذا أراد شيئًا قال له كُنْ فيكون. ((وهازم الأحزاب)): فإن الله عز وجل وحده هو الذي يهزم الأحزاب، ومن ذلك: أن الله هزم الأحزاب في غزوة الأحزاب، والتي قد تجمَّع فيها أكثر من عشرة آلاف مقاتل حول المدينة ليقاتلوا الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن الله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب: 25] ، فأرسل عليهم ريحًا وجنودًا زلزلت بهم وكفأت قدورهم وأسقطت خيامهم، وصار لا يستقرُّ لهم قرار، ريحٌ شديدةٌ باردةٌ شرقيةٌ حتى ما بقوا وانصرفوا، قال الله عز وجل: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾[الأحزاب: 25]، فالله عز وجل هو هازم الأحزاب، ليست قوة الإنسان هي التي تهزم، بل القوة سبب قد تنفع وقد لا تنفع، لكننا مأمورون بفعل السَّبب المباح، لكن الهازم حقيقة هو الله عز وجل.

ففي هذا الحديث عدة فوائد: منها: أن لا يتمنى الإنسان لقاء العدو، وهذا غير تمنِّي الشهادة، تمني الشهادة جائز وليس منهيًّا عنه، بل قد يكون مأموراً به، أما تمني لقاء العدو، فلا تتمناه ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تتمنوا لقاء العدو)).

 ومنها: أن يسأل الإنسان الله العافية ؛ لأن العافية والسلامة لا يعدلها شيء، فلا تتمنَّ الحروب ولا المقاتلة، واسألِ الله العافيةَ والنصرَ لدينه، ولكن إذا لقيت العدو، فاصبر .

 ومنها: أن الإنسان إذا لقيَ العدو فإن الواجب عليه أن يصبر، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(45)وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾[الأنفال:45،46] .

 ومنها: أنه ينبغي لأمير الجيش أو السَّرِيَّة أن يرفق بهم، وأن لا يبدأ القتال إلا في الوقت المناسب، سواء كان مناسباً من الناحية اليوميَّة أو من الناحية الفصليَّة، فمثلاً في أيام الصيف لا ينبغي أن يتحرَّى القتال فيه ؛ لأن فيه مشقَّة. وفي أيام البرد الشديد لا يتحرَّى ذلك أيضًا ؛ لأن في ذلك مشقة، لكن إذا أمكن أن يكون بين بين، بأن يكون في الربيع أو في الخريف، فهذا أحسن ما يكون.

 ومنها – أيضًا- أنه ينبغي للإنسان أن يدعو بهذا الدعاء: ((اللهم مُنزل الكتاب، ومُجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم)) .

ومنها: الدعاء على الأعداء بالهزيمة ؛ لأنهم أعداؤك وأعداء الله، فإن الكافر ليس عدوًا لك وحدك، بل هو عدو لك ولربك ولأنبيائه ولملائكته ولرسله ولكل مؤمن، فالكافر عدو لكل مؤمن، وعدو لكل رسول، وعدو لكل نبي، وعدو لكل ملك، فهو عدو ، فينبغي لك أن تسأل الله دائمًا أن يخذل الأعداء من الكفار، وأن يهزمهم، وأن ينصرنا عليهم والله الموفق.

اترك تعليقاً