سعادة الإنسان في العمل بالقرآن
بقلم الأستاذ/ محمود إبراهيم الموجي
جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنور المبين والهدى والفرقان، فعلم الناس أن الله هو الحق الأحد، وأن من سواه وما سواه عباد مقهورون بقهره، وعوالم مربوبون بعزته، فكل العلوم والفنون التي أظهرها الإنسان في هذا العصر هي نتاذج النهضة الإسلامية المباركة. إذ كان المجتمع الإنساني قبل الإسلام هاويًا في الحضيض الأسفل لم يبلغ رقيه مبلغ كمال بعض أنواع الحيوانات التي تتفاوت كالنمل والنحل والقردة وذلك لأن المجتمع كان يمثل برية يسكنها أنواع كثيرة من الوحوش والغزلان والطير.. فكان قوت القوى من الضعيف ظلمًا، وكانت قواهم العقلية منصرفة إلى التسليم الدال على فسادها. فإن منهم من كان يقدس الأنهار، ومنهم من كان يقدس الأفلاك، ومنهم من كان يقدس الحجر، ومنهم من كان يقدس البقر، ومنهم من كان يقدس الملوك، ومنهم من كان يدعي أن ولدًا ولدته امرأة من غير أب صار إلهًا فعبدوه أو اتخذوه ابنًا للإله أو حلَّ فيه الإله… هذا ما كان فيه المجتمع حتى أنقذهم الله بنور الرسالة المحمدية فتحقق كل مسلم أن ما عدا الإنسان مسخر للانسان، وأن الإنسان هو النوع الوسط الذي خلقه الله تعالى بيديه وجعله خليفة عنه سبحانه، والمقصود بالحياة الأبدية، فنشط الإنسان من عقاله وعرف قد نفسه في هذا الكون، وبمعرفته نفسه عرف قدر ربه فقام يستخدم ما كان يقدسه ويعبده من دون الله، ولم يرتق أهل أوروبا إلا بعد أن تخلوا عن دينهم وقلدوا رجال العلم والعمل في المسلمين في ما جملهم الله به من العلوم القرآنية، وبالعكس فالمسلمون انحطوا قدرًا لما أن تهاونوا بزحكام دينهم، وما على العاقل المنصف إلا أن ينظر نظرة مفكر لينظر فيري الإفرنج قد تقدموا ماديًا لترك دينهم، والمسلمين قد تأخروا بإهمالهم أحكام دينهم ولو أن المسلمين حافظوا على ما كان عليه السلف لدام لهم المجد الأول والعزة… قال الله تعالى: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} وقال تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا يعبدونني لا يشركون بي شيئًا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون}.
ظهر لنا أن الإنسان قبل القرآن كان أقل من البهائم والراتعة لأن البهائم لا تنقاد مذللة إلا بالقوة القاهرة، والإنسان قبل القرآن انقاد بقوة فكره وعقله مختارًا لإنسانٍ مثله فجعله إلهًا يعبد أو لصورة صنعها بيده واتخذها إلهًا… هذا ما كان عليه الإنسان قبل القرآن.. ولكن أنوار القرآن وأسرار السنة جعلت الإنسان كاملا ظاهرًا وباطنًا حسًا ومعنى فقام يعمل للدين والدنيا والآخرة، أحياها فتنافس الناس في العلم وخدموا السنة والملة والجماعة فكان الخير والسعادة والعزة والتمكين في الأرض بالحق فترة من الزمن ـ تمتع العالم الإسلامي خلالها بما لم تحظ بمثله أمة خلت من قبله غير ما ادخر الله لهم في دار كرامته من النعيم المقيم والسعادة الأبدية الدائمة.
كل ذلك إنما حصل لهم من الإيمان بالقرآن والاهتداء بهديه وتدبر معناه وإحلال حلاله وتحريم حرامه وتنفيذ أحكامه والاعتصام بحبله المتين يوم أن كان الله يعبد وحده ويسأل وحده ويتوكل عليه وحده، ويستعان به وحده.. ويذبح وينذر له وحده.. لأنه مالك الملك وخالق الخلق وباسط الرزق وحده وهو على كل شيء قدير.
ثم خلف من بعدهم خلف تركوا الاعتصام بالقرآن، واتبعوا حظوظهم وشهواتهم حتى انهار هذا العماد الرفيع الذري، ونام العالم الإسلامي نومة الغفلة ورقد رقدة الجهالة فانتهز وحوش الغرب هذه الفرصة وتمكن أعداء الإسلام والمسلمين من بث عوامل الفساد بين المجتمع حتى أشرب أهل الغواية في قلوبهم الفساد والضلال وكانوا دعاة لتمزيق المجتمع وإذلال سلطانه وإضعاف قوته، فقام بين كل جماعة صارخ يصرخ مرة باقتفاء آثار الإفرنج وتارة بإظهار عيوب المسلمين ومعاداتهم، وآونة بتفريق الجسد الإسلامي فيجعل منه عربًا وتركًا ومصريين وسوريين وسودانيين وهنودًا وغير ذلك وقام في كل جماعة وبلد دعاة سوء وعلماء فتنة ينشرون وثنية الصوفية المجرمة المدمرة وينفثون سمومها المهلكة لا أقول بين الدهماء والعوام فحسب.. بل وياللحسرة بين كثير من العلماء فأعادوا بذلك سيرة الجاهلية الأولى قبل القرآن من تقديس الأشجار والأحجار والقبور وما إليها فأعرض الله عنهم بكلاءته وحفظه ورحمته ووكلهم إلى أنفسهم وإلى عدوهم فمزقهم شر ممزق، وجاس خلال ديارهم واتخذ من تفرقهم شيعًا وأحزابًا أمضى سلاح استعمله في إذلال الرجال وسلب المال واستعباد الأحرار.. والجزاء، من جنس العمل {وما ربك بظلام للعبيد}.
فانظر رحمك الله إلى السلف والخلف، وكيف أن السلف حين ما أشرقت شمس الإسلام على العقول والأفكار والقلوب والأرواح سارع منافسًا في العمل بكتاب الله وسنة رسول الله، فبحثوا ونقبوا ونظروا، وعملوا واخترعوا وابتكروا خدمة لكتاب الله وعملا بسنة رسول الله.. وقام منهم الدعاة في كل أقطار الأرض فملأوا الأرض بأنوار الحكمة العملية والنظرية، وقام كل فرد من أفراد المسلمين بعد تحصيل ما وجب عليه من العلوم ممتازًا بعلم من العلوم التي صرف نفيس وقته فيها فكان منهم الطبيب النطاسي، والحكيم البارع والفقيه المستنبط والسياسي المحنك والمخترع المدهِش للعقول، لا يكاد يدخل تحت حصر وانتشر هؤلاء العلماء في كل الأنحاء، فأيقظوا العالم من غفوته ـ .
كل ذلك بما سرى من روح القرآن في أبدانهم وأشرق من أنواره على قلوبهم.
وانظر إلى الخلف وقد أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، يحبون العاجلة ويذرون الآخرة.
ومن علامة حبهم للعاجلة أنهم يضحون بكل فضيلة ومكرمة في جلب النفع الخاص لأنفسهم غير مبالين بالشر الذي ينجم عنه مهما كان ولو عم كل مسلم ما دام الواحد منهم مغمورًا بما يلائم حظه وهواه.. والبغيض كل البغيض عندهم هم أهل الحق إذا لم يكن لهم سلطان قائم… فتراهم يقبحون عوائد أهل الحق وهي الفضيلة الكاملة. وأخلاقهم، وهي الجميلة العادلة.. وعقائدهم وهي الحق المبين.. ثم يدعون بعد ذلك أنهم مسلمون والله يشهد إنهم لكاذبون.
أيها المستمون باسم الإسلام المعرضون عن القرآن. قد أصبحتم بذلك رعية أذلاء بعد أن كنتم رعاة أعزاء.. ضعفتم بعد القوة.. وتفرقتم بعد الجمع.. صرتم تؤكلون ولا تأكلون.. وتؤخذون ولا تأخذون.. وتسمعون وتطيعون لغير حكم الله ورسوله وبان لكم خطأ انحرافكم عن دينكم مجسما حتى صبت عليكم أنواع المصائب وضيق عليكم الخناق واستعبدتم أيما استعباد. فهل كان ذلك أزجر وأردع لنفوسكم الجامحة من تذكير العلماء ووعظ الحكماء فتعملون على خلاصكم من هذا الذل والعذاب المهين بالأسباب التي شرعها لكم ربكم في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وتتركون الأضرحة وعبادة ما بها من الموتى فقد طالما جربتم ذلك بلا جدوى. بل جر عليكم أذيال الخيبة والخسران والفشل والعار والدمار غير ما سجلتموه بذلك على أنفسكم من الشقاء الأبدي والذي السرمدي في نار جهنم ثم يقول لكم ربكم {أين شركائي الذين كنتم تزعمون}.
القرآن الكريم هو النجاة من الهول في الدنيا والآخرة.. القرآن هو سبيل الحظوة بالحسنى في الدنيا والآخرة.. فلا تعملوا عملا حتى يظهر لكم من القرآن الحكيم حكمه.. فإن أحل فاعملوا وإن حذر فامتنعوا {واتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون}.