درس من المهجر
بقلم الأستاذ الدكتور أمين محمد رضا رحمه الله
نشطت حركة الهجرة من الوطن الإسلامي إلى بلاد الفرنجة في الآونة الأخيرة. ففي بعض أجزائه اكتشف أبناؤه ثروات ظلت دفينة في باطن الأرض قروناً عدة ثم وفقهم الله إلى استثمارها في تطوير بلادهم وتنميتها، مما دعا هذه الشعوب إلى إرسال أعداد كبيرة من شبابها إلى بلاد العالم المختلفة غرباً وشرقاً ليتعلموا ويعودوا إلى بلادهم يشاركون في صنع حضارتها وبناء نهضتها.
أعداد غفيرة أخرى من المسلمين يهاجرون إلى العالم الغربي بهدف العمل بأجر مرتفع ارتفاعاً كبيراً بالنسبة لما يتقاضونه كأجر لعمل مماثل في بلادهم .وبعد قليل يحلو لهم العيش هناك فيستوطنون بلاداً غريبة عليهم، وينقلون إليها عائلاتهم وذرياتهم.وهي غريبة عليهم في عاداتها ومعتقداتها ومثلها بل وكذلك في فواحشها وموبقاتها كبيرها وصغيرها.
وإلى جميع هؤلاء نسوق هذه الحادثة التالية التي كانت درساً قاسياً لوالد في نفسه وفي ابنته المراهقة.
هذا الخبر منقول إلى العربية طبق الأصل بقدر الإمكان ولو أنه لم يمكن نقل كل ما تخلل كلماته من تهكم على المجتمع الإسلامي وعاداته وتقاليده.
كانت هذه الحادثة حالة بالغة في السوء لعصيان سن المراهقة.وكان الذي أثارها اختلاط عابر بين حضارتين.المراهقة بطلة هذه القصة هي كريمة أوخن، وهي صبية في الخامسة عشرة من عمرها جميلة الوجه مليئة الجسم ومن أكثر فتيات مدرستها الثانوية شعبية وحيوية.وهي تقطن المدينة الهولندية (أميرسفورت) حيث ولدت وترعرعت.أما البطل فهو (محمد أوخن) والد كريمة البالغ من العمر 44 سنة والذي انتقل من بلده في المغرب العربي الإسلامي قبل 20 سنة عندما كانت هولندا تعاني من نقص في الأيدي العاملة.
اجتهد محمد أوخن في عمله في مصنع سجاد وسرعان ما تحسنت ظروفه المعيشية وأصبحت أسرته تتطبع بطباع الهولنديين أو قل إنها (تهلندت) بما حصلت عليه من أجهزة كهربائية عصرية الثلاجة والمكنسة والغسالة وخاصة التليفزيون.
ولكن الأب (المتهلند) لم يتمكن من التخلص تخلصاً تاماً من معتقداته الإسلامية التي تفرض على النساء المسلمات الطاعة العمياء للرجال.أما كريمة مثل غيرها من بنات سنها أصبحت تغازل الفتيان وتخالطهم على مرأى ومسمع من والدها الذي طبعاً جن جنونه، وأخذ يضرب ابنته كريمة عقاباً لها على قلة حيائها، وكان يبرر(اعتداءه) هذا بتلاوة بعض الآيات القرآنية.ولكن كريمة راحت تطلع على ترجمة باللغة الهولندية للقرآن الكريم، وواجهت أباها بأن القرآن لم يسمح له بضربها واستشاط الأب غضباً وزاد في (اعتدائه) عليها بالضرب.وشكت كريمة أباها لمدرس الفصل في مدرستها.وتمكن الأستاذ بمساعدة الشرطة والأخصائيين الاجتماعيين من الحصول على أمر المحكمة بحرمان الأب من حضانة البنت وكفالتها.إلا أن الفراق بين بطل القصة وابنته ما كان ليتحمله الأب.فالمسألة لم تكن ديناً وأخلاقاً فقط، بل كانت قبل كل شيء مسألة كرامة: (لقد أصيب في شرفه إصابة بالغة)كما عبر عن ذلك أحد الصحفيين المغاربه في أمستردام.( لقد فقد الأب هيبته أمام امرأته وأسرته وجميع مواطنيه).
ولذلك فقد خطط الأب لفرصة أخيرة تمكنه من أن يرجع بابنته إلى بيته.ولذلك طلب من السلطات الهولندية أن ( تسمح) له أن يقابل ابنته في حضور (أخصائيين في حماية الأحداث من ذويهم).وفي هذا الاجتماع استل الأب سكيناً كبيراً ووضعها على رقبة ابنته وأخذها وهرب، معلناً للجميع أنه سيعطي ابنته درساً قاسياً .واستقل سيارته بسرعة ومعه البنت.واتجه إلى أسبانيا حيث ركب عبارة متجهة إلى المغرب.لما أصبح في السفينة واطمأن الوالد إلى قرب وصوله إلى وطنه قال لكريمة ابنته إنه يرافقها إلى بلدته في المغرب لتزويجها برجل يناهز الثانية والسبعين من عمره.
ماذا فعلت كريمة؟ألقت بنفسها توا في اليم.وأنقذها من الغرق أحد رجال الشرطة الأسبان، وأثناء التحقيق قصت كريمة قصتها كاملة.وتناولت كل من الصحافة الأسبانية والهولندية هذه القصة الشاذة بالتعليق وبكل ما أوتيت من الإثارة الصحفية.وعلم بالموضوع المسئولون الهولنديون في مدرسة كريمة وأعضاء البرلمان الهولندي، وتدخل السفير المغربي للمحافظة على العلاقات الدبلوماسية.
وللحد من التأثيرات الجانبية لهذه الفضيحة الخجلة نصح المسئولون المغاربة الأب أن يصطحب ابنته بهدوء عائداً إلى هولندا مرة أخرى.وفعلاً رجع بطلا القصة إلى (أمر سفورت) قوبلت البطلة كريمة بالترحاب والإكبار، وهنأتها زميلاتها في المدرسة تهنئة الأبطال، وتمنى لها أصدقاؤها ومستقبلوها جميعًا حظاً سعيداً في كفاحها لتحرير الفتيات من ظلم الآباء وقهرهم.وتشجعت كريمة عندما قوبلت بهذا الاستقبال الحافل وسجل لها الصحفيون التصريح التالي: للبنت هنا في هولندا كلمة مسموعة وحرية مضمونة.أما المغرب فهي بلد جميل للزيارة فقط ولكنني لا أريد أن أعيش فيه أبداً.
نشرت هذه الحادثة مجلة نيوزويك الأمريكية التي تصدر أسبوعياً وتوزع في أنحاء العالم أكثر من مليون نسخة.نشرتها في إطار بارز على صفحة 34من العدد 22 من المجلد 105 الصادر يوم 3 يونيو1985 تحت عنوان(حادث تصادم بين حضارتين).
أما ما لم يرد في هذه المجلة فهو وصف حالة الأب عند عودته صاغراً بابنته إلى حيث اختطفها ظناً منه انه انتشلها من مجتمع كان يعتقد أنه السبب في قلة حيائها وانعدام أدبها وعقوقها لوالدها، وفي ابتعادها بوقاحة عن أساسيات تعاليم دينها وآدابه، وفي انغماسها في مجامل الإباحية الغربية وفجورها.وباختصار فقد كانت ابنته وفلذة كبده (خارجة عن طوعه).أما البنت فمن ناحيتها كانت تعتقد أن والدها عاق معتد أثيم رجعي ظالم من جيل عتيد متحجر.وباختصار ففي نظرها كان أبوها(دقة قديمة)كما يقولون.أما الذين استقبلوهما فكانوا يرون أن الحادثة تظهر بوضوح انتصار حضارة غربية متطورة متقدمة متحررة تنصف المرآة وتحطم أغلالها وتضع الرجل عند حده.انتصار هذه الحضارة على حضارة قديمة من القرون البالية آن لها أن تختفي من الوجود.
هل هتف الأب أيضاً مع حشد المستقبلين وقال يحيا العدل ؟ أم بكي قلبه وانعقد لسانه وانكسرت نفسه وأحس أنه انتقل إلى هذا العالم الغربي ليكسب الكثير فتحقق له أنه خسر كل شيء في دنياه وربما في آخرته
هل يا ترى شعر هو أن مستقبليه يكبرونه كرجل كان على حق وأن مبادئه فعلاً جديرة بالاحترام؟ أم أنهم كانوا ينظروه إليه كرجل سفيه ظهرت عليه مظاهر المدنية في ملبسه ومأكله وأثاث بيته وهندام أسرته ولكن هذه المدنية لم تختلط بقلبه ولم تمح من نفسه آثار معتقداته القديمة المستهلكة؟
تقصد المجلة بكلمة تصادم التي استعملتها في عنوانها صداماً بين القديم والجديد، بين الرجعية والتقدمية والعلمانية والتدين، بين ما هو في رأيهم الحضارة الراقية والأخرى البالية التي تسير في طريقها إلى الزوال.
أما هذا الأب إن كان مسلماًً أو متمسلماً فقد ترك بلده المسلم الملئ بالقيم والمبادئ ومكارم الأخلاق جرياً وراء مزيد من الدخل جعله يعيش في ترف، وفي بيئة رضيها لنفسه ولكنه لم يرضها لابنته.وتصور أنه في وسط هذه البيئة يمكنه أن يسيطر عليها ويهديها إلى طريق مستقيم.فماذا كانت انعكاسات سلوكه على المجتمع الذي حوله؟ لقد تحالفت كل القوى المضادة عليه، وانضمت إليها قوى من بني جنسه ضده، وكل هذه القوى النابعة من الحضارة التي يراها هو فاسدة،ساعدت ابنته- التي اعتبرها أعز شيء في الوجود، بل كانت هي سبباً في كفاحه- ساعدتها على المضي في الطريق التي اعتقد هو أنها فاسدة، ولم يتمكن من أن يعود بابنته إلى الرشد لعدم قدرته على التغلب على قوى المجتمع الذي اختار اختياراً حراً أن يعيش فيه فأصبح سجيناً فيه، مضطراً أن يرى الفساد ينخر في أقرب الناس إليه من غير أن يتمكن من إسعافه والأخذ بيده.
هذا درس لكل من يهاجر إلى مثل هذه البلاد درس فيه كل القسوة اللازمة ليفيق كل غافل، ولا يتصور أن مبادئه وضميره وعلمه وإرادته القوية.أن كل هذه الأمور كفيلة بحمايته من قوى ستقيده وتقف في وجهه وتنصر الشر عليه وتغلب إرادته مهما قويت.لأنه يمثل الخير في بيئة شريرة لا تترك للخير منفذاً ولا تريد له أن ينمو أو ينتعش.لأن الخير وأعوانه أعداء للشر وأعوانه، ولأن الشر لا يريد للخير أن يجد مكاناً بجانبه.
نعم إن هذه الحادثة ناتجة عن صدام بين حضارتين متناقضتين.الحضارة الأولى هي (الغربية المبنية على المادية البحتة التي يسمونها يمينية أو يسارية، وعلى الأنانية المحضة التي تجعلهم يدمرون كل الحضارات الأخرى أو العالم كله بالتفجير الذري وحرب الكواكب من غير أن يؤنبهم ضميرهم-ولا أقول من غير أن يخشوا الله ربهم ورب العالمين لأنهم لا يفكرون في ذلك- وعلى الإلحاد التام العام الذي يجعل الإنسان جزءاً من المملكة الحيوانية على قمة سلم التطور حسب نظرية داروين، وعلى أخلاق قوامها الانحلال المتناهي والإباحية المفرطة والعيش بلا قيود.وإن بقيت عندهم بعض مظاهر الصفات الحميدة مثل الصدق في المعاملة، والالتزام بالعهد،وتجنب الغش في البضاعة، فهي من لوازم المحافظة على تجارتهم وصناعتهم التي تقوم عليها معيشتهم والتي يؤسسون عليها ثراءهم وتقدمهم العلمي.ولا يمكن طبعاً أن تكون هذه الأخلاق الحميدة في مظهرها ناشئة عن اعتقاد ديني أو عن خشية الله فقد اندثر الدين عندهم وانعدمت خشية الله والعياذ بالله.
أما الحضارة الثانية فمبنية على الإيمان بوجود الله سبحانه وتعالى فالمسلم في حركته وسكنته وفي عمله وتفكيره يشعر في أعماق قلبه أن الله معه يراقبه ويحاسبه ويهديه ويعينه.فإن اتصف بالصفات الحميدة فلذلك.ولئن انعدمت فيه هذه الصفات بعض الوقت فلأنه سها فترة عن مراقبة الله له.والقيم العليا ومكارم الأخلاق هي أساس الحضارة الإسلامية، والتقدم العلمي يستعمل لإحياء النفس البشرية وراحتها ورعايتها، ولتوفير الأمن والأمان لها، لا لإشاعة الرعب والإرهاب في أنحاء العالم وللبناء لا للدمار.لا وجود للأنانية في المجتمع الإسلامي، فالتكافل بين المسلمين فرض من أركان دينهم والحب والوئام والأخوة والمساواة خلال تربط الجميع في بنيان قوى صامد.
لا مجال في التعليق على هذه الحادثة لتناول تصرفات الأب بالنقد والتحليل من وجهة النظر التربوية والسلوكية.فلم يكن الأب متخصصاً في علم النفس أو التربية أو السلوك.وما كانت تصرفاته إلا انعكاساً لنشأته الأولى وتربيته طفلاً في بلده من جهة، ورداً منه على فعل ابنته.وهو فعل لم يقبله طبعه وتكوينه، ولكنه فعل طبيعي من بنت شبت في البيئة التي تربت فيها.
هذا الأب سافر إلى عالم غير عالمه، وربى أولاده في بيئة غير التي تربى هو فيها بل هي بيئة لم يكن راضياً عنها ولم يكن يريد أن يندمج هو ولا عائلته فيها، إلا أنه لما فطن لتأثير هذه البيئة على ابنته جن جنونه وثار ثورة عارمة.وقد يكون هذا السلوك منه لأنه أحس أن وقت التقويم قد فات.وربما كان يظن أن القوة تعوض فوات الأوان.
هذا الدرس القاسي يعلمنا أن نختار بين طريقتين إذا هاجرنا إلى مجتمع يخالف مثلنا وطباعنا وأخلاقنا وديننا.
الطريقة الأولى هي أنه يجب علينا من أول لحظة أن نأخذ كل ما يمكننا من الاحتياط لحماية أنفسنا وأولادنا من خطر العدوى بآفات هذا المجتمع الجديد.وهذا معناه أن المهاجر سيظل باستمرار في احتكاك وشقاق وخلاف مع المجتمع الذي انتقل إليه.
والطريقة الثانية هي أن نستسلم إلى جميع التيارات الهدامة في المجتمع الجديد ونتطبع بطباعه وننسى أنفسنا وأخلاقنا وقيمنا وديننا ونعيش في راحة بال هانئين هناءة ظاهرية مريرة باكتسابنا أخلاق الإلحاد والإباحية المتطرفة.فإذا وجدنا أن الاختيار بين هاتين الخصلتين صعب، وأننا لا نرضى بالكفر بعد الإيمان،ولا نريد عيشة مريرة مليئة بالقلق على أنفسنا وعلى ذريتنا من العدوى بأمراض البيئة الكافرة، فما علينا إلا أن نرفض الهجرة ونرضى بحياة متقشفة خشنة ولكنها في مرضاة الله.