اجتهاد النبيِّ صلى الله عليه وسلم في عبادته وجهاده ج2

في تاريخ :  10 مارس 2015

عباد الله! إن العبد المسلم مأمور بالاقتداء بهذا الرسول الرحيم لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا .

 


اجتهاد النبيِّ r في عبادته وجهاده 


ج2


  


عباد الله! إن العبد المسلم مأمور بالاقتداء بهذا الرسول الرحيم  لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا . 


ولقد جاهد r في جميع ميادين الجهاد:


* جهاد النفس 


وله أربع مراتب: جهادها على تعلم أمور الدين، والعمل به، والدعوة إليه على بصيرة، والصبر على مشاق الدعوة،


* وجهاد الشيطان


 وله مرتبتان: جهاده على دفع ما يلقي من الشبهات، ودفع ما يلقي من الشهوات،


* وجهاد الكفار 


 وله أربع مراتب : بالقلب، واللسان، والمال، واليد. 


* وجهاد أصحاب الظلم


 وله ثلاث مراتب: باليد، ثم باللسان، ثم بالقلب.


 فهذه ثلاث عشرة مرتبة من الجهاد، وأكمل الناس فيها محمد r ؛


 لأنه كمَّل مراتب الجهاد كلها، فكانت ساعاته موقوفة على الجهاد: بقلبه، ولسانه، ويده، وماله؛


 ولهذا كان أرفع العالمين ذكراً وأعظمهم عند الله قدراً([1]).


 وقد دارت المعارك الحربية بينه وبين أعداء التوحيد، فكان عدد غزواته التي قادها بنفسه سبعاً وعشرون غزوة، وقاتل في تسع منها،


 أما المعارك التي أرسل جيشها ولم يقدها فيقال لها سرايا فقد بلغت ستاً وخمسين سرية([2]).


وكان r أحسن الناس معاملة، فإذا استسلف سلفاً قضى خيراً منه؛


 ولهذا جاء رجل إلى النبي rيتقاضاه بعيراً فأغلظ له في القول، فَهَّم به أصحابه فقال النبي r : «دعوه فإن لصاحب الحق مقالاً» فقالوا: يا رسول الله: لا نجد إلا سنَّاً هو خير من سنِّه


 فقال r : «أعطوه» فقال الرجل: أوفيتني أوفاك الله، فقال r : «إن خير عباد الله أحسنهم قضاءً»([3]). 


واشترى من جابر بن عبد الله t بعيراً، فلما جاء جابر بالبعير قال له r : «أتراني ماكستك؟» قال: لا يا رسول الله، فقال: «خذ الجمل والثمن»([4]).


وكان r أحسن الناس خُلُقاً؛ لأن خُلُقَهُ القرآن، لقول عائشة رضي الله عنها: «كان خلقه القرآن»([5])؛ ولهذا قال r : «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»([6]).


وكان r أزهد الناس في الدنيا، فقد ثبت عنه r أنه اضطجع على الحصير فأثَّر في جنبه، فدخل عليه عمر بن الخطاب t ، ولما استيقظ جعل يمسح جنبه فقال: رسول الله لو اتخذت فراشاً أوثر من هذا؟ فقال r: «مالي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها»([7]). وقال: «لو كان لي مثلُ أُحُدٍ  ذهباً ما يَسُرُّني أن لا يمر عليَّ ثلاثٌ وعندي منه شيء، إلا شيءٌ أرصُدُه لدين»([8]).


وعن أبي هريرة t قال: (ما شبع آل محمد من طعام ثلاثة أيام حتى قبض)([9]).


 والمقصود أنهم لم يشبعوا ثلاثة أيام بلياليها متوالية، والظاهر أن سبب عدم شبعهم غالباً كان بسبب قلة الشيء عندهم على أنهم قد يجدون ولكن يؤثرون على أنفسهم([10])؛ 


ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: (خرج النبي r من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير)([11]). وقالت: (ما أكل آل محمد r أُكلتين في يوم إلا إحداهما تمر)([12]).


 وقالت: (إنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أُوقدت في أبيات رسول الله r نار. فقال عروة: ما كان يقيتكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء)([13]). والمقصود بالهلال الثالث: وهو يُرى عند انقضاء الشهرين. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان فراشُ رسول الله r من أدَم وحشوُهُ ليفٌ»([14]).


 ومع هذا كان يقول r : «اللهم اجعل رزق آل محمدٍ قوتاً»([15]).


وكان r من أورع الناس؛ ولهذا قال: «إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي أو في بيتي فأرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون من الصدقة فَأُلقيها»([16]).


 وأخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال رسول الله r : «كَخْ كَخْ ارمِ بها أما علمت أنَّا لا نأكل الصدقة؟»([17]).


ومع هذه الأعمال المباركة العظيمة فقد كان r يقول: «خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يملُّ حتى تملُّوا،


 وأحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل» وكان آلُ محمد r إذا عَملوا عملاً أثبتوه([18]). «وكان r إذا صلى صلاة داوم عليها»([19]).


 وقد تقالَّ عبادة النبيr نفر من أصحابه رضي الله عنهم وقالوا: وأين نحن من النبي r ؟ وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال بعضهم: أمَّا أنا فأنا أصلي الليل أبدًا، وقال بعضهم: أنا أصوم ولا أفطر، وقال بعضهم: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً [وقال بعضهم: لا آكل اللحم] فبلغ ذلك النبي r فجاء إليهم فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني»([20]).


 والمراد بالسنة الهدي والطريقة لا التي تقابل الفرض، والرغبة عن الشيء الإعراض عنه إلى غيره. ومع هذه الأعمال الجليلة فقد كان r يقول: «سددوا وقاربوا واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمةٍ منه وفضل».


 وفي رواية: «سددوا وقاربوا، واغدوا وروحوا، وشيءٌ من الدُّلجة، والقَصْدَ القَصْدَ تبلغوا»([21]).


 وكان يقول: «يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك»([22]). ويقول: «اللهم مصرِّف القلوب صرِّف قلوبنا على طاعتك» ([23]).


 


عباد الله! اتقوا الله تعالى، واقتدوا بنبيكم الكريم الرحيم، فإن الله تعالى أرسله رحمة للعالمين، كما قال تعالى: 

 وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ([24]).



([1])  زاد المعاد 3/5، 10، 12.


([2])  انظر: شرح النووي 12/95، وفتح الباري 7/279 – 281، و8/153.


([3])  البخاري رقم 2305، ومسلم برقم 1600.


([4])  البخاري مع الفتح 4/320، برقم 2097، ومسلم 3/1221، برقم 715 .


([5])  مسلم 1/513، برقم 746 .


([6])  البيهقي بلفظه 10/192، وأحمد 2/381،


         وانظر: الصحيحة للألباني رقم 45.


([7])  الترمزي وغيره، وانظر: الأحاديث الصحيحة برقم 439،


          وصحيح الترمذي 2/280.


([8])  البخاري برقم 2389، ومسلم برقم 991.


([9])  البخاري مع الفتح 9/517 و549، برقم 5374 .


([10])  انظر فتح الباري 9/517 و549 برقم 5374،


          ومن حديث عائشة رضي الله عنها برقم 5416.


([11])  البخاري مع الفتح 9/549، برقم 5414 .


([12])  البخاري مع الفتح 11/282، برقم 6455 .


([13])  البخاري مع الفتح 11/283، برقم 6459 .


([14])  البخاري مع الفتح 11/282، برقم 6456.


([15])  البخاري مع الفتح 11/283، برقم 6460، 


          ومسلم برقم 1055 والقوت: هو ما يقوت البدن من غير إسراف


          وهو معنى الرواية الأخرى عند مسلم “كفافاً” ويكف عنالحاجة،


          وقال أهل اللغة: القوت: هو ما يسد الرمق،


          وفي الكفاف سلامة من آفات الغنى والفقر جميعاً والله أعلم.


          الفتح 11/293، وشرح النووي 7/152, والأبي 3/537.


([16])  مسلم 2/751، برقم 1070 .


([17])  مسلم 2/751، برقم 1069 .


([18])  البخاري مع الفتح 4/213، برقم1970، 11/294، برقم 6465، 


          ومسلم 1/541، 2/811، برقم 782 .


([19])  البخاري مع الفتح 4/213، برقم 1970،


           وانظر: صحيح البخاري حديث رقم 6461 – 6467.


([20])  البخاري مع الفتح 9/104، برقم 5063،


          ومسلم 2/1020، برقم 1401، وما بين المعكوفين من رواية مسلم.


([21])  البخاري برقم 6463، 6464، ومسلم 4/2170، برقم 2816 – 2818 .


([22])  الترمزي 5/238، برقم 3522، وغيره، وانظر: صحيح الترمزي 3/171.


([23])  مسلم 4/2045، برقم 2654 .


([24]) سورة الأنبياء، الآية: 107 .

اترك تعليقاً