شرح أحاديث رياض الصالحين باب المراقَبة ( جزء 2 ) شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين

في تاريخ :  01 سبتمبر 2015

شرح أحاديث رياض الصالحين
باب المراقَبة ( جزء 2 )

شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين

 

تصحيح لُغَوي و تنسيق مقالٍ أ/ إبراهيم باشا

 

61- الثاني: عن أبي ذر جندب بن جنادة، وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل، رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( اتَّقِ الله حيثما كنت، وأتْبع السيئة الحسنة تمحُها، وخالِقِ الناس بخُلُقٍ حسن)) رواه الترمذي وقال: حديث حسن.

الشرح :

هذا الحديث من أحاديث الأربعين النووية للمؤلف رحمه الله، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بثلاث وصايا عظيمة :
الوصية الأولى: قال: ((اتَّقِ الله حيثما كنت)) ، وتقوى الله هي اجتناب المحارم وفعل الأوامر، هذه هي التقوى! أن تفعل ما أمرك الله به إخلاصًا لله، واتِّباعًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن تترك ما نهى الله عنه امتثالًا لنهي الله- عز وجل- وتنزُّهًا عن محارم الله، فتقوم بما أوجب الله عليك في أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين وهي الصلاة، فتأتي بها كاملة بشروطها وأركانها وواجباتها وتكملها بالمكملات، فمن أخلَّ بشيء من شروط الصلاة أو واجباتها أو أركانها فإنه لم يتَّقِ الله، بل نَقَصَ من تقواه بقدر ما ترك ما أمر الله به في صلاته،
وفي الزكاة تقوى الله فيها أن تُحصي جميع أموالك التي فيها الزكاة وتُخرج زكاتك طيبة بها نفسك من غير بُخلٍ ولا تقتيرٍ ولا تأخير، فمن لم يفعل فإنه لم يتَّقِ الله.
وفي الصيام تأتي بالصوم كما أُمرت، مجتنبًا فيه اللغو والرفث والصَّخب والغيبة والنميمة، وغير ذلك مما ينقص الصوم ويُزيلُ روح الصوم ومعناه الحقيقي، وهو الصوم عما حرَّمَ الله عز وجل.
وهكذا بقية الواجبات تقوم بها طاعةً لله، وامتثالًا لأمره، وإخلاصًا له، واتباعًا لرسوله، وكذلك في المنهيَّات تترك ما نهى الله عنه، امتثالًا لنهي الله- عز وجل – حيث نهاك فانتهِ.
الوصية الثانية: ((أتبعِ السيئةَ الحسَنةَ تمحُها)) أي: إذا عملت سيئة فأتبعها بحسنة، فإن الحسنات يُذهِبْنَ السيئات، ومن الحسنات بعد السيئات أن تتوب إلى الله من السيئات فإن التوبة من أفضل الحسنات، كما قال الله عز وجل:﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾[البقرة:222]، وقال الله تعالى:﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:31]. وكذلك الأعمال الصالحة تكَفِّر السيئات، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفِّرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر)) أخرجه مسلم. وقال: (( العمرة إلى العمرة كفارةٌ لما بينهما)) أخرجه البخاري، ومسلم فالحسنات يُذْهِبْنَ السيئات.
الوصية الثالثة: ((خالقِ الناسَ بخُلقٍ حَسَن))! الوصيتان الأوليتان في معاملة الخالق، والثالثة في معاملة الخلق، أن تعاملهم بخلق حسن تُحمَدُ عليه ولا تُذَمُّ فيه، وذلك بطلاقة الوجه، وصدق القول، وحسن المخاطبة، وغير ذلك من الأخلاق الحسنة. وقد جاءت النصوص الكثيرة في فضل الخلق الحسن، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلُقًا)) أخرجه الترمذي، والإمام أحمد .
وأخبر أن أَوْلَى الناس به صلى الله عليه وسلم و أقربهم منه منزلةً يوم القيامة أحاسنهم أخلاقًا . فالأخلاق الحسنة مع كونها مَسْلكًا حسنًا في المجتمع ويكون صاحبها محبوبًا إلى الناس فيها أجر عظيم يناله الإنسان يوم القيامة. فاحفظ هذه الوصايا الثلاث من النبي صلى الله عليه وسلم: اتَّقِ الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحُها، وخالقِ الناسَ بخُلقٍ حسن.
والله الموفِّق.
* * *

 

62- الثالث: عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: كنتُ خَلْفَ النبي صلى الله عليه وسلم يومًا فقال: ((يا غلام، إني أُعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تُجاهك، إذا سألت فسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم: أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضرُّوك بشيء،لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام، وجفَّت الصحف)) . رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وفي رواية غير الترمذي: ((احفظ الله تجده أمامك، تعرَّف إلى الله في الرخاء يَعرِفُكَ في الشدَّة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن لِيُصيبك، وما أصابك لم يكن لِيُخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يُسرًا)).

الشرح :

قوله: ((كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم)) أي راكبًا معه. قوله: ((فقال لي يا غلام… احفظ الله يحفظك)) قال له: يا غلام، لأن ابن عباس – رضي الله عنهما – كان صغيرًا فإن النبي صلى الله عليه وسلم توفِّي وهو قد ناهز الاحتلام، يعني من الخامسة العشرة إلى السادسة عشرة أو أقل. فكان راكبًا خلف الرسول صلى الله عليه وسلم فوجه إليه النبي صلى الله عليه وسلم هذا النداء: ((يا غلام، احفظ الله يحفظك)) كلمةٌ جليلةٌ عظيمةٌ، احفظِ الله، وذلك بحفظ شرعه ودينه، بأن تمتثل لأوامره وتجتنبَ نواهيه، وكذلك بأن تتعلَّم من دينه ومن شريعته- سبحانه وتعالى – ما تقوم به عباداتك ومعاملاتك، وتدعو به إلى الله – عز وجل – لأن كل هذا من حفظ الله، فالله- سبحانه وتعالى – نفسه ليس بحاجةٍ إلى أحد حتى يحفظ، ولكن المراد حفظ دينه وشريعته، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد:7]، وليس المعنى: تنصرونَ ذات الله، لأن الله- سبحانه وتعالى – غنيٌ عن كل أحد، ولهذا قال في آية أخرى:﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ [محمد:4]، ولا يعجزونه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [فاطر: 44].
إذًا: ((احفظ الله يحفظك)) جملة تدل على أن الإنسان كلما حفظ دين الله حفظه الله تعالى في بدنه، وحفظه في ماله و أهله، وفي دينه، وهذه أهم الأشياء، أن يحفظك الله في دينك، وهو أن يُسَلِّمكَ من الزَّيغ والضَّلال، لأن الإنسان كلما اهتدى زادَه الله هدى، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد:17]، وكلما ضل – والعياذ بالله – فإنه يزداد ضلالًا، كما جاء في الحديث: (( إن العبد إذا أخطأ خطيئة نُكِتَت في قلبه نُكتَةٌ سوداء، فإن هو نَزَعَ واستغفر وتاب صُقِلَ قلبه)) ، أخرجه الترمذي، والإمام أحمد.
وإن أذنبَ ثانيةً انضم إليها نكتة ثانية وثالثة ورابعة، حتى يُطبَعَ على قلبه. نسأل الله العافية. إذًا: يحفظك في دينك وفي بدنك ومالِكَ وأهلك، وأهمها حفظُ الدين، نسأل الله تعالى أن يحفظ علينا وعليكم ديننا.
وقوله: ((احفظ الله تجده تجاهك)) وفي لفظ آخر: ((تجده أمامك)). احفظ الله أيضا بحفظ شريعته، بالقيام بأمره واجتناب نهيه تجده تجاهَكَ وأمامك، ومعناهما واحد، يعني تجد الله أمامك يدُلُّك على كل خير ويذود عنك كل شر، ولا سيما إذا حفظت الله بالاستعانة به، فإن الإنسان إذا استعان بالله وتوكَّل على الله كان الله حسبه، أي كافية، ومن كان الله حسبه فإنه لا يحتاج إلى أحد بعد الله. قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:64]، أي: وحسب من اتبعك من المؤمنين. ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾[الأنفال:62]، فإذا كان الله حسبَ الإنسان، أي كافيه، فإنه لن يناله سوء، ولهذا قال: ((احفظ الله تجده تجاهك)) أو ((تجده أمامك))! والمراد بحفظه حفظُ شريعته، ولاسيَّما بالتوكل عليه والاستعانة به.
ثم قال له: ((إذا سألت فسأل الله)) ، أي لا تعتمد على أحد مخلوق، إذا سألت فسأل الله . مثلًا: إنسان فقير ليس عنده مال، يسأل الله يقول: اللهم ارزقني، اللهم هيِّء لي رزقًا، فيأتيه الرزق من حيث لا يحتسب. لكن لو سأل الناس فربما يعطونه أو يمنعونه، ولهذا جاء في الحديث: ((لأنْ يأخُذَ أحدكم حَبْلَهُ فيحتطِبَ على ظهره، خير له من أن يأتيَ رجلًا، أعطاه أو منعه)) أخرجه البخاري.
فكذلك أنت، إذا سألت فاسأل الله، قل: ((اللهم ارزُقني)) ((اللهم أغنني بفضلِكَ عمَّن سواك)) وما أشبه ذلك من الكلمات التي تتجه بها إلى الله عز وجل.

وقوله: ((إذا استعنتَ فاستعِنْ بالله)) الاستعانة طلب العون، فلا تطلب العون من أي إنسان إلا للضرورة القصوى، ومع ذلك إذا اضطُررت إلى الاستعانة بالمخلوق فاجعل ذلك وسيلةً وسببًا لا ركنًا تعتمد عليه! اجعل الركن الأصيل هو الله عز وجل، إذا سألت فسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله. وفي هاتين الجملتين دليل على أنه من نقْصِ التوحيد أن الإنسان يسأل غير الله، ولهذا تُكْره المسألة لغير الله- عز وجل – في قليل أو كثير، لا تسأل إلا الله عز وجل، ولا تستعن إلا بالله، والله سبحانه إذا أراد عونك يَسَّرَ لَكَ العَون، سواء كان بأسباب معلومة أو بأسباب غير معلومة، قد يُعينك الله بسببٍ غير معلوم لك، فيدفع عنك من الشر ما لا طاقة لأحد به، وقد يُعينُكَ الله على يدِ أحدٍ من الخلق يُسخِّره لك ويُذلِّلـه لك حتى يُعنيك، ولكن مع ذلك لا يجوز لك – إذا أعانك الله على يد أحد – أن تنسى المسبِّب وهو الله عز وجل، كما يفعله بعض الجهلة الآن من تعلقهم بالسبب وضعف اعتمادهم على الله سبحانه وتعالى لما حصل عون ظاهر من دول كافرة، وما علموا أن الكفرة هم أعداء لهم إلى يوم القيامة سواء أعانوهم أم لا . بل النافع الضار هو الله عز وجل وهذا من تسخيره – سبحانه وتعالى – لعباده المؤمنين، كما جاء في الحديث: ((إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)) أخرجه البخاري، ومسلم. فيجب علينا أن لا ننسى فضل الله الذي سخَّرهم لنا، ويجب علينا أن ننبه العامة، إذا سمعنا أحدًا يركن إليهم ويقول هم الذين نصرونا مائة بالمائة، وهم الأول والآخر، فيجب علينا أن نبيِّن لهم أن هذا خللٌ في التوحيد. والله أعلم.

 

وقوله: ((واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك)). فبين النبي – عليه الصلاة والسلام – في هذه الجملة أن الأمة لو اجتمعت كلها على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك! فإذا وقع منهم نفع لك فاعلم أنه من الله؛ لأنه هو الذي كتبه، فلم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك. بل قال: ((لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك)). فالناس بلا شك ينفع بعضهم بعضًا، ويُعين بعضهم بعضًا، ويساعد بعضهم بعضا، لكن كل هذا مما كتبه الله للإنسان، فالفضل لله فيه أوَّلًا عز وجل، هو الذي سخَّر لك من ينفعك ويحسن إليك ويُزيل كربتك، وكذلك بالعكس، لو اجتمعوا على أن يضرُّوك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، والإيمان بهذا يستلزم أن يكون الإنسان متعلقًا بربه ومتَّكلًا عليه لا يهتم بأحد؛ لأنه يعلم أنهم لو اجتمع كل الخلق على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، وحينئذ يعلِّق رجاءه بالله ويعتصم به، ولا يهمه الخلق ولو اجتمعوا عليه، ولهذا نجد الناس في سلف هذه الأمة لما اعتمدوا على الله وتوكلوا عليه لم يضرهم كيد الكائدين ولا حسد الحاسدين: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران:120].

ثم قال عليه الصلاة والسلام: ((رفعت الأقلام وجفت الصحف)) يعني أن ما كتبه الله فقد انتهى، والصحف جفَّت من المداد، ولم يبقَ مراجعة، فما أصابك لم يكن ليخطئك، كما في اللفظ الثاني: ((وما أخطاءك لم يكن ليصيبك)). وفي اللفظ الثاني قال عليه الصلاة والسلام: ((واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا)). يعني: اعلم عِلمَ يقين أن النصر مع الصبر، فإذا صبرت وفعلت ما أمرك الله به من وسائل النصر فإن الله تعالى ينصرك.
والصبر هنا يشمل الصبر على طاعة الله، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة؛ لأن العدو يصيب الإنسان من كل جهة، فقد يشعر الإنسان أنه لن يطيق عدوه فيستحسر ويدع الجهاد، وقد يشرع في الجهاد ولكن إذا أصابه الأذى استحسر وتوقَّف، وقد يستمر ولكنه يصيبه الألم من عدوه، فهذا أيضًا يجب أن يصبر عليه. قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران:140]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيمًا﴾[النساء:104]، فإذا صبر الإنسان وصابر ورابط فإن الله سبحانه وتعالى ينصره.

وقوله: ((واعلم أن الفرج مع الكرب))، كلما اكتربت الأمور وضاقت فإن الفرج قريب، لأن الله – عز وجل – يقول في كتابه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ الإله مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾[النمل:62]، فكلما اشتدت الأمور فانتظرِ الفرجَ من الله سبحانه وتعالى.
وقوله: ((وأن مع العسر يسرًا)) فكل عسر فبعده يسر، بل إن العسر محفوف بيسرين، يسر سابق ويسر لاحق. قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾[الشرح:6،5]، وقال ابن عباس – رضي الله عنهما – :((لن يغلب عسر يسرين)).
فهذا الحديث الذي أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما – ينبغي للإنسان أن يكون على ذِكْرٍ له دائمًا، وأن يعتمد على هذه الوصايا النافعة التي أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمه عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما –
والله الموفق.
* * *

 

63- الرابع: عن أنس- رضي الله عنه- قال: ((إنكم لتعملون أعمالًا هي أدقُّ في أعينكم من الشَّعْرِ، كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات)) ، رواه البخاري ، وقال: ((الموبقات)) المهلكات.

الشرح :

أنس بن مالك- رضي الله عنه- من المعمَّرين، فبقي بعد النبي صلى الله عليه وسلم حوالي تسعين سنة. فتغيَّرت الأمور في عهده- رضي الله عنه- واختلفت أحوال الناس، وصاروا يتهاونون في بعض الأمور العظيمة في عهد الصحابة رضي الله عنهم. مثل صلاة الجماعة، فقد كان الصحابة – رضي الله عنهم – لا يتخلَّف أحد عنها إلا منافق أو مريض معذور، ولكن الناس تهاونوا بها ولم يكونوا على ما كان عليه الصحابة- رضي الله عنهم – في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. بل إن الناس في عهدنا صاروا يتهاونون بالصلاة نفسها لا بصلاة الجماعة فقط، فلا يصلُّون، أو يصلُّون ويتركون، أو يوخِّرون الصلاة عن وقتها، كل هذه أعمال يسيرة عند بعض الناس، لكنها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة- رضي الله عنهم – كانت تُعَدُّ من الموبقات.
وكذلك أيضًا الغش في عهد النبي – عليه الصلاة والسلام – قال: ((من غشَّ فليس مني)) أخرجه مسلم.
لكن انظر إلى الناس اليوم تجد أن الغش عندهم أهون من كثير من الأشياء، بل إن بعضهم – والعياذ بالله- يعد الغش من الشطارة في البيع والشراء والعقود، ويرى أن هذا من باب الحذق والذكاء- والدهاء نسأل الله العافية- مع أن النبي صلى الله عليه وسلم تبرأ من الإنسان الذي يغش الناس.
ومن ذلك الكذب: والكذب من الأشياء العظيمة في عهد الصحابة- رضي الله عنهم – فيرونه من الموبقات، لكن كثيرًا من الناس يَعُدُّه أمرًا هيِّنًا، فتجده يكذب ولا يبالي بالكذب، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا)) .وربما يكذب في أمور أخطر فيجحد ما يجب عليه للناس، أو يدَّعي ما ليس له ويحاكمهم عند القاضي ويحلف على ذلك، فيكون- والعياذ بالله- ممن يلقى الله وهو عليه غضبان. إلى غير ذلك من المسائل الكثيرة التي يعدها الصحابة من المهلكات، ولكن الناس اختلفوا فصارت في أعينهم أدقَّ من الشعر، وذلك لأنه كلما قوي الإيمان عَظُمَتِ المعصية عند الإنسان، وكلما ضعف الإيمان خفَّت المعصية في قلب الإنسان ورآها أمرًا هينًا، يتهاون ويتكاسل عن الواجب ولا يبالي؛ لأنه ضعيف الإيمان.
* * *

 

64- الخامس: عن أبي هريرة – رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله تعالى يغار، وغيرة الله تعالى أن يأتي المؤمن ما حرَّم الله عليه)) ، أخرجه البخاري، ومسلم.
والغيرة: بفتح الغين وأصلها: الأنفة.

الشرح :

قال المؤلف- رحمه الله تعالى – فيما نقله عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله تعالى يَغَار وغَيْرَةُ الله تعالى ان يأتي المرء ما حرم الله)). قوله: ((محارمه)) أي: محارم الله. والغيرة صفة حقيقية ثابتة لله- عز وجل – ولكنها ليست كغَيرتنا، بل هي أعظمُ وأجلُّ، والله- سبحانه وتعالى – بحكمته أوجب على العباد أشياء، وحرَّم عليهم أشياء، وأحلَّ لهم أشياء، فما أوجبه عليهم فهو خير لهم في دينهم ودنياهم، وفي حاضرهم ومستقبلهم، وما حرَّمه عليهم فإنه شر لهم في دينهم ودنياهم، وحاضرهم ومستقبلهم، فإذا حرَّم الله على عباده أشياء فإنه- عز وجل – يغار أن يأتي الإنسان محارمه، وكيف يأتي الإنسان محارم ربه والله- سبحانه وتعالى – إنما حرمها من أجل مصلحة العبد، أما الله- سبحانه وتعالى – فلا يضره أن يعصي الإنسان ربه، لكن يغار كيف يعلم الإنسان أن الله سبحانه حكيم، ورحيم، ولا يحرم على عباده شيئًا بخلًا منه عليهم به، ولكن من أجل مصلحتهم، ثم يأتي العبد فيتقدم فيعصي الله- عز وجل – ولا سيما في الزنا – نسأل الله العافية – فإنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمَتُه)) أخرجه البخاري، ومسلم.
لأن الزنا فاحشة، والزنا طريق سافل سيء، ومن ثم حرم الله على عباده الزنا وجميع وسائله، كما قال الله سبحانه: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾[الإسراء:32]، فإذا زنى العبد- والعياذ بالله- فإن الله يغار غيرة أشد وأعظم من غيرته على ما دونه من المحارم. وكذلك أيضًا- ومن باب أولى وأشد- اللواط، وهو إتيان الذكر، فإن هذا أعظم وأعظم، ولهذا جعله الله تعالى أشد في الفحش من الزنا. فقال لوط لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾[الأعراف:80]. قال هنا: (الفاحشة) وفي الزنا قال: (فاحشة) أي: فاحشة من الفواحش، أما اللواط فجعله الفاحشة العظمى نسأل الله العافية. وكذلك أيضًا السرقة وشرب الخمر وكل المحارم يغار الله منها، لكن بعض المحارم تكون أشد غيرةً من بعض، حسب الجرم، وحسب المضار التي تترتب على ذلك.

وفي هذا الحديث: إثبات الغيرة لله تعالى، وسبيل أهل السنة والجماعة فيه وفي غيره من آيات الصفات وأحاديث الصفات أنهم يثبتونها لله- سبحانه وتعالى – على الوجه اللائق به، يقولون: إن الله يغار لكن ليس كغيرة المخلوق، وإن الله يفرح ولكن ليس كفرح المخلوق، وإن الله- سبحانه وتعالى – له من الصفات الكاملة ما يليق به، ولا تشبه صفات المخلوقين ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:11].
والله الموفق.
* * *

 

65- السادس: عن أبي هريرة – رضي الله عنه- أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص، وأقرع، وأعمى، أراد الله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملَكًا، فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، ويذهب عنِّي الذي قد قذرني الناس، فمَسَحَهُ، فذهب عنه قذره، وأُعطي لونًا حسنًا. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبل – أو قال البقر – شك الراوي – فأُعطي ناقة عُشَراء، فقال: بارك الله لك فيها.
فأتى الأقرع فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شَعْرٌ حسن، ويذهب عنِّي هذا الذي قذرني الناس، فمسحه، فذهب عنه، وأعطي شعرًا حسنًا. قال: فأي المال أحب إليك، قال: البقر، فأعطي بقرة حاملًا، وقال: بارك الله لك فيها.
فأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يَرُدَّ الله إليَّ بصري فأُبصر الناس. فمسحه، فردَّ الله إليه بصره. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطي شاة والدًا. فأنتج هذان، وولَّد هذا، فكان لهذا وادٍ من الإبل، ولهذا وادٍ من البقر، ولهذا وادٍ من الغنم. ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن، والمال، بعيرًا أتبلَّغ به في سفري. فقال: الحقوق كثيرة. فقال. كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرُكَ الناس، فقيرًا فأعطاك الله!؟ فقال: إنما ورِثْتُ هذا المال كابرًا عن كابر، فقال: إن كنت كاذبًا في دعواك فصيَّرك الله إلى ما كنت. وأتى الأقرع في صورته و هيئته، فقال له مثل ما قال لهذا، وردَّ عليه مثل ما ردَّ هذا، فقال: إن كنت كاذبًا فصيَّرك الله إلى ما كنت. وأتى الأعمى في صورته وهيئته فقال: رجل مسكين وابن سبيل، انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك، شاةً أتبلَّغُ بها في سفري. فقال: قد كنت أعمى فرد الله إليَّ بصري، فخذ ما شئت ودع ما شئت، فوالله لا أجهَدُكَ اليوم بشيء أخذته لله عز وجل. فقال: أمسِك مالَك فإنما ابتُليتُم، فقد رُضي عنك، وسُخِطَ على صاحبيك)) أخرجه البخاري، ومسلم.

والناقة ((العشَرَاءُ)) بضم العين وفتح الشين وبالمد: هي الحامل.
قوله: ((أُنتِج)) وفي رواية (( فنَتَجَ)) معناه: تولَّى نتاجها، والناتج للناقة كالقابلة للمرأة. وقوله: ((ولِّدَ هذا)) هو بتشديد اللام: أي: تولَّى ولادتها، وهو بمعنى أنتج في الناقة. فالموَلِّدُ، والناتجُ، والقابلة بمعنى، لكن هذا للحيوان وذاك لغيره. قوله: ((انقطعت بي الحبال)) هو بالحاء المهملة والباء الموحدة: أي الأسباب. وقوله: ((لا أجهدُك)) معناه: لا أشقُّ عليك في رد شيء تأخذه أو تطلبه من مالي. وفي رواية البخاري ((لا أحمَدُكَ)) بالحاء المهملة والميم، ومعناه: لا أحمدك بترك شيء تحتاج إليه، كما قالوا: ليس على طولِ الحياة ندم، أي على فواتِ طُولها.

الشرح :

قوله: ((ثلاثة من بني إسرائيل)) إسرائيل هو إسحاق بن إبراهيم – عليه الصلاة والسلام – أخو إسماعيل، ومن ذرِّية إسرائيل موسى وهارون وعيسى وجميع بني إسرائيل، كلهم من ذرية إسحاق عليه الصلاة والسلام. وإسماعيل أخو إسحاق، فهم والعرب أبناء عمّ، وقد جاءت أخبار كثيرة عن بني إسرائيل، وهي ثلاث أقسام: الأول: ما جاء في القرآن. والثاني: ما جاء في صحيح السنة. والثالث: ما جاء عن أحبارهم وعن علمائهم.
فأما الأول والثاني فلا شك في أنه حق، ولا شك في قبوله، مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:246].
ومن السنة مثل هذا الحديث الذي رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وأما ما رُوي عنهم عن أحبارهم وعلمائهم فإنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما شَهِدَ الشّرعُ ببطلانه، فهذا باطل يجب ردُّه، وهذا يقع كثيرًا فيما يُنقل من الإسرائيليَّات في تفسير القرآن، فإنه يُنقل في تفسير القرآن كثير من الأخبار الإسرائيليّة التي يشهد الشرع ببطلانها.
والثاني: ما شهِدَ الشرعُ بصدقه، فهذا يُقبل، لا لأنه من أخبار بني إسرائيل، ولكن لأن الشرع شهِدَ بصدقه وأنه حق.
والثالث: ما لم يكن في الشرع تصديقه ولا تكذيبه، فهذا يُتوَقَّفُ فيه، لا يصدقون ولا يكذبون؛ لأننا إن صدَّقناهم فقد يكون باطلًا، فنكون قد صدقناهم بباطل، وإن كذَّبناهم فقد يكون حقًّا، فقد كذبناهم بحق، ولهذا نتوقَّف فيه، ولكن مع ذلك لا حرج من التحديث به فيما ينفع في ترغيب أو ترهيب.
ذكر النبي – عليه الصلاة والسلام – في هذا الحديث أن ثلاثة من بني إسرائيل ابتلاهم الله- عز وجل – بعاهات في أبدانهم، أحدهم أبرص، والثاني أقرع ليس على رأسه شعر، والثالث أعمى لا يُبصر. فأراد الله- سبحانه وتعالى – أن يَبْتَلِيَهُم ويختَبِرَهم؛ لأن الله سبحانه يبتلي العبد بما شاء ليبلُوه هل يصبر أو يضجر إذا كان ابتلاه بضرَّاء، وهل يشكر أو يقتر إذا كان قد ابتلاه بسرَّاء. فبعث الله إليهم ملكًا من الملائكة وأتاهم يسألهم: أي شئ أحب إليهم؟ فبدأ بالأبرص فقال: ((أي شئ أحب إليك؟ قال: لون حسن وجلد حسن ويذهب عني الذي قذرني الناس به)) لأن أهم شيء عند الإنسان أن يكون مُعافى من العاهات، ولا سيما العاهات المكروهة عند الناس. فمسحه الملك فبرأ بإذن الله ، وزال عنه البرص، و أُعطي لونًا حسنًا وجلدًا حسنًا. ثم قال له: ((أي المال أحب إليك؟ قال: الإبل – أو قال – البقر !)). والظاهر أنه قال: الإبل، لأنه في قصة الأقرع أُعطي البقر، فأعطاه ناقة عُشَراء، وقال له: بارك الله لك فيها. فذهب عنه الفقر، وذَهَبَ عنه العيب البدني، ودعا له الملك بأن يبارك الله له في هذه الناقة.
ثم أتى الأقرع وقال: ((أي شئ أحب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني الذي قذرني الناس)) . فمسحه، فأُعطي شعرًا حسنًا. وقيل له: ((أي المال أحب إليك؟ قال البقر))، فأُعطي بقرة حاملًا، وقال له: بارك الله لك فيها.
أما الأعمى فجاءه الملك فقال له: ((أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يَرُدَّ الله عليَّ بصري فأبصِرَ به الناس))، وتأمل قول الأعمى هذا، فإنه لم يسأل إلا بصرًا يُبصر به الناس فقط، أما الأبرص والأقرع فإن كل واحد منهما تمنَّى شيئًا أكبر من الحاجة، لأن الأبرص قال: جلدًا حسنًا ولونًا حسنًا، وذاك قال: شعرًا حسنًا، فليس مجرد جلدٍ أو شعر أو لون، بل تمنَّيا شيئًا أكبر،
أما هذا فإن عنده زهدًا، لذا لم يسأل إلا بصرًا يبصر به الناس فقط. ثم سأله: ((أي المال أحب إليك؟ قال: الغنم)) وهذا أيضًا من زهده، فلم يتمنَّ الإبل ولا البقر، بل الغنم، ونسبة الغنم للبقر والإبل قليلة، فأعطاه شاةً والدًا وقال: بارك الله لك فيها. فبارك الله- سبحانه وتعالى – للأول في إبله، وللثاني في بقره، وللثالث في غنمه، وصار لكل واحد منهما وادٍ مما أعطي، للأول واد من الإبل، وللثاني واد من البقر، وللثالث واد من الغنم.
ثم إن هذا الملك أتى الأبرص في صورته وهيئته، صورته البدنية، وهيئته الرثة، ولباسه لباس الفقير، وقال له: ((رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك)). فتوسَّل إليه بذكر حاله أنه فقير، وأنه ابن سبيل أي مسافر، وأن الحبال أي الأسباب التي توصله إلى أهله قد انقطعت به، وأنه لا بلاغ له إلا بالله ثم به. وقال له: ((أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال، بعيرًا أتبلَّغُ به في سفري)) لكنه قال: ((الحقوق كثيرة)) وبَخِلَ بذلك، مع أنَّ له واديًا من الإبل، لكنه قال: الحقوق كثيرة، وهو فيما يظهر – والله أعلم – أنه لا يؤدي شيئًا منها ؛ لأن هذا من أحق ما يكون، لأنه مسافر وفقير وانقطعت به الحبال، ومن أحق ما يكون استحقاقًا للمال، ومع ذلك اعتذر له! فذكَّرهُ بما كان عليه من قبل فقال له: ((كأني أعرفُك، ألم تكن أبرص يقذرُكَ الناس، فقيرًا فأعطاك الله)) أي أعطاك المال وأعطاك اللون الحسن والجلد الحسن، ولكنه قال والعياذ بالله: ((إنما ورِثتُ هذا المال كابرًا عن كابر)) و أنكر نعمة الله. فقال له الملك : ((إن كنت كاذبًا فصيَّرك الله إلى ما كنت)) أي: إن كنت كاذبًا فيما تقول فصيَّرك الله إلى ما كنت من الفقر والبرص. والذي يظهر أن الله استجاب دعاء الملك وان كان دعاءً مشروطًا، لكنه كان كاذبًا بلا شك، فإذا تحقَّقَ الشرط تحقق المشروط.
وأتى الأقرع فقال له مثلما قال للأبرص، وردَّ عليه مثلما ردَّ عليه الأبرص، فقال: ((إن كنت كاذبًا فصيَّرك الله إلى ما كنت عليه))
وأتى الأعمى وذكَّرهُ بنعمة الله عليه: ((فقال: كنت أعمى فردَّ الله إليَّ بصري)) فأقرَّ بنعمة الله عليه ((فخُذ ما شئت ودَع ما شئت، فوالله ما أجهَدُك اليوم بشيءٍ أخذته لله عز وجل)). أي: لا أمنعك ولا أشق عليك بالمنع بشيء أخذته لله عز وجل. فانظرْ إلى الشكر والاعتراف بالنعمة. فقال له الملك: ((أمسِكْ مالك، فإنما ابتُليتُم، فقد رضيَ الله عنك وسخِطَ على صاحبيك)).
وهذا يدل على أن القصة كانت مشهورة بين الناس، ولهذا قال: ((سخط على صاحبيك))، فأمسك ماله وبقي قد أنعم الله عليه بالبصر، وأما الآخران فإن الظاهر أن الله ردَّهما إلى ما كانا عليه من الفقر والعاهة والعياذ بالله. وفي هذا دليل على أن شكر نعمة الله على العبد من أسباب بقاء النعم وزيادتها، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:7].

وفي قصتهم آيات من آيات الله عز وجل: منها:
ــ إثبات الملائكة، والملائكة عالم غيبي خلقهم الله – عز وجل – من نور، وجعل لهم قوَّةً في تنفيذ أمر الله ، وجعل لهم إرادةً في طاعة الله ، فهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمَرون.
ــ ومنها: أن الملائكة قد يكونون على صورة بني آدم، فإن الملك أتى لهؤلاء الثلاث بصورة إنسان.
ــ ومنها أيضًا: أنهم – أي الملائكة- يتكيَّفون بصورة الشخص المعين، كما جاء إلى الأبرص والأقرع والأعمى في المرَّة الثانية بصورته وهيئته.
ــ ومنها أيضًا: أنه يجوز الاختبار للإنسان في أن يأتي الشخص على هيئة معيَّنة ليختبرَهُ، فإن هذا الملك جاء على صورة الإنسان المحتاج المصاب بالعاهة ليرقَّ له هؤلاء الثلاثة، مع أن الملَك فيما يبدو – والعلم عند الله- لا يُصاب في الأصل بالعاهات، ولكن الله- سبحانه وتعالى – جعلهم يأتون على هذه الصورة من أجل الاختبار.
ــ ومنها: أن الملك مسح الأقرع والأبرص والأعمى مسحةً واحدةً فأزال الله عيبهم بهذه المسحة؛ لأن الله- سبحانه وتعالى – إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون، ولو شاء الله لأذهب عنهم العاهة بدون هذا الملك، ولكن الله جعل هذا سببًا للابتلاء والامتحان.
ــ ومنها: أن الله قد يباركُ للإنسان بالمال حتى ينتجَ منه الشيء الكثير، فإن هؤلاء النفر الثلاث صار لواحد واد من الإبل ، وللثاني واد من البقر، وللثالث واد من الغنم، وهذا من بركة الله عز وجل. وقد دعا الملك لكل واحد منهم بالبركة.
ــ ومنها: تفاوت بني آدم في شكر نعمة الله ونفع عباد الله، فإن الأبرص والأقرع وقد أعطاهم الله المال الأهم والأكبر، ولكن جحدا نعمة الله، قالا: إنما ورثنا هذا المال كابرًا عن كابر، وهم كَذَبةٌ في ذلك، فإنهم كانوا فقراء أعطاهم الله المال، لكنهم – والعياذ بالله- جحدوا نعمة الله وقالوا: هذا من آبائنا وأجدادنا. أما الأعمى فإنه شكر نعمة الله واعترف لله بالفضل، ولذاك وُفِّقَ وهداه الله وقال للملك: ((خُذ ما شئت ودَع ما شئت))
ــ ومنها أيضًا: إثبات الرضا والسُّخط لله سبحانه وتعالى، أي أنه يرضى على من شاء ويسخط على من شاء، وهما من الصفات التي يجب أن نُثبتها لربنا سبحانه وتعالى؛ لأنه وصف نفسه بها. ففي القرآن الكريم: الرضا: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ [التوبة:100]، وفي القرآن الكريم: ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُون﴾[المائدة:80]، وفي القرآن العظيم الغضب: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء:93]، وهذه الصفات وأمثالها يُؤمن بها أهل السنة والجماعة بأنها ثابتة لله على وجه الحقيقة، لكنها لا تشبه صفات المخلوقين، كما أن الله- عز وجل -لا يُشبِه المخلوقين، فكذلك صفاته لا تُشبه صفات المخلوقين.

ومن فوائد هذا الحديث: أن في بني إسرائيل من العجب والآيات ما جعل النبي صلى الله عليه وسلم ينقل لنا من أخبارهم حتى نتَّعظ.
ومثل هذا الحديث قصة النفر الثلاث الذين لجأوا إلى غار فانطبقت عليهم صخرة من الجبل فسدَّت عليهم الغار وعجزوا عن زحزحتها، وتوسَّل كل واحد منهم إلى الله تعالى بصالح عمله. فالنبي – عليه الصلاة والسلام – يقص علينا من أنباء بني إسرائيل ما يكون فيه الموعظة والعبرة، فعلينا أن نأخذ من هذا الحديث عبرة بأن الإنسان إذا شكر نعمة الله، واعترف لله بالفضل، وأدَّى ما يجب عليه في ماله، فإن ذلك من أسباب البقاء والبركة في ماله.
والله الموفق.
* * *

 

66- السابع: عن أبي يَعْلَى شداد بن أوس – رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الكيِّسُ من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنَّى على الله)) رواه الترمذي وقال حديث حسن.
قال الترمذي وغيره من العلماء: معنى: (( دانَ نفسَه)) أي: حاسَبَها.

الشرح :

قوله: ((الكَيِّسُ)) معناه الإنسان الحازم الذي يغتنمُ الفُرَصَ ويتَّخذ لنفسه الحيطة حتى لا تفوت عليه الأيام والليالي فيضيع.
وقوله : ((مَنْ دَانَ نفسه)) أي: من حاسبها ونظر ماذا فعل من المأمورات وماذا ترك من المنهيّات: هل قام بما أُمر به، وهل ترك ما نُهي عنه، فإذا رأى من نفسه تفريطًا في الواجب استدركه إذا أمكن استدراكه، وقام به أو بدله، وإذا رأى من نفسه انتهاكًا لمحرَّم اقلع عنه وندم وتاب واستغفر.
وقوله: ((عَمِلَ لما بعدَ الموت)) يعني عمل للآخرة؛ لأن كل ما بعد الموت فإنه من الآخرة، وهذا هو الحق والحزم، أن الإنسان يعمل لما بعد الموت؛ لأنه في هذه الدنيا مارٌّ بها مرورًا، والمآل هو ما بعد الموت، فإذا فرَّط ومضت عليه الأيام وأضاعها في غير ما ينفعه في الآخرة فليس بكيِّس، الكيِّسُ هو الذي يعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبَعَ نفسه هواها وصار لا يهتم إلا بأمور الدنيا، فيتبع نفسه هواها في التفريط في الأوامر، ويتبع نفسه هواها في فعل النواهي، ثم يتمنَّى على الله الأماني فيقول: الله غفور رحيم، وسوف أتوب إلى الله في المستقبل، وسوف أُصلِحُ من حالي إذا كبرت، وما أشبهه من الأماني الكاذبة التي يُمليها الشيطان عليه، فربما يدركها وربما لا يدركها.

ففي هذا الحديث: الحث على انتهازِ الفرص، وعلى أن لا يضيِّع الإنسان من وقته فرصة إلا فيما يرضي الله- عز وجل -وأن يَدَع الكسل والتهاون والتمني، فإن التمني لا يفيد شيئًا، كما قال الحسن البصري رحمه الله: ((ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلِّي، ولكن الإيمان ما وَقَر في القلب وصدَّقتْهُ الأعمال)).
فعلينا أيها الإخوة أن ننتهز الفرصة في كل ما يقرِّب إلى الله من فعل الأوامر و اجتناب النواهي، حتى إذا قَدِمنا على الله كنا على أكمل ما يكون من حال. نسأل الله أن يُعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته.
* * *

 

67- الثامن: عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من حُسْنِ إسلام المرء تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ)) حديث حسن رواه الترمذي وغيره.

الشرح :

إسلام المرء هو استسلامه لله- عز وجل – ظاهرًا وباطنًا. فأما باطنًا فاستسلام العبد لربه بإصلاح عقيدته وإصلاح قلبه، وذلك بأن يكون مؤمنًا بكل ما يجب الإيمان به على ما سبق في حديث جبريل.
وأما الاستسلام ظاهرًا فهو إصلاح عمله الظاهر، كأقواله بلسانه وأفعاله بجوارحه،

والناس يختلفون في الإسلام اختلافًا ظاهرًا كثيرًا، كما أن الناس يختلفون في أشكالهم وصورهم، منهم الطويل ومنهم القصير، ومنهم الضخم ومنهم مَنْ دون ذلك، ومنهم القبيح ومنهم الجميل، فيختلفون اختلافًا ظاهرًا، فكذلك أيضًا يختلفون في إسلامهم لله- عز وجل – حتى قال الله في كتابه: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ﴾[الحديد:10].

وإذا كان الناس يختلفون في الإسلام، فإن مما يزيدُ في حسن إسلام المرء أن يدع ما لا يعنيه ولا يُهمُّه لا في دينه ولا في دنياه، فالإنسان المسلم إذا أراد أن يجعل إسلامه حسنًا فليَدَع ما لا يعنيه، فالشيء الذي لا يُهمُّه يتركه.

فمثلًا: إذا كان هناك عمل وتردَّدْتَ هل تفعل أو لا تفعل؟ انظر هل هو من الأمور المهمة في دينك ودنياك فافعله، وإلا فاتركه، والسلامة أسلم.

كذلك أيضًا لا تتدخَّل في شؤون الناس إذا كان هذا لا يهمُّك، وهذا خلاف ما يفعله بعض الناس اليوم، من حرصه على اطِّلاعه على أعراض الناس وأحوالهم، ويجد اثنين يتكلَّمان فيحاول أن يتقرَّب منهما حتى يسمع ما يقولان، ويجد شخصًا جاء من جهة من الجهات فتراه يبحث وربما يبادر الشخص نفسه ويقول له: من أين جئت؟ وماذا قال لك فلان؟ وماذا قلت له؟ وما أشبه ذلك في أمور لا تعنيه ولا تُهمُّه. فالأمور التي لا تعنيك اتركها، فإن هذا من حُسن إسلامك، وهو أيضًا فيه راحة للإنسان؛ فكون الإنسان لا يهمُّهُ إلا نفسه هذا هو الراحة، أما الذي يتتبَّع أحوال الناس ماذا قيل؟ وماذا حدث لهم؟ … فإنه سوف يتعب تعبًا عظيمًا، ويُفوِّتُ على نفسه خيرًا كثيرًا، مع أنه لا يستفيد شيئًا،

فاجعل دأبك دأب نفسك، وهمَّك همَّ نفسك، وانظر إلى ما ينفعك فافعله، والذي لا ينفعك اتركه، وليس من حُسْنِ إسلامك أن تبحث عن أشياء لا تهمُّك.

ولو أننا مشينا على هذا وصار الإنسان دأبه دأب نفسه ولا ينظر إلا إلى فعله، لحصَّل خيرًا كثيرًا.

أما بعض الناس تجده مشغولًا بشؤون غيره فيما لا فائدة له فيه، فيضيِّعُ أوقاته ويشغل قلبه ويشتِّت فكره، وتضيع عليه مصالح كثيرة.وتجد الرجل الدءوب الذي ليس له همٌّ إلا نفسه وما يعنيه، تجده ينتج ويثمر ويحصِّل، ويكون في راحة فكريَّة وقلبيَّة وبدنيَّة،

ولذا يعدُّ هذا الحديث من جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم فإذا أردت شيئًا فعلًا أو تركًا انظر هل يهمك أو لا؟! إن كان لا يهمك اتركه ولا تتعرض له واسترح منه، وأرِحْ قلبك وفكرك وعقلك وبدنك، وإن كان يُهمُّك فاشتغل به بحسبه،
فعلى كل حال كل إنسان عاقل كما جاء في الحديث السابق: ((الكَيِّس مَن دان نفسَه وعَمِلَ لما بعدَ الموت)). فكل إنسان عاقل يحرص على أن يعمل لما بعد الموت، ويُحاسب نفسه على أعمالها.
والله الموفق.
* * *

 

التاسع: عن عمر – رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يُسألُ الرجل فيمَ ضَرَبَ امرأته)) رواه أبو داود وغيره .

الشرح :

تساهل المؤلف – رحمه الله- في هذا الحديث حيث قال: (( رواه أبو داود وغيره))؛ لأن الغير يشمل جميع من خرَّج الأحاديث، وإن كان مثل هذه الصيغة لا يذكر الأعلى، فمثلًا إذا قيل : ((رواه أبو داود وغيره)) فيعني ذلك أنه لم يروه البخاري ولا مسلم ولا من هو أعلى من أبي داود، و إنما رواه أبو داود وغيره ممَّن هو دونه.

ومعنى الحديث: أن الرجل المتقي الله- عز وجل – الذي انتهى به الأمر إلى آخر المراتب الثلاث التي أشار الله إليها في قوله :﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾[النساء:34]، فالضرب آخر المراتب، فقد يضرب الرجل زوجته على أمر يستحيا من ذكره، فإذا عُلِمَ تقوى الرجل لله- عز وجل – وضرب امرأته فإنه لا يسأل، هذا إن صحَّ الحديث، ولكن الحديث ضعيف.
أما من كان سيئ العشرة فهذا يُسأل فيمَ ضرب امرأته؛ لأنه ليس عنده من تقوى الله تعالى ما يردعُه عن ظلمها وضربها، حيث لا تستحقُّ أن تُضرب.
والله الموفق.
* * *

 

 

 

 

اترك تعليقاً