فضائل إفشاء السلام .

في تاريخ :  25 مايو 2016

فضائل إفشاء السلام .

تصحيح لغوي وتنسيق مقال أ/ إبراهيم باشا .

نقلًا عن الشيخ / مصطفى العدوي .

المصدر: كتاب : “فقه الأخلاق والمعاملات مع المؤمنين”

من الأمور التي تجلب المحبَّة وتنشُر المودَّة بين النَّاس – إفْشاءُ السلام ، أي: نشره، وإظهاره، والإكثار منه،

ومن ثَمَّ جاءت النصوص عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تحث على ذلك، وتبيِّنُ أثره وفضله.

* قال البراء بن عازب – رضي الله عنهما -: “أمرنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بسبع: بعيادة المريض، واتِّباع الجنائز، وتشميت العاطس، ونصر الضعيف، وعَوْن المظلوم، وإفشاء السلام، وإبرار المُقْسِم”،

أخرجه البخاري ومسلم .

 

* وفي “صحيح مسلم” ، من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ( لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتَّى تَحابُّوا، أولا أدُلُّكم على شيء إذا فعلْتُمُوهُ تَحابَبْتُم؟ أفشوا السَّلامَ بيْنَكُم ) .

* وعند البخاري في “الأدب المفرد” من حديث أنس قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: (إنَّ السلامَ اسمٌ من أسْماءِ اللَّه تعالى، وَضَعَهُ الله في الأرض، فأفْشُوا السَّلام بَيْنَكُم) .

 

* وفي “الصحيحين” من حديث عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما – أن رجلًا سأل رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “أي الإسلام خير؟” قال: (تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت، ومن لم تَعْرِف).

* وبيَّن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنَّ من حقِّ المسلم على أخيه أن يُسَلِّمَ عليه؛

ففي “صحيح مسلم” من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: ((حقُّ المسلم على المسلم ست)) قيل: “ما هن يا رسول الله؟” قال: (إذا لقيته فسلِّمْ عليه، وإذا دعاك فأجِبْهُ، وإذا استَنْصَحَك فانْصَحْ له، وإذا عطس فحمِدَ اللَّه فشمِّتْهُ، وإذا مَرِضَ فعُدْهُ، وإذا مات فاتبعه).

 

* وفي “الصحيحين” من حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – أنَّ النَّبيَّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – قال: (إيَّاكم والجلوسَ في الطُّرُقات)، فقالوا: “يا رسولَ اللَّه؛ ما لنا من مَجالِسِنا بُدٌّ نَتَحَدَّثُ فيها”، فقال: (فإذا أبَيْتُم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقَّه)، قالوا: “وما حقُّ الطريق يا رسولَ الله؟” قال: (غضُّ البَصَرِ، وكفُّ الأذَى، ورَدُّ السَّلام، والأمْرُ بِالمَعروف والنهي عن المنكر).

* وأَوْلى النَّاسِ بِاللَّه مَنْ بَدَأَهُم بِالسَّلام؛ كما قال النَّبيُّ – صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّم.

 

* وكانَ النَّبيُّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – يسلِّمُ على الصِّبيان ، كما في “الصحيحين” من حديث أنس – رضي الله عنه.

* وكان يُسَلِّمُ على النِّساء أيضًا ؛ ففي “سُنَنِ التِّرمذي”، و”الأدب المفرد” للبخاري بإسنادٍ حسَنٍ لِشواهده من حديث أسماءَ بنت يزيد – رضي الله عنها -: أنَّ رسول الله – صلَّى الله عليه وسلم – مرَّ بِي، وأنا في جَوارٍ أتْراب، فسلَّم علينا.

 

* وكذلك إذا كان المَجلِس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان، واليهود فإن النبي – صلى الله عليه وسلم – سلَّم على مَجلِس فيه مثل هذه الأخلاط .

وقد كان أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يتماشَوْنَ، فإذا استقبَلَتْهُم شجرةٌ أو أكمَةٌ فتفرَّقُوا يَمينًا وشِمالًا ، ثُمَّ التَقَوْا، سلَّم بعضُهم على بَعْضٍ .

ومِمَّا يَجْلِبُ المودَّة والمَحبَّة أيضًا: أن ترسل سلامك إلى الناس، وما أظن هذا يكلفك شيئًا، وقد جاءت بذلك السنة.

* أخرج البخاري ومسلم من حديث عائشة – رضي الله عنها – قالت: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: (يا عائشُ هذا جبريل يقرئك السلام).
قلت – القائل عائشة -: “وعليهِ السلام ورحمة الله”.

 

* وفي “مسند الإمام أحمد” بإسناد صحيح عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: (إني لأرجو إن طال بي عمر أن ألقى عيسى ابن مريم – عليه السلام – فمَنْ لقِيَهُ منكم، فليقرئه مني السلام).

* ولهذا الفضل العظيم والثواب الجزيل للسلام، فإن أعظم ما يحسدنا عليه اليهود هو السلام والتأمين.

روت أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: (ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين). 

رواه ابن ماجه ، وابن خزيمة ، والبخاري في “الأدب المفرد” بإسناد حسن.

* فالسلام كما تقدم اسم من أسماء الله، وإفشاؤه فيه ذكر لله، وكثرة إفشائه تعني كثرة ذكر الله، وقد قال الله تعالى: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35].

 

* وكم دُفِعَ من شر بسبب كلمة “السلام عليكم”؟

* وكم حلَّ من خيرات وبركات بسبب كلمة “السلام عليكم”؟

* وكم وُصِلَتْ من أرحام بكلمة “السلام عليكم”؟

 

* وفي المقابل كم حلَّ من نَكَدٍ وبَلاءٍ، وبُؤْسٍ وشَقَاءٍ، وقطيعةِ رَحِمٍ، وإدْبار وتنافُرٍ بِسَبَبِ ترك كلِمة “السلام عليكم”؟

فعليكَ بِها .. أكْثِرْ مِنْها .. سلِّمْ على الصغير والكبير، والغني والفقير، والرجل والمرأة، ومَن عَرفتَ، ومَن لم تعرِفْ، بل وسلِّم على الأموات كذلك، وتأكد أنَّ في ذلك خيرًا إن شاء الله.

 

وهذه صيغ من صيغ السلام:

أخرج أبو داود في “سُنَنِه” من حديث عمران بن حصين – رضي الله عنه – قال: جاء رجل إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: “السلام عليكم”، فردَّ عليه السلام، ثم جلس، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: ((عشر))، ثم جاءَ آخَرُ فقال: “السلام عليكم ورحمة الله”، فرد عليه فجلس، فقال: ((عِشْرُونَ))، ثم جاء آخَرُ فقال: “السلام عليكم ورحمة الله وبركاته”، فرد عليه فجلس، فقال: ((ثلاثون)).

 

* وفي “الصحيحين” من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ((خَلَقَ اللهُ آدَمَ وطوله ستون ذراعًا، ثم قال: اذهب فسلم على أولئك من الملائكة فاستمع ما يحيونك، تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه ورحمة الله)).

* وفي “صحيح مسلم” من حديث أبي ذر – رضي الله عنه – في قصة إسلامه قال: فأتيته – أي: رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فإني لأوَّل النَّاس حيَّاهُ بتحية الإسلام، قال: قلت: السلام عليك يا رسول الله ، قال: ((وعليك السلام، من أنت؟)).

 

* وفي “سنن أبي داود” عن عمر أنه أتى النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو في مشربة له فقال: السلام عليكم يا رسول الله، السلام عليكم: أيدخل عمر؟”

* وقد شرعت للسلام آداب، منها:

* قول الله – تبارك وتعالى -: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86].

* وقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: ((يسلم الصغير على الكبير، والمار على القاعد، والقليل على الكثير))، رواه البخاري .

وفي رواية أخرى: ((يسلم الراكب على الماشي)) ، رواه البخاري ، ومسلم .

* وقد تكون هناك موانع شرعيَّة تَمنع مِن إلقاء السلام؛ بل ومِن رَدِّه، كأن يكون عدم الردِّ كي ينزجر العاصي عن معصِيَتِه، ويُقْلِعُ المُذْنِب عن ذنبه،

وفي حديث كعبِ بْنِ مالكٍ الآتي قريبًا: وآتي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فأسلِّم عليه، فأقول في نفسي: هل حرَّك شفتيه برد السلام أم لا؟”.

* وأخرج أبو داود من حديث عمَّار بن ياسر – رضي الله عنهما – قال: قدِمْتُ على أهلي، وقد تشقَّقتُ يداي فخلَّقوني بزعفران، فغدوت على النبي – صلى الله عليه وسلم – فسلمت عليه فلم يردَّ علي، وقال: ((اذهب فاغسل هذا عنك)).

 

وفي “صحيح البخاري” من حديث عائشة – رضي الله عنها – أنها اشترتْ نُمرقة فيها تصاوير، فقام النبي – صلى الله عليه وسلم – بالباب فلم يدخل فقلت: أتوب إلى الله ماذا أذنبت؟ قال: ((ما هذه النمرقة؟))، قلت: لتجلس عليها وتوسدها، قال: ((إن أصحاب هذه الصور يُعذَّبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم، وإن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه الصورة)).

 

وأخرج البخاري وأبو داود بإسناد صحيح من حديث عبدالله بن عمر – رضي الله عنهما – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أتى فاطمة – رضي الله عنها – فوجد على بابها سترًا، فلم يدخل، قال: وقلما كان يدخل إلا بدأ بها فجاء علي – رضي الله عنه – فرآها مهتمَّة فقال: ما لك؟ قالت: جاء النبي – صلى الله عليه وسلم – إليَّ فلم يدخل، فأتاه علي – رضي الله عنه – فقال: يا رسول الله إنَّ فاطمة اشتدَّ عليها أنَّك جِئْتَها فلم تَدْخُل عليْها قال: ((وما أنا والدنيا، وما أنا والرَّقْم))، فذهب إلى فاطمة فأخبرها بقول رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقالت: قل لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – ما يأمرني به، قال: ((قل لها فلْتُرْسِلْ به إلى بني فلان)).

 

 

* وقد يكون المانع شرعيًّا من وجه آخر:

ففي “صحيح مسلم” من حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – أن رجلًا مرَّ ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – يبول، فسلَّم فلم يرد عليه.

وفي “صحيح البخاري” من حديث أبي الجهيم الأنصاري – رضي الله عنه – قال: أقبل النبي – صلى الله عليه وسلم – من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه النبي – صلى الله عليه وسلم – حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد عليه السلام.

 

* وقد يكون في إلقاء السلام على رجل شرير دفع لشره:

وقد قال النبي – صلى الله عليه وسلم – في شأن رجل: ((بئس أخو العشير))، رواه البخاري ومسلم .

فلما قدم ألان له النبي – صلى الله عليه وسلم – القول.

وبالجملة ففي باب إفشاء السلام أو تركه ينبغي أن تراعى المصالح الشرعية العامة،

فإفشاء السلام والإكثار منه، والسلام على الصغير والكبير، والرجل والمرأة، والقريب والبعيد، ومن عرفت، ومن لم تعرف – هو الأصل بين المسلمين.

 

أما إذا وجدت مصلحة شرعية من وراء ترك السلام، فحينئذ نقف مع المصلحة الشرعية ويُتْرَكُ إلْقاءُ السلام؛ بل ويُتْرَك الرَّدُّ، وينبغي أن يكون هذا بقدر؛ أعْنِي ترك إلقاء السلام أو ترك الرد، وحسب الحاجة، ولا يتَّسع فيه، والله أعلم.

* وقد كانتِ المُصافحة أيضًا في أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – وذلك فيما أخرجه البخاري من طريق قتادة قال: قلتُ لأنس: أكانت المصافحة في أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم.

 

وقال ابن مسعود – رضي الله عنه -: علمني رسول الله – صلى الله عليه وسلم – التشهد وكفي بين كفيه”، رواه البخاري ، ومسلم.

* وصحَّح بعض أهل العلم حديث البراء بن عازب – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا)).

* وفي البخاري من حديث عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب.

* وقال كعب بن مالك في قصته وتوبة الله عليه، قال: دخلت المسجد فإذا برسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقام إليَّ طلحة بن عبيد الله يُهَرْوِلُ حتَّى صافحني وهنأني.

 

 

 

اترك تعليقاً