شرح أحاديث رياض الصالحين . * باب المجاهدة * . شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين .

في تاريخ :  03 أبريل 2017

شرح أحاديث رياض الصالحين .

* باب المجاهدة *

شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين .

 
تصحيح لُغَوي و تنسيق مقالٍ أ/ إبراهيم باشا .

قال الله تعالى: { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين } ،

وقال تعالى: { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } ،

وقال تعالى: { واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلًا } أي: انقطع إليه .

وقال تعالى: { فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره } ،

وقال تعالى: { وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرًا وأعظم أجرًا } ،

وقال تعالى: { وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم } ،

والآيات في الباب كثيرة معلومة .

الشرح :
قال المؤلف رحمه الله تعالى: ( باب المجاهدة ) ، المجاهدة تعني مجاهدةة الإنسان نفسه ومجاهدته غيره ،

فأما مجاهدة الإنسان نفسه فإنها من أشق الأشياء ،

ولا يتم مجاهدة الغير إلا بمجاهدة النفس أولًا ،

ومجاهدة النفس تكون بأن يجاهد الإنسان نفسه على شيئين:

* على فعل الطاعات .

* وعلى ترك المعاصي ؛

لأن فعل الطاعات ثقيل على النفس إلا من خففه الله عليه ، وترك المعاصي كذلك ثقيل على النفس إلا من خففه الله عليه ،

فتحتاج النفس إلى مجاهدة ، لا سيما مع قله الرغبة في الخير فإن الإنسان يعاني من نفسه معاناة شديدة ليحملها على فعل الخير .

ومن أهم ما يكون من هذا:

مجاهدة النفس على الإخلاص لله عز وجل في العبادة ؛

فإن الإخلاص أمره عظيم وشاق جدًّا ، حتى إن بعض السلف يقول ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص ،

ولهذا كان جزاء المخلصين أن من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه حرمه الله على النار .

لكن متى يكون هذا الأمر ؟

إن هذا الأمر شديد جدًّا ؛ فالمجاهدة على الإخلاص لله من أشق ما يكون على النفوس ؛ لأن الإنسان يحب أن يكون مرموقًا عند الناس ، ويحب أن يكون محترمًا بين الناس ، ويحب أن يقال: إن هذا رجل عابد هذا رجل فيه كذا وكذا من خصال الخير ،

فيدخل الشيطان على الإنسان من هذا الباب ويحمله على مراءاة الناس ،

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( من راءى راءى الله به ومن سمع سمع الله به )) ، يعني أظهر أمره للناس حتى ينكشف والعياذ بالله ،

كذلك أيضًا مما يجاهد الإنسان نفسه عليه فعل الطاعات الشاقة مثل الصوم ؛

فإن الصوم من أشق الطاعات على النفوس ؛ لأن فيه ترك المألوف من طعام وشراب ونكاح ، فتجده يكون شاقًّا على الناس إلا من يسره الله عليه وخفف عنه ،

تجد بعض الناس مثلًا إذا دخل رمضان كأنما وضع على ظهره جبل والعياذ بالله ، لأنه يستثقل الصوم ويرى أنه شاق ،

حتى إن بعضهم يجعل حظ يومه النوم وحظ ليله السهر في أمر لا خير له ، كل ذلك من أجل مشقة هذه العبادة عليه .

كذلك أيضًا من الأشياء التي تحتاج إلى مجاهدة ، مجاهدة الإنسان نفسه على الصلاة مع الجماعة ؛ فكثير من الناس يسهل عليه أن يصلي في بيتههه لكن يشق عليه أن يصلي مع الجماعة في المساجد ، فتجده مع نفسه فييي جهاد يقول: أصبر أؤدي هذا الشغل أو أفعل كذا أو أفعل كذا حتى يسوف فتفوته صلاة الجماعة ،

وثقل صلاة الجماعة على الإنسان يدل على أن في قلب الإنسان نفاقًا ، والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( أثقل الصلوات على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ))

وهذا يحتاج إلى المجاهدة .

أما مجاهدة النفس على ترك المحرم فما أكثر المحرمات التي يشق على بعض الناس تركها !

 فتجد البعض يعتاد على فعل المحرم ويشق عليه تركه ،

ولنضرب لهذا مثلين المثل الأول:
الدخان ،

فإن كثيرًا من الناس ابتلى بشرب الدخان ، وأول ما خرج الدخان اختلف العلماء فيه فمنهم من قال أنه حلال ، ومنهم من قال إنه حرام ، ومنهم من قال إنه مكروه ، ومنهم من ألحقه بالخمر حتى أوجب
الحد على شاربه .

ولكن بعد أن مضت الأيام تبين تبينا لا شك فيه أنه حرام لأن الأطباء أجمعوا على أنه مضر بالصحة ، وأنه سبب لأمراض مستعصية تؤدي بالإنسان إلى الموت .

ولهذا نجد بعض المدخنين يموت وهو يكلمك ، أو يموت وهو على الفراش ، وإذا حمل أدنى شيء انقطع قلبه ومات ،

وهذا يدل على أنه ضار ، والشيء الضار محرم على الإنسان ؛ لأن الله يقول: (( ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا ))

ويشق علىبعض المبتلين بهذا الدخان أن يدعه مع أنه لو عود نفسه على تركه شيئًا فشيئًا وابتعد عن الذين يشربونه وصار يكره رائحته لهان عليه الأمر ،

لكن المسألة تحتاج إلى عزيمة قوية وإيمان صادق .

المثل الثاني: مما يشق على كثير من الناس وقد ابتلى به الكثير:

حلق اللحي ،

فإن حلق اللحية حرام ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال خالفوا المجوس ، خالفوا المشركين ، وفروا اللحى واحفوا الشوارب ،

وكثير من الناس قد غلبته نفسه فصار يحلق لحيته ولا أدري أي شيء يجنى من حلق اللحية ؟

لا يجني إلا معاصي تتراكم عليه حتى تضعف إيمانه والعياذ بالله؛  لأن من مذهب أهل السنة والجماعة أن المعاصي تنقص الإيمان فيكتسب حالق
اللحية معاصي تنقص إيمانه مع أنه لا يزيد نشاطه ولا صحته ولا تندفع عنهه بذلك الأمراض ولكنه ابتلى
بهذا الشيء وصار شاقًّا عليه ،

فعلى الإنسان أن يجاهد نفسه على فعل الأوامر وعلى ترك النواهي حتى
يكون من المجاهدين في الله عز وجل ،

وقد قال الله تعالى في جزائهم: { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين }

أما مجاهدة الغير ، فإنها تنقسم إلى قسمين: قسم بالعلم والبيان ، وقسم بالسلاح .

أما من مجاهدته بالعلم والبيان:

فهو الذي يتسمى بالإسلام ، وليس من المسلمين مثل المنافقين وأهل البدع المكفرة ، وما أشبه ذلك فإن هؤلاء لا يمكن أن نجاهدهم بالسلاح لأنهم يتظاهرون بالإسلام وأنهم معنا ، ولكننا نجاهدهم بالعلم والبيان ،

قال الله تعالى: { يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم
ومأواهم جهنم وبئس المصير } ،

فجهاد الكفار يكون بالسلاح وجهاد المنافقين يكون بالعلم والبيان ،

ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يعلم بأن في أصحابه منافقين ويعلمهم بأعيانهم ولكنه لا يقتلهم ، واستؤذن في قتلهم فقال: ” لأن لا يتحدث الناس بأن محمدًا يقتل أصحابه “

فكذلك الذين ينطوون تحت لواء الإسلام من أهل البدع لا نقاتلهم بالسلاح لكننا نقاتلهم بالعلم والبيان ،

ولهذا كان واجبًا على شباب الأمة الإسلامية أن يتعلموا العلم على وجه راسخ ثابت لا على وجه سطحي كما يوجد في كثير من
بيوت العلم ، حيث يتعلمون علمًا سطحيًّا لا يرسخ بالذهن ، علمًا يقصد بهه الإنسان أن يحصل على بطاقة أو شهادة فقط ،

ولكن العلم الحقيقي هو العلم الذي يرسخ في القلب ويكون كالملكة للإنسان ،

حتى إن الإنسان الذي يوفق لهذا النوع من العلم تجده لا يكاد تأتيه مسألة من المسائل إلا عرف كيف يخرجها على الأدلة من الكتاب والسنة والقياس الصحيح ، فلابد من علم راسخ .

والناس اليوم في عصرنا محتاجون إلى هذا النوع من العلم ؛ لأن البدع بدأ يفشوا ظلامها في بلدنا هذا بعد أن كانت نزيهة منها ،

لكن نظرًا لانفتاحنا على الناس وانفتاح الناس علينا وذهاب بعضنا إلى بلاد أخرى ومجيء آخرين إلى بلادنا ليسوا على عقيدة سليمة بدأت البدع تظهر ويفشوا ظلامها ،

وهذه البدع تحتاج إلى نور من العلم يضيء الطريق حتى لا يصيب بلادنا ما أصاب غيرها من البدع المنكرة العظيمة التي قد تصل إلى الكفر والعياذ
بالله ،

فلابد من مجاهدة أهل البدع وأهل النفاق بالعلم والبيان ، وبيان بطلان ما هم عليه بالأدلة المقنعة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأقوال السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، وأئمة الهدى من بعدهم .

أما النوع الثاني من جهاد الغير: فهو الجهاد بالسلاح ،

وهذا في جهاد الأعداء الذين يظهرون العدواة للإسلام ويصرحون بذلك ، مثل اليهود والنصارى الذين يسمون بالمسيحين
والمسيح منهم بريء عليه الصلاة والسلام ،

المسيح لو أنه خرج لقائلهم وهم ينتسبون إليه يقول الله عز وجل: { وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } ،

فماذا كان جواب عيسى ؟ { قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي
وربكم وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيبب عليهم وأنت على كل شيء شهيد } ،

فعيسى ابن مريم قال لهم ما أمرهم الله به: ” اعبدوا الله ربي وربكم “

ولكنهم كانوا يعبدون عيسى ويعبدون مريم ويعبدون الله ، ويقولون: إن الله ثالث ثلاثة .

إذن كيف يصح أن ينتسب هؤلاء إلى عيسى وهو يتبرأ منهم أمام الله عز وجل ؟

فاليهود والنصارى والمشركون من البوذيين وغيرهم والشيوعيون كل
هؤلاء أعداء للمسلمين يجب على المسلمين أن يقاتلوهم حتى تكون كلمةة الله هي العليا ،

ولكن مع الأسف المسلمون اليوم في ضعف شديد وفي هوان وذل يقاتل بعضهم بعضًا أكثر مما يقاتلون أعداءهم ،

هم فيما بينهم يتقاتلون أكثر مما يتقاتلون مع أعدائهم ، ولهذا سلط الأعداء علينا وصرنا كالكرة في أيديهم يتقازفونها حيث يشاؤون ،

لهذا يجب على المسلمين أن ينتبهوا لهذا الأمر ، وأن يعدوا العدة ، ولأن الله تعالى قال: { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن ورباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم } ،

وقال عز وجل: { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } ،

{ يعطوا الجزية } أي يبذلون الجزية لنا { عن يد } فيها قولان للعلماء { عن يد } يعني: عن قوة منا عليها أو { عن يد } يعني: عن واحدة من أيديهم بحيث يمدها هو بنفسه اليهودي أو النصراني ،

ولهذا قال العلماء لو أرسل بها خادمه لم نأخذهم حتى يأتي بنفسه ويسلمها للمسئول من المسلمين ،

وتصوروا كيف يزيد الله منا ؟ وكيف يكون الإسلام في هذه العزة تضرب عليهم الجزية ويأتون
بها هم بأنفسهم ، ولو كان أكبر واحد منهم يأتي بها حتى يسلمها إلى المسئول في الدولة الإسلامية عن يد وهو صاغر أيضًا لا يأتي بأبَّهة وبجنود وبقوم وبحشم بل يأتي وهو صاغر ،

ثم إذا قال قائل: كيف تكون تعاليم الإسلام هكذا ؟ أليست هذه عصبية ؟ قلنا: عصبية لمن ؟ هل المسلمون يريدون عصبية لهم يستطيلون بها على الناس ؟ 
أبدًا فالمسلمون أحسن الناس أخلاقًا لكنهم يريدون أن تكون كلمة الخالقق الذي خلقهم وخلق هؤلاء هي العليا ، ولا يمكن أن تكون هي العليا حتى يكون المسلمون هم الأعلون ،

ولكن متى يكون المسلمون هم الأعلون ؟

يكونون كذلك إذا تمسكوا بدين الله حقًّا ظاهرًا وباطنًا ، وعرفوا أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ،

أما أن يذلوا عن دين الله ثم يذلوا أمام أعداء الله ثم يصيروا أذنابًا لأعداء الله فأين العزة إذن ؟

لا يمكن أن تكون بهذا عزة أبدًا ،

الإسلام دين حق دين علو قال الله عز وجل: { فلا تهنوا وتدعوا إلى
السلم وأنتم الأعلون والله معكم }

أي شيء تريدون بعد ؟ 

أنتم الأعلون والله معكم تدعون إلى السلم ؟

كيف تهنون ؟

ولكن نظرًا لتعثرنا في ديننا تأخرنا وكنا على العكس من ذلك ،

كان الناس في عهد السلف الصالح يمشي المسلم وهو يريد أنه هو المستحق لأرض الله ؛ لأن الله قال في كتابه: { ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون } ، فهو يرى أنه صاحب الأرض ،

أما الآن فبالعكس مع الأسف الشديد ،

ولهذا نحن نحث أبناءنا وشبابنا على أن يفقهوا الدين حقيقة ، ويتمسكوا به حقيقة ، وأن يحذروا أعداء الله عز وجل ، وأن يعلموا أنه لا يمكن لعدو الله وعدوهم أن يسعى في مصلحتهم إطلاقًا بل لا يسعى إلا لمصلحة نفسه وتدمير المسلمين ومن ورائهم الإسلام ،

فنسأل الله تعالى أن يعزنا بدينه ، وأن يعز دينه بنا ، وأن يجعلنا من دعاة الحق وأنصاره ، وأن يهيئ للأمة الإسلامية قادة خير يقودونها لما فيه صلاحها وسعادتها في دينها ودنياها .

وأما الأحاديث:

٩٥ – فالأول: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى قال: (( من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني أعطيته ولئن استعاذني لأعيذنه )) رواه البخاري .

آدنته أعلمته بأني محارب له استعاذني روى بالنون وبالياء .

الشرح:

نقل المؤلف رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: قال الله تعالى: (( من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب ))

المعاداة : هي المباعدة ، وهي ضد الموالاة ، والولي بَيَّنه الله عز وجل في
قوله: (( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانواا يتقون ))

هؤلاء هم أولياء الله ، { الذين آمنوا } أي: حققوا الإيمان في قلوبهم بكل ما يجب الإيمان به ، { وكانوا يتقون } أي حققوا العمل الصالح بجوارحهم فاتقوا جميع المحارم من ترك الواجبات أو فعل المحرمات فهم جمعوا بين صلاح الباطن بالإيمان وصلاح الظاهر بالتقوى ، هؤلاء هم أولياء الله ،

وليست ولاية الله سبحانه وتعالى تأتي بالدعوى كما يفعله بعض الدجالين الذين يموهون على العامة بأنهم أولياء لله وهم أعداء والعياذ بالله ، فتجد في
بعض البلاد الإسلامية أناسًا يموهون للعامة يقولون: نحن أولياء ، ثم يفعلل من العبادات الظاهرة ما يموه به على العامة وهو من أعداء الله ، لكنه يتخذ من هذه الدعوة وسيله إلى جمع المال وإلى إكرام الناس له وإلى
تقربهم إليه وما أشبه ذلك ،

وعندنا ولله الحمد ضابط بَيَّنه الله عز وجل وتعريف جيد للأولياء { وكانوا
يتقون } ، هؤلاء هم أولياء الله ،

فالذي يعادي أولياء الله يقول الله عز وجل: فقد آذنته بالحرب ، يعني أعلنت
عليه الحرب ،

فالذي يعادي أولياء الله محارب لله عز وجل ، نسأل الله العافية ، ومن حارب الله فهو مهزوم مخذول لا تقوم له قائمة .

ثم قال سبحانه وتعالى: (( ومن تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه )) ، يعني أن الله يقول: ما تقرب إليَّ الإنسان بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه يعني أن الفرائض أحب إلى الله من النوافل ، فالصلوات الخمس مثلًا أحب إلى الله من قيام الليل وأحب إلى الله من النوافل ، وصيام رمضان أحب إلى الله من صيام الاثنين والخميس والأيام الست من شوال .. وما أشبهها ،

كل الفرائض أحب إلى الله من النوافل ، ووجه ذلك أن الفرائض أوكدها الله عز وجل فألزم بها العباد ، وهذا دليل على شدة محبته لها عز وجل ، فلما كان يحبها شديدًا ألزم بها العباد ، أما النوافل فالإنسان حر إن شاء تنفل وزاد خيرًا وإن شاء لم يتنفل ، لكن الفرائض أحب إلى الله وأوكد ،

والغريب أن الشيطان يأتي الناس فتجدهم في النوافل يحسنونها تمامًا ، تجده مثلًا في صلاة الليل يخشع ولا يتحرك ولا يذهب قلبه يمينًا ولا شمالًا لكن إذا جاءت الفرائض فالحركة كثيرة والوساوس كثيرة والهواجس بعيدة ، وهذا من تزيين الشيطان ،

فإذا كنت تزين النافلة فالفريضة أحق بالتزين ، فأحسن الفريضة لأنها أحب إلى الله عز وجل من النوافل ،

((وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه )) ، النوافل تقرب إلى الله ، وهي تكمِّل الفرائض ، فإذا أكثر الإنسان من النوافل مع قيامه بالفرائض نال محبة الله فيحبه الله ، وإذا أحبه فكما يقول الله عز وجل: (( كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها )) ، يعني أنه يكون مسددًا له في هذه الأعضاء الأربعة في السمع: يسدده في سمعه فلا يسمع إلا ما يرضي الله وما فيه الخير والصلاة ويعرض عما يغضب الله فلا يستمع إليه ويكون ممن إذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا: لنا أعمالنا ولكم أعمالكم .

كذلك أيضًا بصره: فلا ينظر إلا ما يحب الله النظر إليه ولا ينظر إلى المحرم ولا ينظر نظرًا محرمًا .

ويده : فلا يعمل بيده إلا ما يرضي الله ؛ لأن الله يسدده .

وكذلك رجله : فلا يمشي إلا إلى ما يرضي الله فلا يسعى إلا ما فيه الخير .

وهذا معنى قوله: (( كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها )) ، أي أنه تعالى يسدد عبده هذا في سمعه وبصره وبطشه ومشيه ،

فإذا كان الله سبحانه وتعالى مسددًا له في هذه الأشياء كان موفقًا مغتنمًا لأوقاته منتهزًا لفرصه ،

وليس المعنى أن الله يكون نفس السمع ونفس البصر ونفس اليد ونفس الرجل ، حاش لله فهذا محال فإن هذه أعضاء وأبعاد لشخص مخلوق لا يمكن أن تكون هي الخالق ، ولأن الله تعالى أثبت في هذا الحديث في قوله: (( ولئن سألني أعطيته ولئن استعاذني لأعيذنه )) ، فأثبت سائلًا ومسئولًا وعائذًا ومعوذًا به ، وهذا غير هذا .

وفي قوله سبحانه وتعالى في هذا الحديث القدسي: ولئن سألني أعطيته دليل على أن هذا الوالي الذي تقرب إلى الله تعالى بالفرائض ثم بالنوافل إذا سأل الله أعطاه فكان مجاب الدعوة ، وهذا الإطلاق يقيد بالأحاديث الأخرى الدالة على أنه يعطي السائل سؤاله ما لم يسأل إثمًا أو قطيعة رحم ، فإن سأل إثمًا فإنه لا يجاب ، لكن الغالب أن الولي لا يسأل الإثم ، لأن الولي هو المؤمن التقي والمؤمن التقي لا يسأل إثمًا ولا قطيعة
رحم .

(( ولئن استعاذني لأعيذنه )) ، يعني لئن اعتصم بي ولجأ إليَّ من شر كل ذي شر لأعيذنه فيحصل له بإعطائه مسؤوله وإعاذته مما يتعوذ منه المطلوب ويزول عنه المرغوب .

وفي هذا الحديث عدة فوائد:

إثبات الولاية لله عز وجل :

وولاية الله تعالى تنقسم على قسمين:

* ولاية عامة:

وهي السلطة على جميع العباد والتصرف فيهم بما أراد كل إنسان فإن الذي يتولى أموره وتدبيره وتصريفه هو الله عز وجل ، ومن ذلك قوله تبارك وتعالى : { حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ثم ردوا إلى الله
مولاهم الحق } ، فهذه ولاية عامة تشمل جميع الخلق .

أما الولاية الخاصة: مثل قوله تعالى: { والله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات } .

والولاية العامة تكون بغير سبب من الإنسان يتولى الله الإنسان شاء أم أبى وبغير سبب منه .

أما الولاية الخاصة فإنها تكون بسبب من الإنسان فهو الذي يتعرض لولاية الله حتى يكون الله وليًّا له { الذين آمنوا وكانوا يتقون } .

ومن فوائد هذا الحديث:

فضيلة أولياء الله وأن الله سبحانه وتعالى يعادي من عاداهم بل
يكون حربًا عليهم عز وجل .

ومن فوائد هذا الحديث:

أن الأعمال الواجبة من صلاة وصدقة وصوم وحج وجهاد وعلم وغير ذلك أفضل من الأعمال المستحبة ؛ لأن الله تعالى قال: (( ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضه عليه )) .

ومن فوائده:

إثبات المحنة لله عز وجل وأن الله تعالى يحب الأعمال بعضها أكثر من
بعض كما أنه يحب الأشخاص بعضهم أكثر من بعض ، فالله عز وجل يحبب العاملين بطاعته ويحب الطاعة ، وتتفاوت محبته سبحانه وتعالى على حسب ما تقتضيه حكمته .

ومن فوائد هذا الحديث أيضًا :

أن الإنسان إذا تقرب إلى الله بالنوافل مع القيام بالواجبات فإنه يكون بذلك معافًا في جميع أموره ، لقوله تعالى في هذا الحديث القدسي: (( وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه )) .. إلخ .

وفيه دليل أيضًا على أن

من أراد أن يحبه الله فالأمر سهل عليه إذا أسهله الله عليه ، يقوم بالواجبات ويكثر من التطوع بالعبادات ، فبذلك ينال محبة الله وينال ولاية الله .

ومن فوائد هذا الحديث:

إثبات عطاء الله عز وجل وإجابة دعوته لوليه لقوله: ( إن سألني أعطيته ولئن استعاذني لأعيذنه ) .

وأتى به المؤلف في ( باب المجاهدة ) لأن النفس تحتاج إلى جهاد في القيام بالواجبات ثم بفعل المستحبات ، نسأل الله أن يعيننا على
ذكره وشكره وحسن عبادته .

* * *

٩٧ – الثالث: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ )) رواه البخاري .

الشرح:

قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما رواه عن ابن عباس رضي الله عنهما إن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ ) ، يعني أن هذين الجنسين من النعم مغبون فيهما
كثير من الناس ، أي مغلوب فيهما وهما الصحة والفراغ ؛ وذلك أن الإنسانن إذا كان صحيحًا كان قادرًا على ما أمره الله به أن يفعله وكان قادرًا على ما نهاه الله عنه أن يتركه لأنه صحيح البدن منشرح الصدر مطمئن القلب .

كذلك الفراغ إذا كان عنده ما يؤويه وما يكفيه من مؤنة فهو متفرغ فإذا كان
الإنسان فارغًا صحيحًا فإنه يغبن كثيرًا في هذا ؛

لأن كثيرًا من أوقاتنا تضيع بلا فائدة ونحن في صحة وعافية وفراغ ومع ذلك تضيع علينا كثيرًا ، ولكننا لا نعرف هذا الغبن في الدنيا إنما يعرف الإنسان الغبن إذا حضره أجله وإذا كان يوم القيامة ، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (( حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحًا فيما تركت )) ، وقال عز وجل في سورة المنافقون: { من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين } ، قال الله عز وجل: { ولن يؤخر الله نفسًا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون } .

الواقع أن هذه الأوقات الكثيرة تذهب علينا
سدى لا ننتفع منها ولا تنفع أحدًا من عباد الله ولا نندم على هذا إلا إذا حضرر الأجل ، يتمنى الإنسان أن يعطى فرصة ولو دقيقة واحدة لأجل أن يستعتب ولكن لا يحصل ذلك ،

ثم إن الإنسان قد لا تفوته هذه النعمة بل قد لا تفوته هاتان النعمتان: الصحة والفراغ بالموت بل قد تفوته قبل أن يموت قد يمرض ويعجز عن القيام بما أوجب الله عليه ، قد يمرض ويكون ضيق الصدر لا ينشرح صدره ويتعب وقد
ينشغل بإيجاد النفقة له ولعياله حتى تفوته كثير من الطاعات ،

ولهذا ينبغي للإنسان العاقل أن ينتهز فرصة الصحة والفراغ بطاعة الله عز وجل بقدر ما يستطيع إن كان قارئًا للقرآن فليكثر قراءة القرآن ، وإن
كان لا يعرف القراءة يكثر من ذكر الله عز وجل ، وإذا كان لا يمكنه يأمرر بالمعروف وينهى عن المنكر أو يبذل لإخوانه كل ما يستطيع من معونة وإحسان فكل هذه خيرات كثيرة تذهب علينا سدى .

فالإنسان العاقل هو الذي ينتهز الفرص _ فرصة الصحة وفرصة الفراغ _ وفي هذا دليل على أن نعم الله تتفاوت وأن بعضها أكبر من بعض وأكبر نعمة ينعم الله تعالى بها على العبد نعمة الإسلام ،

نعمة الإسلام التي أضل الله عنها كثيرًا من الناس ، قال الله تعالى: { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم
الإسلام دينًا } ،  فإذا وجد الإنسان أن الله قد أنعم عليه بالإسلام وشرح اللهه صدره له فإن هذه أكبر النعم .

ثم ثانيًا: نعمة العقل ، فإن الإنسان إذا رأى مبتلي في عقله لا يحسن التصرف وربما يسيء إلى نفسه وإلى أهله حمد الله على هذه النعمة فإنها نعمة عظيمة .

ثالثًا: نعمة الأمن في الأوطان فإنها من أكبر النعم ، 

ونضرب لكم مثلًا بما سبق عن آبائنا وأجدادنا من المخاوف العظيمة في هذه البلاد حتى أننا نسمع أنهم كانوا إذا خرج الواحد منهم إلى صلاة الفجر لا يخرج وإلا مصطحبًا سلاحه ؛ لأنه يخشى أن يعتدي عليه أحد .

فنعمة الأمن لا يشابهها نعمة غير الإسلام والعقل .

رابعًا: كذلك مما أنعم الله به علينا _ ولا سيما في هذه
البلاد _ رغد العيش يأتينا من كل مكان ، فنحن في خير عظيم ولله الحمدد البيوت مليئة من الأرزاق والسماطات ، يجعل فيها من الأرزاق للواحد ما يكفي اثنين أو ثلاثة أو أكثر، هذه أيضًا من النعم فعلينا أن نشكر الله سبحانه وتعالى على هذه النعم العظيمة، وأن نقوم بطاعة الله حتى يمن علينا بزيادة النعم، لأن الله تعالى يقول: { وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد } .

***

٩٨ – الرابع: عن عائشة رضي الله عنها : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال: أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا ؟ متفق عليه .
هذا لفظ البخاري، ونحوه في الصحيحين من رواية المغيرة بن شعبة .

الشرح:

ثم ذكر المؤلف – رحمه الله تعالى – ما نقله عن عائشة رضي الله عنها في باب المجاهدة ، وقد سبق لنا أن من جملة المجاهدة مجاهدة الإنسان نفسه، وحمله إياها على عبادة الله والصبر على ذلك .

ذكر المؤلف – رحمه الله – عن عائشة رضي الله عنها: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت: يا رسول الله، لم تصنع ذلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟
فقال: أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا . )

فعائشة رضي الله عنها من أعلم الناس بحال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يصنعه في السر، أي في بيته، وكذلك نساؤه رضي الله عنهن هن أعلم الناس بما يصنعه في بيته .

ولهذا كان كبار الصحابة يبعثون إلى نساء النبي صلى الله عليه وسلم يسألونهن عما كان يصنع في بيته،
فكان صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل يعني في الصلاة تهجدًا،

وقد قال الله تعالى في سورة المزمل: (( إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك )) ، فكان يقوم عليه الصلاة والسلام أحيانًا أكثر الليل، وأحيانًا نصف الليل، وأحيانًا ثلث الليل ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام يعطي نفسه حقها من الراحة مع القيام التام بعبادة ربه صلوات الله وسلامه عليه،

فكان يقوم أدنى من ثلثي الليل، يعني فوق النصف ودون الثلثين، ونصفه وثلثه، حسب نشاطه عليه الصلاة والسلام، وكان يقوم حتى تتورم قدماه وتتفطر من طول القيام: أي يتحجر الدم فيها وتنشق .

وقد قام معه شباب من الصحابة رضي الله عنهم ولكنهم تعبوا، فابن مسعود رضي الله عنه يقول: ” صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقام طويلًا حتى هممت بأمر سوء، قالوا: بماذا هممت يا أبا عبد الرحمن ؟ قال: هممت أن أقعد وأدعه، أي يجلس لعجزه عن أن يصبر كما صبر النبي صلى الله عليه وسلم،

وحذيفة بن اليمان رضي الله عنه قام معه ذات ليلة فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم البقرة والنساء وآل عمران، الجميع خمسة أجزاء وربع تقريبًا، ويقول حذيفة: كلما أتت رحمة سأل، وكلما أتت آية تسبيح سبح، وكلما أتت آية وعيد تعوذ، وهو معروف عليه الصلاة والسلام أنه يرتل القراءة خمسة أجزاء وربع مع السؤال عند آيات الرحمة، والتعوذ عند آيات الوعيد، والتسبيح عند آيات التسبيح .

فماذا يكون القيام ؟ يكون طويلًا،

وهكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ في الليل، إذا أطال القراءة أطال الركوع والسجود أيضًا، فكان يطيل القراءة والركوع والسجود .

فإذا كان يقوم عليه الصلاة والسلام مثلًا في ليلة الشتاء وهي اثنتي عشرة ساعة، يقوم أدنى من ثلثي الليل ، فلنقل إنه صلى الله عليه وسلم يقوم سبع ساعات تقريبًا وهو يصلي عليه الصلاة والسلام في الليل الطويل، تصور ماذا يكون حاله عليه الصلاة والسلام ؟

ومع هذا فقد صبر نفسه وجاهد نفسه، وقال:
أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا .

وفي هذا: دليل على أن الشكر هو القيام بطاعة الله، وأن الإنسان كلما ازداد في طاعة ربه عز وجل فقد ازداد شكرًا لله عز وجل،

وليس الشكر بأن يقول الإنسان بلسانه أشكر الله، أحمد الله، فهذا شكر باللسان، لكن الكلام هنا على الشكر الفعلي الذي يكون بالفعل بأن يقوم الإنسان بطاعة الله بقدر ما يستطيع .

وفي هذا دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، كل ما تقدم من ذنبه قد غفر الله له، وكل ما تأخر قد غفر الله له، وقد خرج من الدنيا صلوات الله وسلامه عليه سالمًا من كل ذنب لأنه مغفور له .

وقد يخص الله أقوامًا فيغفر لهم ذنوبهم بأعمال صالحة قاموا بها مثل أهل بدر .

فأهل بدر كانوا ثلاث مائة وبضع عشر رجلًا، منهم حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر في قصة مشهورة: أما علمت أن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم،

وهذا من خصائص أهل بدر أن الله غفر لهم ما يفعلون من الذنوب .

وإلا فإن حاطبًا رضي الله عنه فعل ذنبًا عظيمًا، وذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما أراد أن يغزو قريشًا حين نقضت العهد الذي بينه وبينهم في صلح الحديبية، أرسل حاطب رضي الله عنه رسالة خطية إلى أهل مكة يخبرهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قادم عليهم، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك عن طريق الوحي، فأرسل علي بن أبي طالب ورجلًا معه في إثر المرأة فأدركوها في روضة خاخ –روضة معروفة في طريق مكة – فلما أدركوها أوقفوها وقالوا لها: أخرجي الكتاب الذي معك لأهل
مكة، قالت: ما معي كتاب .
قالوا: لابد أن تخرجي الكتاب الذي معك، فإما أن تخرجيه وإما أن نفتشكك حتى ما تحت الثياب، فلما عرفت عزيمتهم أخرجت الكتاب من خفها، فإذا فيه خطاب من حاطب رضي الله عنه إلى أهل مكة يخبرهم، فرجعوا به إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فاستأذن عمر رضي الله عنه – وكان من أقوى
الناس في دين الله – النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتل حاطبًا، قال: إن الرجل نافق، كتب بأسرارنا إلى أعدائنا، قال: أما علمت أن الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، وكان منهم رضي الله عنه، وإلا فهذه جريمة كبيرة .

ولهذا يجب على ولي الأمر إذا أدرك جاسوسًا يكتب إلى أعدائنا بأخبارنا أن يقتله ولو كان مسلمًا، لأنه عاث في الأرض فسادًا، فقتل الجاسوس ولو كان مسلمًا على ولي الأمر لعظم فساده،

ولكن هذا منع منه مانع وهو أنه كان من أهل بدر، ولهذا لم يقل النبي عليه الصلاة والسلام: أما علمت أنه مسلم ؟ بل قال: أما علمت أن الله اطلع على أهل بدر .
ففي هذا: دليل على أن من خصائص الرسول عليه الصلاة والسلام أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر،

وهذا قد يقع كما قلت لبعض الصحابة كأهل بدر، قال بعض العلماء: واعلم أن من خصائص الرسول عليه الصلاة والسلام أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر،

وبناء عليه فكل حديث يأتي من فعل كذا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فإنه حديث ضعيف ؛ لأن هذا من خصائص الرسل، أما غفر له ما تقدم من ذنبه فهذا كثير، لكن ما تأخر هذا ليس إلا للرسول صلى الله عليه وسلم
فقط، وهو من خصائصه،

وهذه قاعدة عامة نافعة لطالب العلم أنه إذا أتاك حديث فيه أن من فعل كذا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فاعلم أن قوله ما تأخر ضعيف لا يصح ؛ لأن هذا من خصائص محمد صلوات الله وسلامه عليه .

وفي هذا: دليل أيضًا على فضيلة قيام الليل وطول القيام،

وقد أثنى الله على من يقومون الليل ويطيلون فقال عز وجل: { تتجافى جنوبهم عن المضاجع }، يعني: تبتعد عن الفرش، { يدعون ربهم خوفًا وطمعًا } ، { خوفًا } أي إذا نظروا إلى ذنوبهم خافوا . { وطمعًا } أي إذا نظروا إلى فضل الله طمعوا في فضله، { ومما رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون } ،

أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم .

وتتجافى جنوبهم عن المضاجع ليس بالسهر على التليفزيون، أو على لعب الورق، أو على أعراض الناس، أو ما أشبهه ذلك، ولكنهم يدعون الله، يعبدونه عز وجل خوفًا وطمعًا { ومما رزقناهم ينفقون } ، { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون } ، أين هذا الذي أخفى لهم ؟

جاء في الحديث القدسي ما يبين ذلك حيث قال الله عز وجل: (( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر )) ،

جعلني الله وإياكم من ساكني هذه الجنان ، إنه جواد كريم .
***

٩٩ – الخامس: عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر ))

متفق عليه .

والمراد: العشر الأواخر من شهر رمضان:

والمئزر: الإزار وهو كناية عن اعتزال النساء، وقيل: المراد تشميره للعبادة .

يقال: شددت لهذا الأمر مئزري، أي: تشمرت وتفرغت له .

الشرح:

قال المؤلف – رحمه الله – تعالى فيما نقله عن أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها في حال رسول الله صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر من رمضان، إنه إذا دخل العشر شد المئزر، وأحيا ليله، وجد في العبادة، وشمر عليه الصلاة والسلام .

وقد سبق في الحديث السابق أنه صلى الله عليه وسلم كان يقوم في الليل حتى تتفطر قدماه، وأنه يقوم من الليل أكثر من النصف أو النصف أو الثلث، أما في ليالي العشر من رمضان فإنه كان يقوم الليل كله، أي يحيي ليله كله عليه الصلاة والسلام بالعبادة، لكن بالفطور بعد غروب الشمس، والعشاء وصلاة العشاء، والأشياء التي يرى عليه الصلاة والسلام أنها قربى إلى الله عز وجل، وليس معناه أن كل الليل في صلاة، بدليل أن صفية بنت حيي بن أخطب كانت تأتي إليه عليه الصلاة والسلام فيحدثها بعد
صلاة العشاء، ولكن كل ما كان يفعله عليه الصلاة والسلام في تلك الليالي فإنه قربى إلى الله عز وجل، إما صلاة أو تهيُّؤ لصلاة أو غير ذلك .

وفي هذا: دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحيي العشر الأواخر من رمضان كلها، ولكنه لا يحيي ليلة سواها أي أنه لم يقم ليلة حتى الصباح إلا في العشرر الأواخر من رمضان، وذلك تحريًا لليلة القدر، وهي ليلة تكون في العشر الأواخر من رمضان، ولاسيما في السبع الأواخر منه، فهذه الليلة يقدر الله سبحانه وتعالى فيها ما يكون في تلك السنة، وهي كما قال الله تعالى: ((خير من ألف شهر ))، فكان يحييها ، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه .

ثم ذكر المؤلف رحمه الله معنى قوله: (شد المئزر) ، فمنهم من قال: إنه كناية عن ترك النساء لأنه يكون معتكفًا، والمعتكف لا يباح له النساء، كما قال تعالى: { ولا تباشروهن وأنتم عاكفونن في المساجد }، ومنهم من
قال: بل هو كناية عن الجد والتشمير في العمل، وكلا الأمرين صحيح، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام كان لا يأتي أهله في العشر الأواخر من رمضان لأنه معتكف، وكان أيضًا يشد المئزر ويجتهد ويشمر صلوات الله وسلامه عليه، وهذا من أنواع المجاهدة، فالإنسان يجب أن يجاهد نفسه في الأوقات الفاضلة حتى يستوعبها في طاعة الله .

* * *

١٠٠ – السادس: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير .
احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز .
وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان ) رواه مسلم .

الشرح:

قال المؤلف – رحمه الله تعالى – فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف .

المؤمن القوي: يعني في إيمانه وليس المراد القوي في بدنه، لأن قوة البدن ضررًا على الإنسان إذا استعمل هذه القوة في معصية الله، فقوة البدن ليست محمودة ولا مذمومة في ذاتها، إن كان الإنسان استعمل هذه
القوة فيما ينفع في الدنيا والآخرة صارت محمودة، وإن استعان بهذه القوة على معصية الله صارت مذمومة .
لكن القوة في قوله صلى الله عليه وسلم المؤمن القوي أي قوي الإيمان، ولأن كلمة القوي تعود إلى الوصف السابق وهو الإيمان، كما تقول الرجل القوي: أي في رجولته،

كذلك المؤمن القوي يعني في إيمانه، لأن المؤمن القوي في إيمانه تحمله قوة إيمانه على أن يقوم بما أوجب الله عليه، وعلى أن يزيد من
النوافل ما شاء الله، والضعيف الإيمان يكون إيمانه ضعيفًا لا يحمله على فعل الواجبات وترك المحرمات فيقصر كثيرًا .

وقوله: خير يعني خير من المؤمن الضعيف، وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف،

ثم قال عليه الصلاة والسلام: وفي كل خير يعني المؤمن القوي، والمؤمن الضعيف كل منهما فيه خير، وإنما قال وفي كل خير لئلا يتوهم أحد من الناس أن المؤمن الضعيف لا خير فيه، بل المؤمنن الضعيف فيه خير، فهو خير من الكافر لاشك .

وهذا الأسلوب يسميه البلاغيون الاحتراز، وهو أن تكلم الإنسان كلامًا يوهم معنى لا يقصده، فيأتي بجملة تبين أنه يقصد المعنى المعين،

ومثال ذلك في القرآن قوله تباركك وتعالى: (( لا يستوي منكم من أنفق
من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلًا وعد الله الحسنى)) لما كان قوله: { أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا } وهم أن الآخرين ليس لهم حظ من هذا، قال: { كلًا وعد الله الحسنى } .

ومن ذلك قوله تعالى: { وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيهه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان }، لما كان هذا يوهم أن داود عنده نقص، قال تعالى: { وكلًا آتينا حكمًا وعلمًا } .

ومن ذلك قوله تعالى: { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلًا وعد الله الحسنى } .

فهنا قال النبي صلى الله عليه وسلم: وفي كل خير أي المؤمن القوي والمؤمن الضعيف، لكن القوي خير وأحب إلى الله.

ثم قال عليه الصلاة والسلام احرص على ما ينفعك هذه وصية من الرسول عليه الصلاة والسلام إلى أمته، وهي وصية جامعة مانعة ،

احرص على ما ينفعك يعني اجتهد في تحصيله ومباشرته،
وضد الذي ينفع الذي فيه ضرر، وما لا نفع فيه ولا ضرر، وذلك لأن الأفعال تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
قسم ينفع الإنسان، وقسم يضره، وقسم لا ينفع ولا يضر .
فالإنسان العاقل الذي يقبل وصية النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يحرص على ما ينفعه، وما أكثر
الذين يضيعون أوقاتهم اليوم في غير فائدة، بل في مضرة على أنفسهم وعلى دينهم،

وعلى هذا فيجدر بنا أن نقول لمثل هؤلاء: إنكم لم تعملوا بوصية النبي صلى الله عليه وسلم، إما جهلًا منكم وإما تهاونًا،

لكن المؤمن العاقل الحازم هو الذي يقبل هذه النصيحة، ويحرص على ما ينفعهه في دينه ودنياه .

وهذا الحديث عظيم ينبغي للإنسان أن يجعله نبراسًا له في عمله الديني والدنيوي، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: احرص على ما ينفعك ، وهذه الكلمة جامعة عامة على ما ينفعك أي على كل شيء
ينفعك سواء في الدين أو في الدنيا، فإذا تعارضت منفعة الدين ومنفعة الدنيا، فإنها تقدم منفعة الدين لأن الدين إذا صلح صلحت الدنيا، أما الدنيا إذا صلحت مع فساد الدين فإنها تفسد .

فقوله على ما ينفعك يشمل منافع الدين والدنيا وعند التعارض تقدم منافع الدين على منافع الدنيا، وفي قوله احرص على ما ينفعك إشارة على أنه إذا تعارض منفعتان إحداهما أعلى من الأخرى، فإننا نقدم المنفعة العليا ؛ لأن المنفعة العليا فيها المنفعة التي دونها وزيادة، فتدخل في قوله احرص على ما ينفعك .
فإذا اجتمع صلة أخ وصلة عمَّ كلاهما سواء في الحاجة، وأنت لا يمكنك أن تصل الرجلين جميعًا، فهنا تقدم صلة الأخ لأنها أفضل وأنفع، وكذلك أيضًا بين مسجدين كلاهما في البعد سواء لكن أحدهما أكثر جماعة فإننا نقدم الأكثر جماعة لأنه الأفضل، فقوله على ما ينفعك يشير إلى أنه إذا اجتمعت منفعتان إحداهما أعلى من الأخرى فإنها تقدم الأعلى .

وبالعكس إذا كان الإنسان لابد أن يرتكب منهيًّا عنه من أمرين منهي عنهما وكان أحدهما أشد، فإنه يرتكب الأخف،

فالمنهي يقدم الأخف منها، والأوامر يقدم الأعلى منها .

وقوله عليه الصلاة والسلام: (واستعن بالله) ، ما أروع هذه الكلمة بعد قوله احرص على ما ينفعك لأن الإنسان إذا كان عاقلًا ذكيًّا فإنه يتتبع المنافع ويأخذ بالأنفع، وربما تغره نفسه حتى يعتمد على نفسه وينسى الاستعانة بالله،

وهذا يقع لكثير من الناس، حيث يعجب بنفسه ولا يذكر الله عز وجل ويستعين به ، فإذا رأى من نفسه قوة على الأعمال وحرصًا على النافع وفعلًا له، أعجب بنفسه ونسى الاستعانة بالله،

ولهذا قال: احرص على ما ينفعك واستعن بالله أي لا تنس الاستعانة بالله ولو على الشيء اليسير .

وفي الحديث: ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأل شعث نعله إذا انقطع يعني حتى الشيء اليسير لا تنس الله، حتى ولو أردت أن تتوضأ أو تصلي أو تذهب يمينًا أو شمالًا أو تضع شيئًا فاستحضر أنك مستعين بالله عز وجل، وأنه لولا عون الله ما حصل لك هذا الشيء .

ثم قال: (ولا تعجز) يعني استمر في العمل ولا تعجز وتتأخر، وتقول: إن المدى طويل والشغل كثير، فما دمت قد صممت في أول الأمر أن هذا هو الأنفع لك واستعنت بالله وشرعت فيه فلا تعجز .

وهذا الحديث في الحقيقة يحتاج إلى مجلدات يتكلم عليه فيها الإنسان، لأن له من الصور والمسائل ما لا يحصى .
منها مثلًا: طالب العلم الذي يشرع في كتاب يرى أنه منفعة وفيه مصلحة له، ثم بعد أسبوع أو شهر يمل، وينتقل إلى كتاب آخر، هذا نقول استعان بالله وحرص على ما نفعه ولكنه عجز، كيف عجز ؟
بكونه لم يستمر، لأن معنى قوله لا تعجز أي لا تترك العمل، بل مادمت دخلت فيه على أنه نافع فاستمر فيه .
ولذا تجد هذا الرجل مضى عليه الوقت ولم يحصل شيئًا، لأنه أحيانًا يقرأ في هذا وأحيانًا في هذا .
حتى في المسألة الجزئية تجد بعض طلبة العلم مثلًا أن يراجع مسألة من المسائل في كتاب، ثم يتصفح الكتاب يبحث عن هذه المسألة، فيعرض له أثناء تصفح الكتاب مسألة أخرى يقف عندها، ثم مسألة ثانية فيقف عندها، ثم ثالثة فيقف، ثم يضيع الأصل الذي فتح الكتاب من أجله فيضيع عليه الوقت،
وهذا ما يقع كثيرًا في مثل فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – وهذا ليس بصحيح بل الصحيح أن تنظر الأصل الذي فتحت الكتاب من أجله .

كذلك أيضًا في تراجم الصحابة في الإصابة مثلًا لابن حجر – رحمه الله — حين يبحث الطالب عن ترجمة صحابي من الصحابة، ثم يفتح الكتاب من أجل أن يصل إلى ترجمته، فتعرض له ترجمة صحابي آخر فيقف عندها ويقرأها، ثم يفتح الكتاب يجد صحابي آخر، ثم هكذا يضيع عليه الوقت ولا يحصل الترجمة التي من أجلها فتح عليها الكتاب، وهذا فيه ضياع للوقت .

ولهذا كان من هدي الرسول عليه الصلاة والسلام أن يبدأ بالأهم الذي تحرك من أجله، ولذلك لما دعا عتبان بن مالك الرسول صلى الله عليه وسلم وقال له: أريد أن تأتي لتصلي في بيتي لأتخذ من المكان الذي صليت فيه مصلى لي فخرج النبي عليه الصلاة والسلام ومعه نفر من أصحابه، فلما وصلوا إلى
بيت عتبان واستأذنوا ودخلوا، وإذا عتبان قد صنع لهم طعامًا، ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يبدأ بالطعام، بل قال: أين المكان الذي تريد أن نصلي فيه ؟ فأراه إياه، فصلى ثم جلس للطعام .

فهذا دليل على أن الإنسان يبدأ بالأهم، وبالذي تحرك من أجله من أجل ألا يضيع عمله سدى .

فقول الرسول صلى الله عليه وسلم لا تعجز أي لا تكسل وتتأخر في العمل إذا شرعت فيه، بل استمر لأنك إذا تركت ثم شرعت في عمل آخر، ثم تركت ثم شرعت ثم تركت، ما تم لك عمل .

ثم قال عليه الصلاة والسلام: فإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا وكذا يعني بعد أن تحرص وتبذل الجهد وتستعين بالله وتستمر، ثم يخرج الأمر على خلاف ما تريد فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا، لأن هذا أمر فوق إرادتك، أنت فعلت الذي تؤمر به ولكن الله عز وجل غالب على أمره { والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون }

ونضرب مثالًا لذلك : إذا سافر رجل يريد العمرة ولكنه في أثناء الطريق تعطلت السيارة، ثم رجع فقال: لو أني أخذت السيارة الأخرى لكان أحسن ولما حصل علي التعطل.

نقول لا تقل هكذا لأنك أنت بذلت الجهد، ولو كان الله عز وجل أراد أن تبلغ
العمرة ليسر لك الأمر، ولكن الله لم يرد ذلك .
فالإنسان إذا بذل ما يستطيع بذله وأخلفت الأمور فحينئذ يفوض الأمر إلى الله لأنه فعل ما يقدر عليه،
ولهذا قال: إن أصابك شيء يعني بعد بذل الجهد والاستعانة بالله عز وجل فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا وكذا ،

وجزى الله عنا نبينا خير الجزاء فقد بين الحكمة من ذلك، حيث قال: فإن لو تفتح عمل الشيطان أي تفتح عليك الوساوس والأحزان والندم والهموم، حتى تقول: لو أني فعلت لكان كذا، فلا تقل هكذا، والأمر انتهى ولا يمكن أن يتغير عما وقع، وهذا أمر مكتوب في اللوح المحفوظ قبل أن تخلق
السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وسيكون على هذا الوضع مهما عملت .
ولهذا قال: (ولكن قل: قدر الله) أي هذا قدر الله أي تقدير الله وقضاؤه، وما شاء الله عز وجل فعله { إن ربك فعال لما يريد }، لا أحد يمنعه في ملكه ما يشاء، ما شاء فعل عز وجل .

ولكن يجب أن نعلم أنه سبحانه وتعالى لا يفعل شيئًا إلا لحكمة خفيت علينا أو ظهرت لنا، والدليل على هذا قوله تعالى: { وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليمًا حكيمًا } .
فبين أن مشيئته مقرونة بالحكمة والعلم، وكم من شيء كره الإنسان وقوعه فصار في العاقبة خيرًا له، كما قال تعالى: { وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم } ،

ولقد جرت حوادث كثيرة تدل على هذه الآية،

من ذلك قبل عدة سنوات أقلعت طائرة من الرياض متجهة إلى جدة وفيها ركاب كثيرون يزيدون عن ثلاثمائة راكب، وكان أحد الركاب الذين سجلوا في هذه الطائرة في قاعة الانتظار حتى نام، وأعلن
عن إقلاع الطائرة، وذهب الركاب وركبوا، فإذا بالرجل يستيقظ بعد أن أغلق الباب، فندم ندامة شديدة، كيف فاتته الطائرة ؟ ثم إن الله قدر بحكمته أن تحترق الطائرةة وركابها، فسبحان الله كيف نجا هذا الرجل ؟ كره أنه فاتته الطائرة، ولكن كان ذلك خيرًا له .

فأنت إذا بذلت الجهد واستعنت بالله، وصار الأمر على خلاف ما تريد لا تندم، ولا تقل لو أني فعلت لكان كذا، إذا قلت هذا انفتح عليك من الوساوس والندم والأحزان ما يكدر عليك الصفو، فقد انتهى الأمر وراح، وعليك أن تسلم الأمر للجبار عز وجل، قل: قدر الله وما شاء فعل .

والله لو أننا سرنا على هدي هذا الحديث لاسترحنا كثيرًا، لكن تجد الإنسان أولًا: لا يحرص على ما ينفعه بل تمضي أوقاته ليلًا ونهارًا بدون فائدة، تضيع عليه سدى .
ثانيًا: إذا قدر أنه اجتهد في أمر ينفعه ثم فات الأمر ولم يكن على ما توقع تجده يندم، ويقول ليتني ما فعلت كذا، ولو أني فعلت كذا لكان كذا، وهذا ليس بصحيح فأنت أد ما عليك ثم بعد هذا فوض الأمر لله عز وجل .
فإذا قال قائل كيف احتج بالقدر ؟ كيف أقول قدر الله وما شاء فعل ؟ والجواب نقول: نعم هذا احتجاج بالقدر ولكن الاحتجاج بالقدر في موضعه لا بأس به، ولهذا قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: { اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين ولو شاء الله ما أشركوا }، فبين له
أن شركهم بمشيئته والاحتجاج بالقدر على الاستمرار في المعصية هذا حرام لا يجوز، لأن الله قال: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا }

لكن الاحتجاج بالقدر في موضعه هذا لا بأس به،، فإن النبي عليه الصلاة
والسلام دخل ذات ليلة على علي بن أبي طالب وفاطمة بنت محمد عليه الصلاة والسلام فوجدهما نائمين، فقال لهما: ما منعكما أن تقوما ؟ يعني: تقومان تتهجدان، فقال علي: يا رسول الله إن أنفسنا بيد الله لو شاء أن نقوم لقمنا، فخرج النبي عليه الصلاة والسلام وهو يضرب على فخذيه ويقول: {وكان الإنسان أكثر شيء جدلًا } هذا جدال لكن احتجاج علي بن أبي طالب في محله، لأن النائم ليس عليه حرج فهو ما ترك وهو مستيقظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رفع القلم عن ثلاثة، ولا يبعد أن الرسول عليه الصلاة والسلام أراد أن يختبر علي بن أبي طالب: ماذا يقول في الجواب وسواء كان ذلك أم لم يكن .
فاحتجاج علي بالقدر هنا حجة، وذلك لأنه أمر ليس باختياره: هل النائم يستطيع أن يستيقظ إذا لم يوقظه الله ؟
لا، إذن هو حجة .
فالاحتجاج بالقدر إذا أراد الإنسان أن يستمر على المعصية ليدفع اللوم عن نفسه، نقول مثلًا: يا فلان صل مع الجماعة، تقول والله لو هداني الله لصليت، فهذا ليس بصحيح، يقال لآخر أقلع عن حلق اللحية، يقول: لو هداني الله أقلعت، وأقلع عن الدخان يقول: لو هداني الله لأقلعت، فهذا ليس
بصحيح، لأن هذا يحتج بالقدر ليستمر في المعصية والمخالفة لكن إن وقع الإنسان في خطأ وتاب إلى الله، وأناب إلى الله، وندم، وقال: إن هذا الشيء مقدر علي، ولكن أستغفر الله وأتوب إليه، نقول: هذا
صحيح، إن تاب واحتج بالقدر فليس هناك مانع .
* * *

١٠١ – السابع: عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره )) متفق عليه .

وفي رواية لمسلم: (( حفت بدل حجبت وهو بمعناه: أي بينه وبينها هذا الحجاب، فإذا فعله دخلها .

الشرح:

قال المؤلف – رحمه الله تعالى – فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حفت النار بالشهوات – وفي لفظه: حجبت – وحفت الجنة بالمكاره – وفي لفظ حجبت الجنة بالمكاره يعني: أحيطت بها، فالنار قد أحيطت بالشهوات والجنة قد أحيطت بالمكاره،

والشهوات هي ما تميل إليه النفس من غير تعقل ولا تبصر ولا مراعاة لدين ولا مراعاة لمروءة .
فالزنى والعياذ بالله شهوة الفرج، تميل إليها النفس كثيرًا، فإذا هتك الإنسان هذا الحجاب، فإنه سيكون سببًا لدخوله النار .

وكذلك شرب الخمر تهواه النفس وتميل إليه، ولهذا جعل الشارع له عقوبة رادعة بالجلد، فإذا هتك الإنسان هذا الحجاب وشرب الخمر أداه ذلك إلى النار والعياذ بالله .
وكذلك حب المال شهوة من شهوات النفس، فإذا سرق الإنسان بدافع شهوة حب جمع المال، فلرغبة أن يستولي على المال الذي ترغبه نفسه، فإذا سرق فقد هتك هذا الحجاب فيصل إلى النار والعياذ بالله .
ومن ذلك الغش من أجل أن يزيد ثمن السلعة، هذا تهواه النفس فيفعله الإنسان فيهتك الحجاب الذي بينه وبين النار فيدخل النار .
الاستطالة على الناس والعلو عليهم والترفع عليهم، كل إنسان يحب هذا وتهواه النفس فإذا فعله الإنسان فقد هتك الحجاب الذي بينه وبين النار فيصل إلى النار والعياذ بالله .

ولكن ما دواء هذه الشهوة التي تميل إليها النفس الأمارة بالسوء ؟

دواؤها ما بعدها قال وحفت الجنة بالمكاره – أو حجبت بالمكاره – يعني: أحيطت بما تكره النفوس، لأن الباطل محبوب للنفس الأمارة بالسوء، والحق مكروه لها، فإذا تجاوز الإنسان هذا المكروه وأكره نفسه الأمارة بالسوء على فعل الواجبات وعلى ترك المحرمات، فحينئذ يصل إلى الجنة .

ولهذا تجد الإنسان يستثقل الصلوات مثلًا، ولاسيما في أيام الشتاء وأيام البرد، ولاسيما إذا كان في الإنسان نوم كثير بعد تعب وجهد، فتجد الصلاة ثقيلة عليه ويكره أن يقوم يصلي ويترك الفراش اللين الدافئ، ولكن إن هو كسر هذا الحاجب وقام بهذا المكروه وصل إلى الجنة .
وكذلك النفس الأمارة بالسوء تدعو صاحبها إلى الزنى، والزنى شهوة وتحبه النفس الأمارة بالسوء، لكن إذا عقلها صاحبها وأكرهها على تجنب هذه الشهوة فهذا كره له، ولكن هو الذي يوصله إلى الجنة، لأن
الجنة حفت بالمكاره .
وأيضًا: الجهاد في سبيل الله مكروه إلى النفس: (كتب عليكم القتال وهو كرهه لكم وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون)، مكروه للنفس فإذا كره الإنسان هذا الحجاب كان ذلك سببًا لدخول الجنة، واستمع إلى قول الله تعالى: { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا
يضيع أجر المؤمنين }، فإذا كسر الإنسان هذا المكروه وصل إلى الجنة .
كذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شديد على النفوس شاق عليها، وكل إنسان يتهاون فيه، ويكرهه، يقول: ما علي بالناس، أتعب نفسي معهم وأتعبهم معي ؟ ولكنه إذا كسر هذا المكروه وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر فإن هذا سبب لدخول الجنة، وهلم جرًّا، كل الأشياء التي أمر الله بها مكروهة للنفوس لكن أكره نفسك عليها حتى تدخل الجنة .
فاجتناب المحرمات مكروه إلى النفوس وشديد عليها، لاسيما مع قوة الداعي، فإذا أكرهت نفسك على ترك هذه المحرمات فهذا من أسباب دخول الجنة، فلو أن رجلًا شابًّا أعزب في بلاد كفر وحرية، فيها الإنسان ما شاء، وأمامه من النساء الجميلات فتيات شابات وهو شاب أعزب فلا شك أنه سيعاني مشقة عظيمة في ترك الزنى، لأنه متيسر له، وأسبابه كثيرة، لكن إذا أكره نفسه على تركها صار هذا سببًا لدخول الجنة .

واستمع إلى قول النبي عليه الصلاة والسلام سبعة يظلهم الله في ظله يومم لا ظل إلا ظله أي يوم القيامة حيث تدنو الشمس الحارة العظيمة، التي نحس بحرارتها الآن وبيننا وبينها آلاف السنين، هذه الشمس تدنو يوم القيامة حتى تكون على رءوس الخلائق بمقدار ميل، قال بعض العلماء: الميل: المكحلة، والمكحلة صغيرة أصغر من الإصبع، وقال بعضهم: ميل المسافة، وأيًّا كان الميل، فالشمس قريبة من الرءوس، لكن هناك أناس يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله .
أسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن يظله الله .

يظلهم الله: يعني يخلق لهم ما يظلهم يوم لا ظل إلا ظله، وليس في ذلك اليوم بناء ولا شجر ولا جبال تظلل وليس هناك إلا ظل رب العالمين، هذا الظل يظل الله فيه من شاء من عباده، ومنهم هؤلاء السبعة الذين ذكرهم الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله .
إمام عادل: وليس المقصود بالإمام العادل أنه يحكم لأقاربه وغيرهم على حدد سواء، فهذا من معنى العدل، لكن الإمام العادل الذي يطبق شريعة الله في كل شيء، في الحكم في الناس وفي الحكم بين الناس،
هذا هو الإمام العادل .
ولو فرضنا إمام عادل يعدل بين الناس في الحكم لكن لا يطبق فيهم شرع الله فليس بعادل،

العادل الذي يحكم بين الناس وفي الناس بحكم الله عز وجل .
وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه،

ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال وهذا هو الشاهد، فالمرأة ذات منصب يعني شريفة ليست دنيئة، وذات جمال، والجمال يدعو النفس إلى التطلع إلى المرأة .
فقال إني أخاف الله، فالرجل شاب، وفيه شهوة، وأسباب الزنى قائمة والموانع معدومة، ولكن هناك مانع واحد وهو خوف الله عز وجل، فقال: إني أخاف الله، فكان هذا من الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله .

والسادس: رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه من شدة إخلاصه .

والسابع: رجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، أي فاضت عيناه شوقًا إلى ربه عز وجل، وفاضت عيناه خوفًا من ربه، وكان خاليًا ليس عنده أحد، خالي القلب من الدنيا فليس فيه هواجس، بل خالي إلا من ذكر الله، فذكر الله هذه الخلوة القلبية والخلوة المكانية ففاضت عيناه، فكان هذا ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله .

والمهم أن النار حجبت بالشهوات، والجنة حجبت بالمكاره، فجاهد نفسك على ما يحب الله وإن كرهت، واعلم علم إنسان مجرب أنك إذا أكرهت نفسك على طاعة الله أحببت الطاعة وألفتها، وصرت بعد ما كنت تكرهها تأبى نفسك إذا أردت أن تتخلف عنها .
ونحن نجد بعض الناس يكره أن يصلي مع الجماعة، ويثقل عليه ذلك عندما يبدأ في فعله، لكن إذا به بعد فترة تكون الصلاة مع الجماعة قرة عين، ولو تأمره ألا يصلي لا يطيعك، فأنت عود نفسك وأكرهها أول الأمر، وستلين لك فيما بعد وتنقاد.

أسأل الله أن يعينني وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته .

* * *

١٠٢ – الثامن: عن أبي عبد الله حذيفة بن اليمان، رضي الله عنهما، قال: (( صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت يركع عند المائة، ثم مضى فقلتت يصلي بها في ركعة، فمضى فقلت يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها يقرأ مترسلًا إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم فكان ركوعه نحوًا من قيامه ثم قال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد ثم قام قيامًا طويلًا قريبًا مما ركع، ثم سجد فقال:
سبحان ربي الأعلى فكان سجوده قريبًا من قيامه )) رواه مسلم .

الشرح:

قال المؤلف – رحمه الله تعالى – فيما نقله عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة – يعني: في ليلة من الليالي، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أحيانًا يصلي معه بعض أصحابه، فمرة صلى معه حذيفة، ومرة صلى معه ابن مسعود رضي الله عنه، ومرة صلى معه ابن عباس رضي الله عنه، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يصلي في الليل وحده، لأن صلاة الليل لا تشرع فيها الجماعة إلا في رمضان، لكن لا بأس أن تقام الجماعة فيها أحيانًا كما في هذا الحديث،

يقول: فافتتح سورة البقرة فقلت يركع عند المائة فقرأ السورة كاملة، فظن أنه يركع بها أي أنه إذا أكمل سورة البقرة ركع، ولكنه مضى صلى الله عليه وسلم فقرأ سورة النساء كاملة ، فقال حذيفة يركع بها، ولكنه مضى فقرأ سورة آل عمرن كاملة في ركعة واحدة، يقرأ مترسلًا غير مستعجل،، إذا مر بآية تسبيح سبح، وإذا مر بآية سؤال سأل، وإذا مر بآية تعوذ تعوذ .
فجمع عليه الصلاة والسلام بين القراءة وبين الذكر وبين الدعاء وبين التفكر، لأن الذي يسأل عند السؤال ويتعوذ عند التعوذ ويسبح عند التسبيح، لا شك أنه يتأمل قراءته ويتفكر فيها، فيكون هذا القيام روضة من رياض الذكر، قراءة وتسبيحًا ودعاءً وتفكرًا، والنبي عليه الصلاة والسلام في هذا كله لم يركع، فهذه السور الثلاث: البقرة والنساء وآل عمران أكثر من خمسة أجزاء، فتدبر إذا كان الإنسان يقرأها بترسل، ويستعيذ عند آية الوعيد ويسأل عند آية الرحمة ويسبح عند آية التسبيح .
كما تكون المدة ؟ لاشك أنها تكون طويلة، ولهذا كان عليه الصلاة والسلام يقوم حتى تتورم قدماه وتتفطر .
حتى إن ابن مسعود وهو شاب لما صلى معه ليلة من الليالي يقول أطال النبي صلى الله عليه وسلم القيام حتى هممت بأمر سوء، قال: بما هممت، قال: هممت أن أجلس وأدعه، عجز أن يصبر من طول القيام .

ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام ركع بعد أن أتم السور الثلاث، فقال سبحان ربي العظيم، وأطال الركوع نحوًا من قيامه، ثم رفع ركوعه وأطال القيام بعد الركوع وقال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، حتى كان قيامه نحوًا من ركوعه، ثم سجد صلى الله عليه وسلم فقال سبحان ربي الأعلى وأطال السجود حتى كان سجوده نحوًا من قيامه .
وهكذا كان عليه الصلاة والسلام يصلي فيجعل الصلاة متناسبة، إذا أطال القيام أطال الركوع والسجود والقيام الذي بعد الركوع والجلوس الذي بين السجدتين، وإذا خفف القراءة خفف الركوع والسجود والقيام من أجل أن تكون الصلاة متناسبة، وهذا فعله صلوات الله وسلامه عليه في الفرض
وفي النفل أيضًا، فكان صلى الله عليه وسلم يجعل صلاته متناسبة .

وفي هذا الحديث عدة فوائد:

الفائدة الأولى: وهي التي ساق المؤلف الحديث من أجلها، أن النبي صلى
الله عليه وسلم كان يعمل عمل المجاهد الذي يجاهد نفسه على الطاعة، لأنه يعمل هذا العمل الشاق ابتغاء وجه الله ورضوانه، كما قال الله تعالى في وصف النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا .

ومنها: جواز إقامة الجماعة في صلاة الليل، لكن هذا ليس دائمًا،
إنما يفعل أحيانًا في غير رمضان، أما في رمضان فإن من السنة أن يقوم الناس في جماعة .

ومنها: أن ينبغي للإنسان في صلاة الليل إذا مر بآية رحمة أن يقف ويسأل، مثل لو مر بذكر الجنة يقف ويقول: اللهم اجعلني من أهلها، اللهم إني أسألك الجنة، وإذا مر بآية وعيد يقف ويقول: أعوذ بالله من ذلك، أعوذ بالله من النار، وإذا مر بآية تسبيح يعني: تعظيم لله سبحانه وتعالى يقف ويسبح الله ويعظمه،

هذا في صلاة الليل،

أما في صلاة الفريضة لا بأس أن يفعل هذا ولكنه ليس بسنة، إن فعله فإنه لا ينهى عنه، وإن ترك فإنه لا يؤمر به، بخلاف صلاة الليل، فإن الأفضل أن يفعل ذلك، أي يتعوذ عند آية الوعيد ويسأل عند آية الرحمة ويسبح عند آية التسبيح .

ومن فوائد هذا الحديث: جواز تقديم السور بعضها على بعض، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قدم سورة النساء على سورة آل عمران، والترتيب أن سورة آل عمران مقدمة على سورة النساء، ولكن هذا والله أعلم كان قبل السنة الأخيرة، فإن السنة الأخيرة كان النبي صلىى الله عليه وسلم يقدم سورة آل عمران على سورة النساء، ولهذا رتبها الصحابة رضي الله عنهم على هذا الترتيب أي أن آل عمران قبل سورة النساء، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يقرن بين البقرة وآل عمران في مثل قوله عليه الصلاة والسلام: اقرءوا الزهراوين: البقرة وآل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما يوم القيامة .

فالمهم أن الترتيب في الأخير كان تقديم سورة آل عمران على سورة النساء .

ومن فوائد هذا الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسبح ويكرر التسبيح، لأن حذيفة قال: كان يقول: سبحان ربي العظيم، وكان يطيل، ويقول: سبحان ربي الأعلى، وذكر أنه يطيل، ولم يذكر شيئًا آخر .
فدل هذا على أنك مهما كررت من التسبيح في الركوع والسجود فإنه سنة، ولكن مع هذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول في ركوعه وفي سجوده ويكثر من هذا القول: سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي، وكان يقول أيضًا: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، فكل ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من ذكر ودعاء فإنه يسن للإنسان أن يقوله في صلاته .

نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم ظاهرًا وباطنًا، وأن يتولانا وإياكم في الدنيا والآخرة إنه جواد كريم .
* * *

١٠٣ – التاسع: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: “صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة، فأطال القيام حتى هممت بأمر سوء، قيل: وما هممت به ؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه ” . متفق عليه .

١٠٤ – العاشر: عن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد: يرجع أهله وماله، ويبقى عمله )) متفق عليه .

الشرح :

قال المؤلف – رحمه الله – فيما نقله عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه  _ وكان رضي الله عنه أحد الذين يخدمون رسول الله صلى الله عليه وسلم .
صاحب وسادته وسواكه رضي الله عنه_ فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فأطال القيام، وقد سبق من حديث عائشة أنه كان صلى الله عليه وسلم يقوم حتى تتفطر قدماه، أو حتى تتورم .
تتفطر أحيانًا وتتورم أحيانًا من طول القيام، وصح من حديث حذيفة أنه قرأ في ركعة واحدة بثلاث سور من طوال السور، البقرة، والنساء، وآل عمران .
وكذلك ابن مسعود رضي الله عنه صلى معه ذات ليلة فأطال النبي صلى الله عليه وسلم القيام فهم بأمر سوء يعني: بأمر ليس يسر المرء فعله، قال: بما هممت يا أبا عبد الرحمن ؟ قال هممت أن أجلس وأدعه،
يعني أجلس وأدعه قائمًا لأن ابن مسعود تعب وأعيا مع أنه شاب والنبي عليه الصلاة والسلام لم يتعب لأنه عليه الصلاة والسلام كان أشد الناس عبادة لله عز وجل وأتقاهم لله،

ففي هذا دليل على أنه من السنة أن يقوم الإنسان في الليل ويطيل القيام، وأنه إذا فعل ذلك فهو مقتد برسول الله صلى الله عليه وسلم .

ولكن اعلم أنك إذا أطلت القيام فإن السنة أن تطيل الركوع والسجود والجلوس بين السجدتين والوقوف بعد الركوع، فإن من سنة الرسول عليه الصلاة والسلام أنه كان يجعل صلاة متناسبة، إذا أطال القيام أطال بقية الأركان، وإذا خفف القيام خفف بقية الأركان .

ثم ذكر المؤلف – رحمه الله – حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يتبع الميت ثلاثة: ماله وأهله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد صدق النبي صلى الله عليه وسلم .
الإنسان إذا مات تبعه المشيعون له فيتبعه أهله يشيعونه إلى المقبرة، وما أعجب الحياة الدنيا وأخسها، وما أدناها، يتولى دفنك من أنت أحب الناس إليه، يدفنوك ويبعدونك عنهم، ولوو أنهم أعطوا أجرة على أن تبقى جسدًا بينهم ما رضوا، فأقرب الناس إليك وأنت أحب الناس إليهم، هم الذي يتولون دفنك، يتبعونك ويشيعونك .
ويتبعه ماله: أي عبيده وخدمه المماليك له، وهذا يمثل الرجل الغني الذي له عبيد وخدم مماليك، يتبعونه، ويتبعه عمله معه فيرجع اثنان ويدعونه وحده ولكن يبقى معه عمله _ نسأل الله أن يجعل عملنا وإياكم _ صالحًا، فيبقى عمله عنده أنيسه في قبره ينفرد به إلى يوم القيامة .

وفي هذا الحديث دليل على أن الدنيا .. كل زينة الحياة الدنيا ترجع ولا تبقى معك في قبرك، المال والبنون زينة الحياة الدنيا ترجع،

من الذي يبقى ؟
فقط العمل .
فعليك يا أخي أن تحرص على الصاحب الذي يبقى ولا ينصرف مع من ينصرف، وعليك أن تجتهد حتى يكون عملك عملًا صالحًا يؤنسك في قبرك إذا انفردت به عن الأحباب والأهل والأولاد .

ومناسبة هذا الحديث للباب ظاهرة، لأن كثرة العمل يوجب مجاهدة النفس، فإن الإنسان يجاهد نفسه على الأعمال الصالحة التي تبقى بعد موته،

نسأل الله لنا ولكم حسن الخاتمة والعافية، وأن يتولانا بعنايته ورعايته ، إنه جواد كريم .

* * *

١٠٥ – الحادي عشر: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله والنار مثل ذلك )) رواه البخاري .

الشرح :

قال المؤلف – رحمه الله تعالى – في باب المجاهدة فيما نقله عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله والنار مثل ذلك ))

هذا الحديث يتضمن ترغيبًا وترهيبًا، يتضمن ترغيبًا في الجملة الأولى وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (( الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله )) وشراك النعل: هو السير الذي على ظهر القدم وهو قريب من الإنسان جدًا ويضرب به المثل في القرب، وذلك لأنه قد تكون الكلمة الواحدة سببًا في دخول الجنة، فقد يتكلم الإنسان بالكلمة الواحدة من رضوان الله عز وجل لا يظن أنها تبلغ ما بلغت، فإذا هي توصله إلى جنة النعيم .

ومع ذلك فإن الحديث أعم من هذا، فإن كثرة الطاعات واجتناب المحرمات من أسباب دخول الجنة وهو يسير على من يسره الله عليه، فأنت تجد المؤمن الذي شرح الله صدره للإسلام يصلي براحة وطمأنينة وانشراح صدر ومحبة للصلاة، ويزكي كذلك، ويصوم كذلك، ويحج كذلك، ويفعل الخير كذلك، فهو يسير عليه سهل قريب منه، وتجده يتجنب ما حرمه الله عليه من الأقوال والأفعال وهو يسير عليه .

وأما والعياذ بالله من قد ضاق بالإسلام ذرعًا، وصار الإسلام ثقيلًا عليه فإنه يستثقل الطاعات، ويستثقل اجتناب المحرمات، ولا تصير الجنة أقرب إليه من شراك نعله .

وكذلك النار، وهي الجملة الثانية في الحديث وهي التي فيها التحذير، يقول النبي عليه الصلاة والسلام : (والنار)مثل ذلك أي: أقرب إلى أحدنا من شراك نعله، فإن الإنسان ربما يتكلم بالكلمة لا يلقى لها بالًا وهي من سخط الله فيهوى بها في النار كذا وكذا من السنين، وهو لا يدري، وما أكثر الكلمات التي يتكلم بها الإنسان غير مبال بها، وغير مهتم بمدلولها، فترديه في نار جهنم،

نسأل الله العافية .

ألم تروا إلى قصة المنافقين الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك حيث كانوا يتحدثون فيما بينهم يقولون: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنًا ولا أجبن عند اللقاء، يعنون بذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، يعني أنهم واسعوا البطون من كثرة الأكل، وليس لهم هم إلا الأكل، ولا أكذب ألسنًا، يعني: أنهم يتكلمون بالكذب، ولا أجبن عند اللقاء، أي: أنهم يخافون لقاء العدو ولا يثبتون بل يفرون ويهربون .
هكذا يقول المنافقين في الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه .

وإذا تأملت وجدت أن هذا ينطبق على المنافقين تمامًا لا على المؤمنين، فالمنافقون أشد الناس حرصًا على الحياة، والمنافقون من أكذب الناس ألسنًا، والمنافقون من أجبن الناس عند اللقاء .
فهذا الوصف حقيقته في هؤلاء المنافقين .

ومع ذلك يقول الله عز وجل: (( ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب )) يعني ما كنا نقصد الكلام، إنما هو خوض الكلام ولعب ،

فقال الله عز وجل { قل } يعني قل يا محمد: { أبالله وآياته ورسوله كنتم
تستهزءون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين }
فبين الله عز وجل أن هؤلاء كفروا بعد إيمانهم باستهزائهم بالله وآياته ورسوله، ولهذا يجب على الإنسان أن يقيد منطقه، وأن يحفظ لسانه حتى لا يذل فيهلك، نسأل الله لنا ولكم الثبات على الحق والسلامة من الإثم .

* * *

١٠٦ – الثاني عشر: عن أبي فراس ربيعة بن كعب الأسلمي خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أهل الصفة رضي الله عنه قال: كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فآتيه بوضوئه، وحاجته فقال: سلني فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة .
فقال: أو غير ذلك ؟ قلت: هو ذاك .
قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود ))

رواه مسلم .

الشرح :

قال المؤلف – رحمه الله تعالى – فيما نقل عن ربيعة بن مالك الأسلمي رضي الله عنه، وكان خادمًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم والذين يخدمون النبي صلى الله عليه وسلم من الأحرار عدد، منهم:
ربيعة بن مالك، ومنهم: ابن مسعود، ولهم الشرف بخدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من أهل الصفة، وأهل الصفة رجال مهاجرون هاجروا إلى المدينة وليس لهم مأوى، فوطنهم النبي عليه الصلاة والسلام في صفة في المسجد النبوي، وكانوا أحيانًا يبلغون الثمانين، وأحيانًا دون ذلك، وكان
الصحابة رضي الله عنهما يأتونهم بالطعام واللبن وغيره مما يتصدقون به عليهم .
فكان ربيعة بن مالك رضي الله عنه يخدم النبي صلى الله عليه وسلم وكان يأتيه بوضوئه وحاجته،
الوضوء بالفتح: الماء الذي يتوضأ به، والوضوء بالضم: فعل الوضوء، وأما الحاجة فلم يبينها، ولكن المراد كل ما يحتاجه النبي عليه الصلاة والسلام يأتي به إليه .
فقال له ذات يوم: سل، من أجل أن يكافئه النبي عليه الصلاة والسلام على خدمته إياه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أكرم الخلق، وكان يقول: من صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فأراد أن يكافئه، فقال له:
سل، يعني اسأل ما بدا لك، وقد يتوقع الإنسان أن هذا الرجل سيسأل مالًا، ولكن همته كانت عالية،
قال: أسألك مرافقتك في الجنة كما كنت، يعني كأنه يقول كما كنت مرافقًا لك في الدنيا أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: أو غير ذلك ؟ يعني أو تسأل غير ذلك مما يمكن أن أقوم به، قال: هو ذاك،
يعني لا أسأل إلا ذاك قال النبي صلى الله عليه وسلم: فأعني على نفسك بكثرة السجود .

وهذا هو الشاهد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: أعني على نفسك بكثرة السجود،

وكثرة السجود تستلزم كثرة الركوع، وكثرة الركوع تستلزم كثرة القيام، لأن كل صلاة في كل ركعة منها ركوع وسجودان .
فإذا كثر السجود كثر الركوع وكثر القيام،

وذكر السجود دون غيره لأن السجود أفضل هيئةللمصلي، فإن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وإن كان المصلي قريبًا من الله قائمًا كان أو
راكعًا أو ساجدًا أو قاعدًا، لكن أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد .

وفي هذا: دليل على فضل السجود، واختلف أهل العلم هل الأفضل إطالة القيام أم إطالة الركوع
والسجود ؟ فمنهم من قال: الأفضل إطالة القيام، ومنهم من قال: الأفضل إطالة الركوع والسجود،
والصحيح: أن الأفضل أن تكون الصلاة متناسبة، وإلا فإن القيام بلا شك أطول من الركوع والسجود في حد ذاته، لكن ينبغي إذا أطال القيام أن يطيل الركوع والسجود، وإذا قصر القيام أن يقصر الركوع والسجود .

وفي هذا: دليل على أن الصلاة مهما أكثر منها فهو خير إلا أنه يستثنى من ذلك أوقات النهي، وأوقات النهي هي من طلوع الفجر إلى ارتفاع الشمس مقدار رمح، وعند قيامها في منتصف النهار حتى تزول،
ومن صلاة العصر إلى الغروب، فإن هذه الأوقات الثلاثة لا يجوز للإنسان أن يصلي فيها صلاة تطوع،
إلا إذا كان لها سبب، كتحية المسجد، وسنة الوضوء، وما أشبه ذلك .

وفي الحديث: دليل على جواز استخدام الرجل الحر، وأن ذلك لا يعد من المسألة المذمومة، فلو أنك قلت لشخص من الناس ممن يقومون بخدمتك: أعطني كذا .
أعطني كذا، فلا بأس، وكذلك لو قلت لصاحب المترل أعطني ماءً، صب لي فنجان قهوة فلا بأس، لأن هذا لا يعد من السؤال المذموم، بل هذا من تمام الضيافة، وقد جرت العادة بمثله .

وفيه: دليل أيضًا على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يملك أن يدخل أحدًا الجنة، ولهذا لم يضمن لهذا الرجل أن يعطيه مطلوبه، ولكنه قال له: (فأعني على نفسك بكثرة السجود) فإذا قام بكثرة السجود
التي أوصاه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه حري بأن يكون مرافقًا للرسول صلى الله عليه وسلم في الجنة .

* * *

١٠٧ – الثالث عشر: عن أبي عبد الله – ويقال: أبو عبد الرحمن – ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( عليك بكثرة السجود، فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة ))

رواه مسلم .

١٠٨ – الرابع عشر: عن أبي صفوان عبد الله بن بسر الأسلمي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( خير الناس من طال عمره وحسن عمله ))

رواه الترمذي، وقال: حديث حسن .
بسر: بضم الباء وبالسين المهملة .

الشرح :

قال المؤلف – رحمه الله تعالى – فيما نقله عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( عليك بكثرة السجود عليك )) يعني إلزم كثرة السجود،
(( فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة ))

وهذا كالحديث السابق حديث ربيعة بن مالك الأسلمي، أنه قال للنبي: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: (( فأعني على نفسك بكثرة السجود  )) .

ففيه: دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يكثر من السجود،

وقد سبق لنا أن كثرة السجود تستلزم كثرة الركوع وكثرة القيام والقعود، لأن كل ركعة فيها سجودان وفيها ركوع واحد، ولا يمكن أن تسجد في
الركعة الواحدة ثلاث سجدات أو أربعًا، إذن كثرة السجود تستلزم كثرة الركوع والقيام، والقعود .
ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم ماذا يحصل للإنسان من الأجر فيما إذا سجد وهو أنه يحصل له فائدتان عظيمتان:

الفائدة الأولى: أن الله يرفعه بها درجة، يعني منزلة عنده وفي قلوب الناس، وكذلك في عملك الصالح يرفعك الله به درجة .

والثانية: يحط عنك بها خطيئة، والإنسان يحصل له الكمال بزوال ما يكره وحصول ما يحب، فرفع الدرجات مما يحبه الإنسان، والخطايا مما يكره الإنسان، فإذا رفع له درجة وحط عنه بها خطيئة، فقد حصل على مطلوبه ونجا من مرهوبه .

أما حديث عبد الله بن بسر، قال إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( خير الناس من طال عمره وحسن عمله )) وهذا خير الناس لأن الإنسان كلما طال عمره في طاعة الله زاد قربًا إلى الله، وزاد رفعة في الآخرة، لأن كل عمل يعمله فيما زاد فيه عمره فهو يقربه إلى ربه عز وجل، فخير الناس من وفق لهذين الأمرين .

أما طول العمر فإنه من الله وليس للإنسان فيه تصرف، لأن الأعمار بيد الله عز وجل، وأما حسن العمل فإن بإمكان الإنسان أن يحسن عمله، لأن الله تعالى جعل له عقلاء وأنزل الكتب وأرسل الرسل وبين المحجة وأقام الحجة،

فكل إنسان يستطيع أن يعمل عملًا صالحًا، على أن الإنسان إذا عمل عملًا صالحًا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن بعض الأعمال الصالحة سبب لطول العمر وذلك مثل صلة الرحم .
قال النبي عليه الصلاة والسلام: (( من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه وصلة ))

الرحم من أسباب طول العمر، فإذا كان خير الناس من طال عمره وحسن عمله، فإنه ينبغي للإنسان أن يسأل الله دائمًا أن يجعله ممن طال عمره وحسن عمله، من أجل أن يكون من خير الناس .

وفي هذا: دليل على أن مجرد طول العمر ليس خيرًا للإنسان إلا إذا حسن عمله، لأنه أحيانًا يكون طول العمر شرًا للإنسان وضررًا عليه، كما قال الله تبارك وتعالى: ( ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين ) ، فهؤلاء الكفار يملي الله لهم – أي يمدهم بالرزق والعافية وطول العمر والبنين والزوجات – لا لخير لهم، ولكنه شر لهم والعياذ بالله، لأنهم سوف يزدادون بذلك إثمًا .

ومن ثم كره بعض العلماء أن يدعى للإنسان بطول البقاء، قال لا تقل أطال الله بقاءك إلا مقيدًا، قل: أطال الله بقاءك على طاعته، لأن طول البقاء قد يكون شرًا للإنسان .
نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن طال عمره، وحسن عمله، وحسنت خاتمته وعاقبته، إنه جواد كريم .

* * *

 

١٠٩ – الخامس عشر: عن أنس رضي الله عنه، قال: غاب عمي أنس بن النضر رضي الله عنه، عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال: اللهم أعتذر إليك مما صنع هؤلاء –
يعني أصحابه – وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء – يعني المشركين – ثم تقدمم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ الجنة ورب الكعبة، إني أجد ريحها من دون أحد .
قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع ! قال أنس: فوجدنا به بضعًاا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل ومَثَّل به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه .
قال أنس: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: { منن المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه } إلى آخره .
متفق عليه .

قوله: ليرين الله روى بضم الياء وكسر الراء، أي ليظهرن الله ذلك للناس، وروى بفتحهما، ومعناه ظاهر، والله أعلم .

الشرح :

قال المؤلف – رحمه الله تعالى – فيما نقله عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن عمه أنس بن النضر رضي الله عنه، أن أنسًا لم يكن مع الرسول صلى الله عليه وسلم – يعني أنس بن النضر – في بدر، وذلك لأن غزوة بدر خرج إليها النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يريد القتال، وإنما يريد عير قريش
وليس معه إلا ثلاثمائة وبضع عشر رجلًا، معهم سبعون بعيرًا وفرسان يتعاقبون عليها، وقد تخلف عنها كثير من الصحابة لأنها ليست غزوة، ولم يدع إليها أحد وإنما خرج إليها الخفاف من الناس .
قال أنس بن النضر للنبي عليه الصلاة والسلام يبين له أن لم يكن معه في أول قتال قاتل فيه المشركين،
وقال: لئن أدركت قتالًا لأرين الله ما أصنع .
فلما كانت أحد، وهي بعد غزوة بدر بسنة وشهر، خرج الناس وقاتلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم،
وصارت الدائرة في أول النهار للمسلمين، ولكن لما تخلف الرماة عن الموقع الذي جعلهم النبي صلى الله عليه وسلم فيه ونزلوا من الجبل، كر فرسان المشركين على المسلمين من خلفهم، واختلفوا بهم،
وانكشف المسلمون، وصارت الهزيمة لما انكشف المسلمون، تقدم أنس بن النضر رضي الله عنه وقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني أصحابه وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين .
ثم تقدم رضي الله عنه فاستقبله سعد بن معاذ فسأله إلى أين ؟ قال: يا سعد إني لأجد ريح الجنة دون أحد، وهذا وجدان حقيقي ليس تخيلًا أو توهمًا ولكن من كرامة الله، هذا الرجل شم رائحة الجنة قبل أن يستشهد رضي الله عنه من أجل أن يقدم ولا يحجم فتقدم فقاتل فقتل رضي الله عنه .

استشهد ووجد فيه بضع وثمانون، ما بين ضربة بسيف أو برمح أو بسهم، حتى إنه قد تمزق جلده، فلم يعرفه أحد إلا أخته، ولم تعرفه إلا ببنانه رضي الله عنه .
فكان المسلمون يرون أن الله قد أنزل فيه هذه الآية : ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلًا ،

ولا شك أن هذا وأمثاله رضي الله عنهم يدخلون دخولًا أوليًّا في هذه الآية، فإنهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه، حيث قال أنس: والله ليرين الله ما أصنع
ففعل، فصنع صنعًا لا يصنعه أحد إلا مَنْ مَنَّ الله عليه بمثله حتى استشهد .

ففي هذا الحديث: دليل شاهد للباب، وهو مجاهدة الإنسان نفسه على طاعة الله، فإن أنس بن النضر جاهد نفسه هذا الجهاد العظيم، حتى تقدم يقاتل أعداء الله بعد أن انكشف المسلمون وصارت الهزيمة حتى قتل شهيدًا رضي الله عنه .

* * *

١١٠ – السادس عشر: عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري رضي الله عنه قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل على ظهورنا ، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير فقالوا: مراء وجاء رجل آخر فتصدق بصاع فقالوا: إن الله لغني عن صاع هذا ، فنزلت : { الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم }
متفق عليه .

ونحامل بضم النون، وبالحاء المهملة: أي يحمل أحدنا على ظهره بالأجرة، ويتصدق بها .

الشرح :

قال المؤلف – رحمه الله تعالى – نقلًا عن أبي مسعود بن عمرو رضي الله عنه قال: لما نزلت آية الصدقة: يعني الآية التي فيها الحث على الصدقة، والصدقة هي أن يتبرع الإنسان بماله للفقراء ابتغاء وجه الله .
وسميت صدقة لأن بذل المال لله عز وجل دليل على صدق الإيمان بالله، فإن المال من الأمور المحبوبة للنفوس، قال الله تعالى: ( وتحبون المال حبًا جمًا جمًا ) أي كثيرًا وحيث إن المحبوب لا يبذل إلا لمن هو أحب منه، فإذا بذله الإنسان ابتغاء وجه الله كان ذلك دليلًا على صدق الإيمان .

فلما نزلت هذه الآية جعل الصحابة رضي الله عنهم يبادرون ويسارعون في بذل الصدقات إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه هي عادتهم أنهم إذا نزلت الآيات بالأوامر بادروها وامتثلوها، وإذا نزلت بالنواهي بادروا بتركها، ولهذا لما نزلت آية الخمر التي فيها تحريم الخمر، وبلغت قومًا من الأنصار، وكان الخمر بين أيديهم يشربون قبل أن يحرم فمن حين ما سمعوا الخبر أقلعوا عن الخمر، ثم خرجوا بالأواني يصبونها في الأسواق حتى جرت الأسواق في الخمر .

وهذا هو الواجب على كل مؤمن إذا بلغه عن الله ورسوله شيء أن يبادر بما يجب عليه، من امتثال هذا الأمر أو اجتناب هذا النهي .

وكذلك هنا فإن الصحابة رضي الله عنهم بدأوا يتحاملون الصدقة، كل واحد يحمل بقدرته من الصدقة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل بصدقة كثيرة وجاء رجل بصدقة قليلة، فكان المنافقون إذا جاء الرجل بالصدقة الكثيرة ، قالوا: هذا مراء والعياذ بالله، ما قصد به وجه الله .
وإذا جاء الرجل بالصدقة القليلة قالوا: إن الله غني عنه، وجاء رجل بصاع فقالوا: إن الله غني عن صاعك هذا .

وهؤلاء هم المنافقون، والمنافقون هم الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، ويظهرون الشماتة بالمؤمنين دائمًا، جعلوا أكبر همهم وأعذب مقال لهم، وألذ مقال على أسماعهم، أن يسمعوا ويقولوا ما فيه سب المسلمين والمؤمنين والعياذ بالله، لأنهم منافقون وهم العدو، كما قال الله عز وجل فهؤلاء صاروا إذا جاء رجل بكثير قالوا: هذا مراء، وإن جاء بقليل قالوا: إن الله غني عن صاعك ولا ينفعك، فأنزل الله عز وجل: { الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم }،

ويلمزون: يعني يعيبون، والمطوعين هم المتصدقين { والذين لا يجدون إلا جهدهم } والذين هذه معطوفة على قوله المطوعين، يعني ويلمزون الذين لا يجدون إلا جهدهم، فهم يلمزون هؤلاء وهؤلاء { فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم }، فهم سخروا بالمؤمنين فسخر الله منهم والعياذ بالله .

ففي هذا: دليل على حرص الصحابة على استباق الخير، ومجاهدتهم أنفسهم على ذلك .

وفي هذا: دليل أيضًا على أن الله عز وجل يدافع عن المؤمنين، وانظر كيف أنزل الله آية في كتاب الله مدافعة عن المؤمنين الذين كان هؤلاء المنافقون يلمزونهم .

وفيه: دليل على شدة العداوة من المنافقين للمؤمنين، وأن المؤمنين لا يسلمون منهم إن عملوا كثيرًا سبوهم، وإن عملوا قليلًا سبوهم، ولكن الأمر ليس إليهم، بل إلى الله عز وجل، ولهذا سخر الله منهم، وتوعدهم بالعذاب الأليم في قوله: { ولهم عذاب أليم } .

أما حكم المسألة هذه فإن الله تعالى قال في كتابه : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره } .
القليل والكثير من الخير سيراه الإنسان، ويجازى به، والقليل والكثير من الشر سيراه الإنسان، ويجازى عليه،

وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان إذا تصدق بعدل تمرة – أي ما يعادلها – من كسب طيب – ولا يقبل الله إلا الطيب – فإن الله تعالى يأخذها بيمينه فيربيها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل .

وقارن بين حبة من التمر وبين الجبل، لا نسبة، الجبل أعظم بكثير، فالله سبحانه وتعالى يجزي الإنسان على ما عمل من خير قل أو كثر، ولكن احرص على أن تكون نيتك خالصة لله، لا تريد بذلك جزاءً
ولا شكورًا من غير الله، واحرص على أن تكون متبعًا في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم .

* * *

١١١ – السابع عشر: عن سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر جندب بن جنادة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن الله تبارك وتعالى أنه قال: (( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب
جميعًا، فاستغفروني اغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ) .

رواه مسلم .

وروينا عن الإمام أحمد بن حنبل – رحمه الله – قال: ليس لأهل الشام حديث أشرف من هذا الحدث .

الشرح :

قال المؤلف – رحمه الله تعالى – فيما نقله عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه في باب المجاهدة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى، يعني أن الرسول عليه الصلاة والسلام حدث عن الله أنه قال: ... إلى آخره، وهذا يسمى عند أهل العلم بالحديث القدسي أو الحديث  الإلهي، أما ما كان من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه يسمى بالحديث النبوي .

وهذا الحديث القدسي يقول الله تعالى فيه: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا ) يقول جل وعلا إني حرمت الظلم على نفسي، أي ألا أظلم أحدًا لا بزيادة سيئات لم يعملها ولا بنقص حسنات عملها، بل هو سبحانه وتعالى حكم عدل محسن، فحكمه وثوابه لعباده دائرين بين أمرين، بين فضل وعدل، فضل لمن عمل الحسنات، وعدل لمن عمل السيئات، وليس هناك شيء ثالث وهو الظلم .
أما الحسنات فإنه سبحانه وتعالى يجازي الحسنة بعشر أمثالها، من يعمل حسنة يثاب بعشر حسنات، أما السيئة فبسيئة واحدة فقط، قال الله تعالى في سورة الأنعام – وهي مكية -: ( من جاء بالحسنة فله عشر
أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون ) ، لا يظلمون بنقص ثواب الحسنات، ولا يظلمون بزيادة جزاء السيئات، بل ربنا عز وجل يقول: { ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلمًا ولا هضمًا }، ظلمًا بزيادة في سيئاته، ولا هضمًا بنقص من حسناته وفي قوله تعالى: إني حرمت الظلم على نفسي دليل على أنه جل وعلا يحرم على نفسه ويوجب على نفسه، فمما أوجب على نفسه الرحمة، قال الله تعالى: { كتب ربكم على نفسه الرحمة } ومما حرم على نفسه الظلم، وذلك
لأنه فعال لما يريد يحكم بما يشاء، فكما أنه يوجب على عباده ويحرم عليها، يوجب على نفسه ويحرم عليها جل وعلا، لأن له الحكم التام المطلق .

وقوله تعالى: (وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا ) ، أي لا يظلم بعضكم بعضًا، والجعل هنا هو الجعل الشرعي، وذلك لأن الجعل الذي أضافه الله إلى نفسه إما أن يكون كونيًّا مثل قوله تعالى: { وجعلنا الليل لباسًا وجعلنا النهار معاشًا }، وإما أن يكون شرعيًّا مثل قوله تعالى: { ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام }، ما جعل: أي ما شرع، وإلا فقد جعل ذلك كونًا، لأن العرب كانوا يفعلون هذا، ومثل هذا الحديث جعلته بينكم محرمًا أي جعلته جعلًا شرعيًّا لا كونيًّا، لأن الظلم يقع .

وقوله (جعلته بينكم محرمًا) الظلم بالنسبة للعباد فيما بينهم يكون في ثلاثة أشياء بيَّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله وهو يخطب الناس في حجة الوداع ( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ) ، ألا هل بلغت ؟ قالوا: نعم، قال: اللهم فاشهد .
فهذه ثلاثة أشياء: الدماء والأموال والأعراض .

فالظلم فيما بين البشر حرام في الدماء، فلا يجوز لأحد أن يعتدي على دم أحد، لا على دم تفوت به النفس وهو القتل، ولا دم يحصل به النقص، كدم الجروح وكسر العظام وما أشبهها كل هذا حرام ولا يجوز .

واعلم أن كسر عظم الميت ككسره حيًّا، كما جاء ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام، فالميت محترم لا يجوز أن يؤخذ من أعضائه شيء، ولا أن يكسر من أعضائه شيء، لأنه أمانة وسوف يبعث بكامله يوم القيامة، وإذا كان كذلك فلا يجوز أن تأخذ منه شيئًا .
ولهذا نص فقهاء الحنابلة – رحمهم الله – على أنه لا يجوز أن يؤخذ من الميت شيء من أعضائه، ولو أوصى به، وذلك لأن الميت محترم، كما أن الحي محترم، فإذا أخذنا من الميت عضوًا أو كسرنا منه عظمًا كان ذلك جناية عليه، وكان اعتداء عليه، وكنا آثمين بذلك .
والميت نفسه لا يستطيع أن يتبرع من أعضائه، لأن أعضائه أمانة عنده، أمانة لا يحل له أن يفرط فيها،
ولهذا قال الله تعالى: { ولا تقتلوا أنفسكم }، وفسرها عمرو بن العاص رضي الله عنه بالإنسان إذا كان عليه جنابة وكان في البرد وخاف إذا اغتسل أن يتضرر، جعل عمرو بن العاص هذا داخلًا في الآية، وذلك حين كان عمرو بن العاص رضي الله عنه في سرية وأجنب وكانت الليلة باردة فتيمم وصلى
بأصحابه، فلما رجعوا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وبلغه الخبر، قال لعمرو: أصليت بأصحابك وأنت جنب ؟ يعني لم تغتسل، قال: يا رسول الله إني ذكرت قول الله تعالى: { ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا }، وخفت البرد فتيممت، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وأقره على فعله وعلى استدلاله بالآية، لم يقل إن الآية لم تدل على هذا .
فإذن كل شيء يضر أبداننا أو يفوت منها شيئًا فإنه لا يحل لنا أن نفعله، لقوله تعالى: { ولا تقتلوا أنفسكم } فما حرم علينا أن نتناول الدخان وغيره من الأشياء الضارة، إلا من أجل حماية البدن، فالبدن محترم .

فقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (دماؤكم) يشمل الدم الذي يهلك به الإنسان وهو القتل، 

والدم بدون ذلك، وهو الجرح أو كسر العظم أو ما أشبه ذلك .

أما قوله تعالى: (وأموالكم) فإن الأموال قد حرم الله سبحانه وتعالى على بعضنا أن يأخذ من مال أخيه بغير حق بأي نوع من الأنواع، سواء أخذه غصبًا بأن يأخذه بالقوة، أو أخذه سرقة، أو اختطافًا، أو خيانة، أو غشًا، أو كذبًا، بأي نوع من هذه الأنواع فإنه حرام عليه .

وعلى هذا فالذين يبيعون على الناس بالغش فإن كل مال يدخل عليهم من زيادة في الثمن بسبب الغش فإنه حرام، فالذين يغشون في البيع أو في الشراء يرتكبون محظورين:

المحظور الأول: العدوان على إخوانكم المسلمين بأخذ أموالهم بغير حق .
المحظور الثاني:أنهم ينالون تبرؤ النبي صلى الله عليه وسلم منهم، وبئس البضاعة بضاعة يلتحق فيها صاحبها بالبراءة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه: (( من غش فليس منا )) .
ومن ذلك ما يفعله بعض الجيران حيث تجده يدخل المراسيم على جاره من أجل أن تزيد أرضه، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من اقتطع من الأرض شبرًا بغير حق، فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين، يكون يوم القيامة في عنقه طوق من سبع أرضين، والعياذ بالله، يحمله في يوم المحشر، وهذا من الظلم .

ومن الظلم أيضًا أن يكون لشخص على شخص دراهم ثم ينكر الذي عليه الحق، ويقول: ليس لك عندي شيء، فهذا من أكل المال بالباطل، حتى لو فرض أنه تحاكم إلى القاضي مع خصمه وغلبه عند القاضي، فإنه لا يغلبه عند الله، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (( إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن أن بحجته من بعض فأقضي له، وإنما أقضي بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فإنما أقتطع له جمرة من نار فليستقل أو ليستكثر )) ، فلا تظن إنك إن غلبت خصمك عند القاضي وكنت مبطلًا تسلم بهذا في الآخرة .

أبدًا، لأن القاضي إنما يقضي بنحو ما يسمع ولا يعلم الغيب، ولكن علام الغيوب جل وعلا هو الذي يحاسبك يوم القيامة .

وكذلك أيضًا من أكل الأموال أن يدعي شخص على آخر ما ليس له، ويقيم على ذلك البينة بالشهادة الزور ويحكم له بذلك، فإن هذا من أكل المال بالباطل،

والأمثلة على ذلك كثيرة ولكنها كلها محرمة إن لم تكن بحق، ولهذا قال عز وجل: (فلا تظالموا) .
أما الأعراض فهي أيضًا حرام، فلا يحل للإنسان أن يقع في عرض أخيه، فيغتابه في المجالس أو يسبه، فإن ذلك من كبائر الذنوب .
قال الله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضًا } انظر الترتيب ، (اجتنبوا كثيرًا من الظن) ، فإذا ظن الإنسان بأخيه شيئًا تجسس عليه، ولهذا قال: ولا تجسسوا، فإذا تجسس صار يغتابه، ولهذا قال في الثالثة، قال تعالى: { ولا يغتب بعضكم بعضًا }، ثم قال تعالى: { أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه } الجواب: لا، لا يحب بل يكره،
ولهذا قال: { فكرهتموه } قال بعض المفسرين: إذا كان يوم القيامة فإنه يؤتى بالرجل الذي اغتابه الشخص يمثل له بصورة إنسان ميت، ثم يقال له: كل من لحمه، ويكره على ذلك، وهو يكرهه، لكن يكره على هذا عقوبة له والعياذ بالله .
فالغيبة – وهي انتهاك: عرض أخيك – محرمة،

وقد روى أبو داود أن النبي، مر ليلة عرج به بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، يعني يكرون الوجوه والصدور بهذه الأظفار التي من النحاس، فقال: يا جبريل، من هؤلاء ؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم .
نعوذ بالله .

ثم إن الإنسان إذا انتهك عرض أخيه فإن أخاه يأخذ في الآخرة من حسناته، ولهذا يذكر أن بعض السلف قيل له إن فلانًا يغتابك، فقال: مؤكد، قال: نعم اغتابك، فصنع هدية له ثم بعث بها إليه،
فاستغرب الرجل كيف يغتابه ويرسل له هدية، قال: نعم، إنك أهديت إلي حسنات والحسنات تبقى ، وأنا أهديت إليك هدية تذهب في الدنيا، فهذه مكافأة على هديتك لي !

انظر فقه السلف رضي الله عنهم .

فالحاصل أن الغيبة حرام ومن كبائر الذنوب، ولاسيما إذا كانت الغيبة في ولاة الأمور من الأمراء أو العلماء، فإن غيبة هؤلاء أشد من غيبة سائر الناس، لأن غيبة العلماء تقلل من شأن العلم الذي في صدورهم، والذي يعلمونه الناس، فلا يقبل الناس ما يعطونه من العلم وهذا ضرر على الدين،

وغيبة الأمراء تقلل من هيبة الناس لهم فيتمردون عليهم، وإذا تمرد الناس على الأمراء فلا تسأل عن الفوضي:

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم …
ولا سراة إذا جهالهم سادوا

فنسأل الله أن يحمينا وإياكم مما يغضبه إنه جواد كريم .

ثم قال الله تعالى: (يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم)  ضال يعني تائهًا ، أي لا يعرف الحق، وضال يعني غاويًا لا يقبل الحق، فالناس في الضلال قسمان:

قسم تائه: لا يعرف الحق مثل النصارى فإن النصارى ضالون تائهون لا يعرفون الحق إلا بعد أن بعث النبي صلى الله عليه وسلم، فإنهم عرفوا الحق لكنهم استكبروا عنه، فلم يكن بينهم وبين اليهود فرق في أنهم علموا الحق ولم يتبعوه .
وقسم غاوي: أي اختار الغي عن الرشد بعد أن علم بالرشد، وهؤلاء مثل اليهود، فإن اليهود عرفوا الحق ولكنهم لم يقبلوه، بل ردوه .
ومن ذلك قوله تبارك وتعالى: { وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى }، هداهم الله وبين لهم ودلهم لكنهم استحبوا العمى على الهدى ، واستحبوا الغي على الرشد، فالناس كلهم ضالون إلا من هداه الله .

لكن ما هي هداية القسم الأول وهو الضال الذي لم يعرف الحق ؟

هداية القسم الأول أن يبين الله لهم الحق ويدلهم عليه، وهذه الهداية حق على الله، حق على الله أوجبه الله على نفسه ، فكل الخلق قد هداهم
الله بهذا المعنى ، يعني بمعنى البيان .

قال الله تعالى: { إن علينا للهدى }، وقال تعالى: { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس }
هدى للناس عمومًا .

ولكن الهداية الثانية وهي هداية التوفيق لقبول الحق هذه هي التي يختص الله بها من يشاء من عباده،

فالهداية هدايتان، هداية بيان الحق، وهذه عامة لكل أحد، وقد أوجبها الله على نفسه، وبين لعباده الحق من الباطل، وهداية توفيق لقبول الحق والعمل به، تصديقًا للخبر وقيامًا بالطلب، وهذه خاصة يختص الله
بها من يشاء من عباده .

والناس في هذا الباب ينقسمون إلى أقسام:

القسم الأول: من هدى الهدايتين، أي علمه الله ووفقه للحق
وقبوله .

والقسم الثاني: من هدى بالدلالة والإرشاد ولكنه لم يهد هداية التوفيق، وهذا شر الأقسام والعياذ بالله .

والمهم أن الله عز وجل يقول: (كلكم ضال) ، أي كلكم لا يعرف الحق، أو كلكم لا يقبل الحق، إلا من هديته فاستهدوني أهدكم يعني اطلبوا الهداية مني، فإذا طلبتموها فإنني أجيبكم وأهديكم إلى الحق .
ولهذا جاء الجواب في (استهدوني أهدكم) وكأنه جواب شرط، يتحقق المشروط عند وجود الشرط،
ودليل هذا أن الفعل جزم استهدوني أهدكم فمتى طلبت الهداية من الله بصدق وافتقار إليه وإلحاح، فإن الله يهديك .

ولكن أكثرنا معرض عن هذا، فأكثرنا قائم بالعبادة لكن على العادة وعلى ما يفعل الناس، ما كأننا مفتقرون إلى الله سبحانه وتعالى في طلب الهداية، فالذي يليق بنا أن نسأل الله دائمًا الهداية،

والإنسان في كل صلاة يقول رب اغفر لي وارحمني واهدني، بل إنه في الصلاة يقول على سبيل الركنية: { اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم } ولكن أين القلوب الواعية ؟

إن أكثر المصلين يقرأ هذه الآية وتمر عليه مر الطيف، أي مر الغيم الذي يجري بدون ماء وبدون شيء، ما ينتبه لها .

والذي يليق بنا أن ننتبه وأن نعلم أننا مفتقرون إلى الله عز وجل في الهداية، سواء الهداية العلمية أو الهداية العملية أي هداية الإرشاد والدلالة أو هداية التوفيق، فلابد أن نسأل الله دائمًا الهداية .

(فاستهدوني أهدكم) وربما تشمل هذه الهداية الطريق الحسي كما تشمل الطريق المعنوي، فالهداية للطريق المعنوي هي الهداية إلى دين الله، والهداية للطريق الحسي، كأن تكون في أرضه قد ضللت الطريق
وضعت، فإنك تسأل الله الهداية،

ولهذا قال الله عن موسى صلى الله عليه وسلم: { ولما توجه تلقاء مدين
قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل }، أي السبيل المستوي الموصل للمقصود بدون تعب، وقد جرب هذا، فإن الإنسان إذا ضاع في البر فإنه يلجأ إلى الله تعالى ويقول: رب اهدني سواء السبيل، أو عسى ربي أن يهديني سواء السبيل، وذلك لأننا محتاجون إلى الله في الهدايتين، هداية الطريق الحسي، كما أننا محتاجون إلى الله في الهداية إلى الطريق المعنوي .

ثم قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: (( يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم )) هاتان الجملتان الخاصتان بالجوع والعرى ذكرهما الله عز وجل بعد أن ذكر الهداية فيها غذاء القلب في العلم والإيمان، والجوارح بالعمل الصالح .

وأما الطعام والشراب والكسوة فهي غذاء البدن، لأن البدن لا يستقيم إلا بالطعام ولا يستتر إلا بالكسوة، ولهذا قال: (يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم) .
وصدق ربنا عز وجل، كلنا جائع إلا من أطعمه الله، ولولا أن الله تعالى يسر لنا ما يكون به طعامنا لهلكنا، يقول الله تعالى مبينًا ذلك في سورة الواقعة { أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون } .

والجواب: بل أنت يا ربنا الذي زرعته، لأن الله يقول: { لو نشاء لجعلناه حطامًا فظلتم تفكهون إنا لمغرمون بل نحن محرومون }، وتأمل كيف قال تعالى: { لو نشاء لجعلناه حطامًا } ولم يقل لو نشاء ما أنبتناه، لأنه إذا ثبت وشاهده الناس تعلقت قلوبهم به، فإذا جعل حطامًا بعد أن تعلقت به القلوب صار
ذلك أشد نكاية، ولهذا قال تعالى: { لو نشاء لجعلناه حطامًا }، لم يقل لو نشاء ما أنبتناه .
{ أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن }، يعني من السحاب { أم نحن المترلون } لأن الماء الذي نشرب من السحاب، ينزله الله عز وجل على الأرض كالأنهار، ثم يستخرج بالأدوات التي سخرها الله عز وجل للناس في كل وقت بحسبه، وهذا من حكمة الله عز وجل أن استودع الماء في بطن الأرض، ولو بقي على ظهر الأرض لفسد، وأفسد الهواء وأهلك المواشي، بل وأهلك الأدميين من رائحته ونتنه،
ولكن الله عز وجل بحكمته ورحمته جعل هذه الأرض تشربه، وتسلكه ينابيع فيها، حتى تأتي حاجة الناس إليه فيحفرونه فيصلون إليه .

{ أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون } والله هو الذي أنزله عز وجل، ولو اجتمع الناس كلهم على أن ينزلوا قطرة من السماء ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، ولكن الله عز وجل هو الذي ينزله بقدرته ورحمته، إذن نحن لا نطعم شيئًا من طعام أو مأكول ولا من مشروب إلا بالله عز وجل، ولهذا قال: كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم .
واستطعام الله عز وجل يكون بالقول وبالفعل، فبالقول بأن نسأل الله عز وجل أن يطعمنا وأن يرزقنا،
وأما بالفعل فله جهتان:

الجهة الأولى: العمل الصالح، فإن العمل الصالح سبب كثرة الأرزاق وسعتها،
قال الله عز وجل: { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون }، وقال تعالى: { ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهمسيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من
فوقهم ومن تحت أرجلهم } .
{ من فوقهم } أي: من ثمار الأشجار، { ومن تحت أرجلهم } أي: من الزروع،

فالمهم أن هذا من أسباب إطعام الله .

الجهة الثانية: من جهتي الاستطعام بالفعل أن نحرث الأرض، ونحفر الآبار ونستخرج المياه، ونزرع الحبوب، ونغرس الأشجار، وما أشبه ذلك .

فالاستطعام إذن يكون بالقول ويكون بالفعل، والفعل له جهتان:

الجهة الأولى: العمل الصالح،

والجهة الثانية: الأسباب الحسية المادية كالحرث وحفر الآبار وما أشبه ذلك .

وقوله جل ذكره: (فاستطعموني أطعمكم) هذا جواب شرط مقدر أو جواب الأمر الذي كان في الشرط، يعني إنك إذا استطعمت الله فإن الله يطعمك، ولكن استطعام الله عز وجل يحتاج إلى أمر مهم وهو حسن الظن بالله جل وعلا، أي أن تحسن الظن بربك أنك إذا استطعمته أطعمك، أما أن تدعو الله وأنت غافل لاهٍ، أو تفعل الأسباب وأنت معتمد على قوتك لا على ربك فإنك قد تكون مخذولًا والعياذ بالله، ولكن استطعم الله وأخلص له وحده في ذلك .

(يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم) : كلكم عار إلا من كسوته، وذلك لأن الإنسان يخرج من بطن أمه ليس عليه ثياب بل يخرج مجردًا لا ثياب، ولا شعر يكسوه، كما يكون في الحيوان،
وهذا من حكمة الله عز وجل .
فمن حكمته تعالى أن جعلنا نخرج بادية أبشارنا، بادية جلودنا، حتى نعرف أننا محتاجون إلى كسوة تستر عوراتنا حسًا، كما أننا محتاجون إلى عمل صالح يستر عوراتنا معنى، لأن التقوى لباس كما قال تعالى: { ولباس التقوى ذلك خير } .
فأنت انظر في نفسك تجد أنك محتاج إلى الكسوة الحسية لأنك عار، كذلك أيضًا محتاج إلى الكسوة المعنوية – وهي العمل الصالح – حتى لا تكون عاريًا،

ولهذا ذكر بعض العابرين للرؤيا أن الإنسان إذا رأى في المنام عاريًا فإنه يحتاج إلى كثرة الاستغفار، لأن هذا دليل على نقصان تقواه، فإن التقوى لباس .

وعلى كل حال فنحن عراة إلا بكسوة الله عز وجل، وقد سخر الله لنا من الكسوة ما نكسو به أبداننا .

ولله الحمد، من أصناف اللباس المتنوعة، لاسيما في البلاد الغنية التي ابتلاها الله عز وجل بالمال، فإن المال في الحقيقة فتنة يخشى على الأمة منه، كما قال محمد صلى الله عليه وسلم: (( والله ما الفقر أخشى عليكم،
وإنما أخشى عليكم أن تفتح عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسها من قبلكم فتهلككم كما أهلكتهم ))
فالمال ابتلاء يحتاج إلى صبر على أداء ما يجب فيه، وإلى شكر على ما يجب له وعلى كل حال أقول إن الله سبحانه وتعالى من علينا باللباس ولولا أن الله يسره لنا ما تيسر،

ولو أنك نظرت في الخلق في وقتك الآن وتأملت لوجدت كما سمعنا من يبيتون عراة، ليس على أبدانهم ما يسترهم، ربما يسترون السوءة
بالأشجار ونحوها، وليس عليهم ما يسترهم دون ذلك،

فمن الذي سترك ومن عليك ؟ هو الله،

ولهذا قال عز وجل: (يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم) .

ونقول في قوله: (فاستكسوني أكسكم) كما قلنا في قوله استطعموني أطعمكم يعني أن الاستكساء يكون بالقول ويكون بالفعل أما الذي بالقول فبأن تسأل الله عز وجل أن يكسوك، وإذا سألت الله أن يكسو بدنك حسًّا، فاسأل الله أن يكسو عورتك المعنوية بالتوفيق إلى طاعته وأما الاستكساء بالفعل فعلي وجهين:

الوجه الأول: بالأعمال الصالحة .

والوجه الثاني: بفعل الأسباب الحسية التي تكون بها الكسوة، من إحداث المعامل، والمصانع، وغير ذلك .

وفي الربط بين الطعام والكسوة والهداية مناسبة، لأن الطعام في الحقيقة كسوة البدن باطنًا، لأن الجوع والعطش معناه خلو المعدة من الطعام والشراب، وهذا تعري لها، والكسوة ستر البدن ظاهرًا، والهداية الستر المهم المقصود وهو ستر القلوب والنفوس من عيوب الذنوب .

ثم قال تعالى: (يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم) : هذا أيضًا من تمام نعمة الله على العبد، أنه جل وعلا يعرض عليه أن يستغفر إلى الله ويتوب إليه مع أنه يقول: (إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا) أي جميع الذنوب من الشرك والكفر والكبائر والصغائر كلها يغفرها الله، ولكن بعد أن يستغفر الإنسان ربه، ولهذا قال: (فاستغفروني أغفر لكم) ، أي اطلبوا مني المغفرة حتى أغفر لكم .
ولكن طلب المغفرة ليس مجرد أن يقول الإنسان: اللهم اغفر لي، بل لابد من توبة صادقة يتوب بها الإنسان إلى الله عز وجل .

والتوبة الصادقة هي التي تجمع خمسة شروط:

الشرط الأول: أن يكون الإنسان مخلصًا فيها لله عز وجل لا يحمله على التوبة مراءاة الناس، ولا تسميعهم، ولا أن يتقرب إليهم بشيء، وإنما يقصد بالتوبة
الرجوع إلى الله حقيقة، والإخلاص شرط في كل عمل، ومن جملة الأعمال الصالحة التوبة إلى الله عز وجل، كما قال تعالى: { وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } .

والشرط الثاني: أن يندم الإنسان على ما وقع منه من الذنب، يعني أن يحزن ويتأسف ويعرف أنه ارتكب خطأ حتى يندم عليه، أما أن يكون ارتكاب الخطأ وعدمه عنده على حد سواء، فهذه ليست بتوبة، بل لابد من أن يندم بقلبه ندمًا يتمنى أنه لم يقع منه هذا الذنب .

والشرط الثالث: أن يقلع عن الذنب، فلا توبة مع الإصرار على الذنوب، كما قال تعالى: { ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون } أما أن يقول إنه تائب من الذنب وهو مصر عليه، فإنه كاذب مستهزئ بالله عز وجل، فمثلًا لو قال: أتوب إلى الله من الغيبة، ولكنه كلما جلس مجلسًا اغتاب عباد الله فإنه كاذب في توبته، ولو قال: أتوب إلى الله من الربا ولكنه مصر عليه، يبيع بالربا ويشتري بالربا فهو كاذب في توبته، ولو قال: أتوب إلى الله من استماع الأغاني ولكنه مصر على ذلك فهو كاذب في توبته، ولو قال: أتوب إلى الله من معصية الرسول صلى الله عليه وسلم في إعفاء اللحية وكان سيحلقها وهو يقول: أتوب إلى الله من حلقها فإنه كاذب .

وهكذا جميع المعاصي إذا كان الإنسان مصرًّا عليها فإن دعواه التوبة كذب، ولا تقبل توبته .
ومن التخلي عن الذنب والإقلاع عنه أن يرد المظالم إلى أهلها إذا كانت المعصية في حقوق العباد، فإن كانت في أخذ مال فليرد المال إلى من أخذه منه، فإن كان قد مات فليرده إلى ورثته، فإن تعذر عليه أن يعرف الورثة أو نسي الرجل أو ذهب الرجل إلى مكان لا يمكن العثور عليه مثل أن يكون أجنبيًّا فيرجع إلى بلده ولا يدري أين هو، ففي هذه الحال خرج ما عليه صدقة ينويها لصاحب المال الذي يطلبه .

وإذا كان الذنب في غيبة وكان المغتاب قد علم أن هذا الرجل قد اغتابه فلابد أن يذهب إلى المغتاب ويتحلل منه، وينبغي للمغتاب إذا جاءه أخوه يعتذر إليه أن يقبل وأن يسامح عنه، فإذا جاء إليك أخوك معتذرًا مقرًا بالذنب فاعف عنه واصفح: { إن الله يحب المحسنين }، ولكن إذا لم يقبل أن يتسامح عن غيبته إلا بشيء من المال فأعطه المال، أعطه من المال حتى يقتنع ويحللك .
كذلك إذا كانت المعصية مسابة بينك وبين أحد حتى ضربته مثلًا، فإن التوبة من ذلك أن تذهب إليه وتستسمح منه، وتقول: ها أنا أمامك اضربني كما ضربتك، حتى يصفح عنك،

المهم أن من الإقلاع عن المعصية إذا كانت لآدمي أن تتحلل منه، سواء كانت مظلمة مال أو بدن أو عرض .

الشرط الرابع: أن يعزم على ألا يعود في المستقبل، فإن تاب وأقلع عن الذنب لكن في قلبه أنه إذا حانت الفرصة عاد إلى ذنبه، فإن ذلك لا يقبل منه، فهذه توبة لاعب، فلابد أن يعزم، فإذا عزم ثم قدر أن نفسه
سولت له بعد ذلك وفعل المعصية، فإن ذلك لا ينقص التوبة السابقة، لكن يحتاج إلى توبة جديدة من الذنب مرة ثانية .

الشرط الخامس: أن تكون التوبة في الوقت الذي تقبل فيه، فإن فات الأوان لم تنفع التوبة،

ويفوت الأوان إذا حضر الإنسان الموت .
فإذا حضره الموت فلا توبة، ولو تاب لم تنفعه، لقول الله تعالى: { وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن }، الآن لا فائدة فيها .

ولهذا لما أغرق فرعون قال: (آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين) ، فقيل له { الآن } يعني أتقول هذا الآن { الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين } فات الأوان،

ولهذا يجب على الإنسان أن يبادر بالتوبة، لأنه لا يدري متى يفجأه الموت، كم من إنسان مات بغتة ومفاجأة، فليتب إلى الله قبل أن يفوت الأوان .

وكذلك يفوت أوان التوبة إذا طلعت الشمس من مغربها، فإن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن الشمس الآن تدور بإذن الله على الأرض، وإذا غابت سجدت تحت عرش الرحمن عز وجل، واستأذنت الله فإن أذن لها استمرت في سيرها، وإلا قيل ارجعي من حيث جئت فترجع بإذن الله وأمره، فتطلع على الناس من المغرب فحينئذ يؤمن جميع الناس، وكل الناس يتوبون ويرجعون إلى الله، ولكن ذلك لا ينفعهم، قال الله تعالى: { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة } يعني عند الموت { أو يأتي ربك } يعني يوم القيامة للحساب { أو يأتي بعض آيات ربك } يعني طلوع الشمس من مغربها { يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا } .

هذه خمسة شروط للتوبة لا تقبل إلا بها، فعليك يا أخي أن تبادر بالتوبة إلى الله والرجوع إليه ما دمت في زمن الإمهال، قبل أن يفوتك ذلك، واعلم أنك إذا تبت إلى الله توبة نصوحة فإن الله يتوب عليك، وربما يرفعك إلى منزلة أعلى من منزلتك .

انظر إلى آدم أبيك حيث نهاه الله عن الأكل من الشجرة، فعصى ربه بوسوسة الشيطان له، قال الله تعالى: { وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى }، لما تاب نال الاجتباء، واجتباه الله وصار في منزلة أعلى من قبل أن يعصي ربه، لأن المعصية أحدثت له خجلًا وحياءً من الله، وإنابة ورجوعًا إليه، فصارت حاله أعلى حالًا من قبل .

واعلم أن الله أشد فرحًا بتوبة عبده المؤمن من رجل كان على راحلته وعليها طعامه وشرابه في أرض فلاة، ما فيها أحد فأضاع الناقة وطلبها فلم يجدها، فنام تحت شجرة ينتظر الموت، فإذا بخطام ناقته متعلق بالشجرة، قد جاء الله بها، فأخذ بخطامها وقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح، أراد أن يقول اللهم أنت ربي وأنا عبدك، ولكن أخطأ من شدة الفرح، لأن الإنسان إذا اشتد فرحه لا يدري ما يقول، كما أنه إذا اشتد غضبه لا يدري ما يقول، فالله بتوبة عبده المؤمن أشد فرحًا من فرح هذا بناقته .

وقوله جل ذكره: (يا عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني) يعني أنه تبارك وتعالى غني عن العباد، لا ينتفع بطاعتهم ولا تضره معصيتهم .
فإنه عز وجل قال في كتابه: { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } فالله عز وجل لا ينتفع بأحد ولا يتضرر بأحد لأنه غني عن الخلق جل وعلا، وإنما خلق الخلق لحكمة أرادها تبارك وتعالى، خلقهم لعبادته، ثم إنه وعد الطائعين بالثواب، وتوعد العاصين بالعقاب حكمة منه لأنه خلق الجنة والنار، وقال لكل منكما على ملؤها، فالنار لابد أن تملأ، والجنة لابد أن تملأ كما قال عز وجل: { ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين }

إذن فالله تعالى لن تنفعه طاعة الطائعين، ولن تضره معصية العاصين، ولن يبلغ أحد ضرره مهما كان .

ولهذا قال فيما بعد هذه الجملة: لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا لو أن أول الخلق وآخرهم وإنسهم وجنهم كانوا متقين، على أتقى قلب رجل واحد، ما زاد ذلك في ملك الله شيئًا، لأن الملك ملكه لا للطائعين ولا للعاصين .

كذلك أيضًا يقول جل وعلا: يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك في ملكي شيئًا لو كان الناس كلهم من جن وإنس وأولهم وآخرهم، لو كانوا كلهم فجارًا وعلى أفجر قلب رجل، فإن ذلك لا ينقص من ملك الله شيئًا، قال الله تعالى: { إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم } فالله جل وعلا لا ينقص ملكه بمعصية العصاة، ولا يزيد بطاعة الطائعين، هو ملك الله على كل حال .

ففي هذه الجمل الثلاث دليل على غنى الله سبحانه وتعالى، وكمال سلطانه، وأنه لا يتضرر بأحد ولا ينتفع بأحد لأنه غني عن كل أحد .

ثم قال تعالى: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا دخل البحر) ، هذه الجملة تدل على سعة ملك الله عز وجل، والإنس والجن، قاموا كلهم في صعيد واحد فسألوا الله ما تبلغه نفوسهم، من أي مسألة وإن عظمت، فأعطى الله كل إنسان ما سأل بل أعطى الله كل سائل ما سأل فإن ذلك لا ينقص من ملك الله شيئًا، لأن الله جواد، واجد، عظيم الغنى ، واسع العطاء، عز وجل ، إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر أغمس المخيط في البحر .

وانظر ماذا ينقص البحر ؟ إنه لا ينقصالبحر شيئًا، ولا يأخذ المخيط من البحر شيئًا يمكن أن ينسب إليه، وذلك لأنه عز وجل واسع الغنى جواد ماجد كريم سبحانه وتعالى .

(يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها) ، ومعنى إنما هي أعمالكم أي الشأن كله أن الإنسان بعمله، يحصي الله أعماله ثم إذا كان يوم القيامة وفاه إياها: { فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره } ، فمن وجد خيرًا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ؛ لأنه هو الذي أخطأ، وهو الذي منع نفسه الخير، أما إذا وجد خيرًا فليحمد الله، لأن الله هو الذي من عليه أو ً لا وآخرًا، من عليه أولًا بالعمل، ثم من عليه ثانيًا بالجزاء الوافر: { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها } .

فهذا الحديث حديث عظيم، تناوله العلماء بالشرح واستنباط الفوائد والأحكام منه، وممن أفرد له مؤلفًا شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – فإنه شرح هذا الحديث في كتاب مستقل، فعلى الإنسان أن يتدبر هذا الحديث ويتأمله، ولاسيما الجملة الأخيرة منه، وهي أن الإنسان يجزى بعمله، إن خيرًا فخيرًا وإن شرًا فشر، وهذا هو وجه وضع المؤلف لهذا الحديث في باب المجاهدة، أن الإنسان ينبغي له أن يجاهد نفسه وأن يعمل الخير حتى يجد ما عند الله خيرًا وأعظم أجرًا .

 

 

 

اترك تعليقاً