سلسلة اعرف نبيك ** أربعون عامًا قبل النبوة **

في تاريخ :  05 نوفمبر 2017

 

سلسلة اعرف نبيك

** أربعون عامًا قبل النبوة **

تصحيح لغوي ، وتنسيق مقال أ/ إبراهيم باشا .

 

نقلًا بتصرف عن/ عبد الملك بن محمد بن صالح الجاسر .

القاضي في المحكمة الإدارية في حائل .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على الهادي البشير ، وعلى آله وصحبه أجمعين ..

فالسيرة العطرة ، سيرة خير البرية ، معين لا ينضب ، وينبوع صافٍ متدفق ، يرتوي من نميره كل من أراد السلامة والنجاة ،

إنها شمس ساطعة ، وسنًا مشرق ، ومشعل وضَّاء ، يبدد ظلمات الانحراف ، ويهدي سبيل الرشاد .

سأكتب عن أربعين عاماً من حياة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه .

أربعون عامًا كلها صفاء ونقاء .
أربعون عامًا تكلمت فيها الفطرة ، وتجلت فيها الصفات الحميدة ، وظهرت فيها العناية الربانية ، في إعداد سيد البرية .

أربعون عامًا هُيِّئ العظيم فيها لأمر عظيم ، لتكون تلك الأربعين هي بداية التغيير للعالم السفلي من ظلمات الكفر والجهل إلى نور التوحيد والعلم .

 

أربعون عامًا فيها أفراح وأتراح ، وآمال وآلام { وكان الله عليمًا حكيمًا } .

 

ابتدأت تلك الأربعين بـ :

(1) ولادة يتيمة !
توفي الوالد قبل الولادة ، بعد سعي في طلب لقمة العيش ، ليكون على موعد مع القدر في أرض يثرب ، مقبورًا في أحد مقابرها !

وأُودع الوالد والزوج الثرى ، لتعاني الوالدة الحنون آلام الوضع ، وآلام الفقد ، وآلام مستقبل طفل تيتَّم قبل خروجه للدنيا !

 

وتأتي ساعة الصفر وتستبشر الدنيا بـ :

(2) ولادة محمد – صلى الله عليه وسلم – :
فيولد سيد المرسلين بشِعْب بني هاشم ، في صبيحة يوم الاثنين من شهر ربيع الأول ، لأول عام من حادثة الفيل ، وقبل هجرته عليه الصلاة والسلام بثلاث وخمسين سنة ، ويوافق ذلك سنة ( 571 م ) ، حسبما ذكره بعض المحققين .

 

 

تنبيه مهم : قد اختلف المؤرخون من أهل العلم في تحديد يوم ميلاده _ صلى الله عليه وسلم _ هل هو التاسع أو العاشر أو الثاني عشر أو الثامن عشر من شهر ربيع الأول ؟

وهذا الاختلاف في تحديد اليوم الذي وُلد –عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- فيه من شهر ربيع الأوَّل من الأدلَّة التي ذكرها أهل العلم في أنَّ يوم مولده –عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- أو ليلة مولده –عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- لا يترتَّب عليها حكم شرعي، وإلّا لو كان يترتَّب على ذلك حكم شرعيّ أو عمل مشروع لما كان في تحديد مولده هـٰذا الاختلاف الذي يُذكر في جميع كتب التَّاريخ.
ومن جزم بيوم معيَّن من شهر ربيع الأوَّل أنَّه هو يوم مولد النَّبي –عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- فلا دليل واضح عنده على ذلك الجزم.

وفي مكان آخر بعيدًا عن ذلك البيت الصغير الذي وُلد به ذلك العظيم ، وقف رجل يتأمل السماء والنجوم ، فإذا الأمر مختلف عن العادة ، فالآية قد ظهرت !
فما كان منه إلا أن صرخ بقومه : ” يا معشر اليهود ! “

فاجتمعوا إليه فقال : ” طلع نجم أحمد الذي وُلد به في هذه الليلة ” .
نعم . لقد وُلد أحمد ، وها هو بين أحضان أمه ترضعه وتشاركها في ذلك أم أيمن ، وثويبة مولاة أبي لهب .

 

وتمر الأيام … وإذا بالرضيع في :

(3) ديار بني سعد :
فانتقل مع أمه حليمة السعدية لترضعه في مضارب بني سعد بن بكر ، على عادة العرب في التماس المراضع لأولادهم ؛ لتقوى أجسامهم ، ويتقنوا اللسان العربي من صغرهم .

وفي تلك المضارب نشأ محمد الصغير _صلى الله عليه وسلم _
وبها وقف ومشى على قدميه .
وبها ضحك ولعب مع أقرانه الصغار .
فأي براءة وجمال كانت تشع من عيني ذلك الطفل الطاهر ؟!
فصلوات ربي وسلامه عليه .

وفي تلك المضارب رعى الغنم ، وسار خلفها وقادها مع إخوانه من الرضاع .
وتمر الأيام على رعاة الغنم الصغار ، ويبلغ الصغير أربع سنين ،

وبينما هو يلعب مع الغلمان ، إذ به يصرع ويضجع من رَجُلين عليهما ثياب بيض ، لينطلق المنادي إلى أمه بنداء الرعب والخوف : ” لقد قُتل محمد ! ” .

 

فكان ذلك القتل هو :

(4) شق الصدر :
لقد أضجعه الرجلان ، ثم أخرجا منه علقة سوداء فألقياها ، فانتهت حظوظ الشيطان منه ، ثم غسلا قلبه في طست من ذهب بماء زمزم ، ثم أعادا قلبه إلى مكانه ، فجاء الصغير إلى القوم وهو منتقع اللون .

يقول أنس رضي الله عنه : ( وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره ) .

فلما رأت حليمة ذلك : خافت على الصغير من أن يصيبه شيء ، فاتخذت قرارًا بـ :

 

(5) ردِّه إلى أمه الحنون :
فرجع الصغير إلى أحضان أمه ترعاه وتحنو عليه ، فكان عندها حتى بلغ ست سنين ،
لتتحرك عاطفة آمنة وشوقها إلى حيث توفي الزوج ويقطن الأهل ، فعزمت على السفر إلى يثرب ، فتحركت المطايا ، ومكثت شهرًا في يثرب ، ليحين بعد ذلك وقت الرجوع ،

وفي طريق السفر بين يثرب ومكة : توقفت المطايا في مكان يحمل في طياته ذكرى لا تزال عالقة بذاكرة الحبيب حتى بعد النبوة ، فمرَّ يومًا على قبر فانتهى إليه وجلس ، وجلس الناس حوله ، فجعل يحرك رأسه كالمخاطب – كما يروي ذلك بريدة رضي الله عنه – ثم بكى بكاء لم يبكه من قبل ، فاستقبله عمر فقال : يا رسول الله ما يبكيك ؟
فقال : ( هذا قبر آمنة بنت وهب ) !

 

لقد توقفت المطايا في مكان يقال له الأبواء ، ليكون الصغير على موعد جديد مع اليُتْم ، وتؤخذ آمنة منه ، وتوارى بين ناظريه ، لينتقل الطفل باكيًا إلى :

 

(6) جده عبد المطلب :
عاد صغير الآلام إلى الجد العطوف ، الذي رق له رقة شديدة ، فكان لا يدعه وحيدًا ، بل جعله مُقدَّمًا على أولاده وبنيه .
إن لعبد المطلب فراشًا لا يجلس عليه غيره إجلالاً له واحترامًا ، فكان محمد الصغير هو الوحيد المصرح له بالجلوس ، فيأتي الأولاد والأبناء ليُبعدوه ، فيقول الجد : ” دعوه ، والله إن لهذا شأنًا ” !

 

وتمر الأيام ويبلغ الصغير ثمان سنين ، ليكون على موعد جديد مع الآلام ،
فها هو عبد المطلب يوارى الثرى ، لتكون وصيته الأخيرة ، أن يكون الصغير عند :

 

(7) عمه أبي طالب :
فنهض باليتيم على أكمل وجه ، وضمَّه إلى بنيه وقدَّمه عليهم ، واختصه بمزيد احترام وتقدير .

 

وتمر الأيام … ويأتي على قريش سنون عجاف ، أجدبت لها الأرض ، وكاد يهلك بها القوم ، فبات الناس في شظف من العيش ، فما كان من قريش إلا أن طلبوا من سيدهم أبا طالب أن يستسقي لهم ، فكان :

 

(8) أبيض يُستسقى الغمام بوجهه :
خرج أبو طالب يستسقي ، والسماء ما فيها من قزعة ! ومعه الغلام الصغير _صلى الله عليه وسلم _ وبنيه ، فأخذ أبو طالب الغلام اليتيم الصغير – وهو يتذكر كلمات عبد المطلب : ( والله إن لهذا شأنًا ) ! – فألصق ظهره بالكعبة واستسقى .
فأقبل السحاب من كل جانب ، وانفجرت السماء بماء منهمر ، فقال أبو طالب:

وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه — ثِمالُ اليتامى عصمة للأرامل

 

وتمر الأيام … ويبلغ النبي الكريم اثنتي عشرة سنة ، وفي صيف حار تحركت ركائب قريش نحو الشام ، فكانت قصة :

 

(9) بُحيرى الراهب :
فارتحل أبو طالب بقومه ومعه محمد – صلى الله عليه وسلم – ، فلما وصلوا إلى بُصرى نزل القوم للراحة ، فخرج إليهم بحيرى ولم تكن من عادته الخروج إليهم ، فتخللهم حتى جاء إلى الفتى الصغير وأخذ بيده وقال : هذا سيد العالمين ! هذا رسول رب العالمين ! هذا يبعثه الله رحمة للعالمين ! .

فقال أبو طالب وأشياخ قريش : وما علمك بذلك ؟

فقال : إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا خرَّ ساجدًا ، ولا يسجدان إلا لنبي ، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة ، وإنَّا نجده في كتبنا ” .

ثم سأل أبا طالب ألا يذهب به إلى الشام خوفًا عليه من الروم واليهود ، فرده أبو طالب بغلمان معه إلى مكة .

 

وتمر الأيام … وقد شبَّ النبي الكريم ، ولم يكن له عمل معين في أول شبابه ، ولكن جاءت الروايات وتوالت بأن مهنته كانت :

 

(10) رعي الغنم :
لقد كان يسير طوال نهاره خلف الغنم ، فرعاها في بني سعد ابتداءً ، ثم في مكة على قراريط لأهلها .
إن مهنة كهذه يُشترط لها أمانة مع طول نفس ، ولذا : ( ما من نبي إلا وقد رعى الغنم ) ،

ولعل ذلك – والله أعلم – ؛ لأن صورة القطيع شبيهة بسير سواد الأمم ، والراعي قائد يتطلب عليه أن يبحث عن الأماكن الخصبة والآمنة ، كما يتطلب ذلك حماية وحراسة لما قد يعترض قافلة السير .

وهذه المهنة فيها ما فيها من قسوة ومتابعة ، إلا أنها تُثمر قلبًا عطوفًا رقيقًا ،

وواقع حال رعاة الغنم خير شاهد على ذلك .

 

وبعيدا عن العمل وهمومه ، وبعيدًا عن كدح البحث عن لقمة العيش نقف مع :

 

(11) نوازع نفس محمد صلى الله عليه وسلم :
يحدثنا النبي الكريم عن نفسه في تلك الفترة فيقول : ( ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يهمون به من النساء ، إلا ليلتين ، كلتاهما عصمني الله تعالى منهما ، قلت ليلة لبعض فتيان مكة _ ونحن في رعاية غنم أهلنا _ فقلت لصاحبي : أبصر لي غنمي حتى أدخل مكة ، فأسمر فيها كما يسمر الفتيان . فقال : بلى .

 

فدخلت حتى إذا جئت أول دار من دور مكة سمعت عزفًا بالغرابيل والمزامير . فقلت : ما هذا ؟ فقيل : تزوج فلان فلانة .

فجلست أنظر ، وضرب الله على أذني ، فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس .

فرجعت إلى صاحبي ، فقال : ما فعلت ؟ فقلت : ما فعلت شيئًا ، ثم أخبرته بالذي رأيت .

ثم قلت له ليلة أخرى : أبصر لي غنمي حتى أسمر بمكة . ففعل ، فدخلت ، فلما جئت مكة سمعت مثل الذي سمعت تلك الليلة ، فسألت . فقيل : فلان نكح فلانة ، فجلست أنظر ، وضرب الله على أذني ، فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس ، فرجعت إلى صاحبي فقال : ما فعلت ؟ قلت : لا شيء ، ثم أخبرته بالخبر ، فوالله ما هممت ولا عدت بعدها لشيء ، حتى أكرمني اله بنبوته ) .

إنها الرعاية الربانية ، تقف للحيلولة بينه وبين تلك النوازع ، ولذلك جاء في الأثر : ( أدبني ربي فأحسن تأديبي ) .

 

وتمر الأيام … ليبلغ النبي الكريم عشرين عامًا ، ليشهد حربًا وقعت في شهر حرام ، فتُسمى بـ :

 

(12) حرب الفِجَار :
وقعت تلك الحرب بين قريش ومعهم كنانة وبين قيس عيلان ، فاصطف القوم ووقعت حرب ضروس ،

وكان النبي الكريم يجهز النبل للرمي ، وكثُر القتل في الطرفين ، حتى رأى عقلاء القوم أن وضع أوزار الحرب والاصطلاح خير من الملحمة ، فهدموا ما بينهم من العداوة والشر ، وعلى أثر ذلك حصل :

 

(13) حلف الفضول :
إنه حلف الخير والعدالة ، تداعت إليه قبائل من قريش في ذي القعدة ، وكان اجتماعهم في دار عبد الله بن جدعان التيمي ، فتعاهدوا وتعاقدوا على ألا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها وغيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه ،

وشهد هذا الحلف النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – ، وقال عنه بعد أن أكرمه الله بالنبوة : ( لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم ، ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت ) .
ولا عجب في ذلك ، فهو نبي العدالة والرحمة .

 

وتمضي الأيام … ويبلغ النبي الكريم الخامسة والعشرين من عمره ، ليخرج إلى :

 

(14) تجارة الشام :
وذلك في مال لخديجة بنت خويلد ، بعد أن سمعت بأخبار الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم ، وجعلت معه غلام لها يُقال له : ميسرة .

 

ذهب النبي الكريم إلى الشام ، فما لبث أن رجع إلى مكة ، فرأت خديجة في مالها من الأمانة والبركة ما لم تره من قبل ، وحدَّثها ميسرة بما رآه من حال الصادق الأمين ، فما كان منها إلا أن سعت ليكون الخبر في أرجاء مكة :

 

(15) محمد – صلى الله عليه وسلم – زوج لخديجة _ رضي الله عنها _ !
وذلك بعد أن تقدم لها سادات قريش ، فكان الإباء عليهم هو الجواب .

ثم لمَّا رأت ما رأت بعد تلك التجارة المباركة عزمت على نية أفصحتها لصديقتها نفيسة بنت منبه ، فقامت بدورها بذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فرضي بذلك ، إلا أن والد خديجة حاول عبثًا الوقوف أمام هذا الزواج الميمون ، إلا أن حيلة خديجة كانت حَكَمًا قاضيًا في الموضوع ،

فما الذي فعلته خديجة ؟!
يروي لنا ابن عباس رضي الله عنهما ذلك فيقول :
” إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر خديجة – وكان أبوها يرغب عن أن يزوجه – ، فصنعت طعامًا وشرابًا ، فدعت أبوها وزمرًا من قريش ، فطعموا وشربوا حتى ثملوا . فقالت خديجة لأبيها : إن محمدًا بن عبد الله يخطبني فزوجني إياه . فزوجها إياه . فخلقته وألبسته حلة – وكذلك كانوا يفعلون بالآباء -، فلما سرى عنه سكره ، نظر فإذا مخلق وعليه حلة ، فقال : ما شأني هذا ؟ قالت خديجة : زوجتني محمد بن عبد الله . قال : أُزوّج يتيم أبي طالب ؟! لا لعمري .

فقالت : أما تستحي ؟! تريد أن تسفه نفسك عند قريش ، تخبر الناس أنك كنت سكران ! فلم تزل به حتى رضي ” .

ويتزوج الشريف الشريفة ، وتمر الأيام والأعوام على ذلك البيت الهادئ الجميل ، ويُرزق منها بالبنين ، والنبي الكريم يُقري الضيف ، ويعين الملهوف ، وينصر المظلوم ، ويكون في حاجة أهله .

 

ويجرف مكة سيل عرم وينحدر إلى البيت فيُصدّع جدرانه حتى أوشك على الوقوع والانهيار ، فاتفقت قبائل قريش على :

 

(16) إعادة بناء الكعبة :
وتبني قريش الكعبة بشرط مسبوق : ” ألا يدخل في بنائها إلا طيبًا ، فلا يدخل فيها مهر بغي ، ولا بيع ربًا ، ولا مظلمة لأحد من الناس ” .

ويشارك النبي الكريم صاحب الخمس وثلاثين عامًا في البناء ، ويحمل الحجارة من الوادي مشاركًا قومه في مثل هذا الحدث العظيم .

ويرتفع البناء ، ويعود للبيت جلاله وهيبته ،

ولما بلغ البنيان موضع الحجر الأسود حصل الاختلاف ، وتنازع القوم في شرف وضع الحجر الأسود أربع ليال أو خمس حتى كادت الحال أن تتحول إلى حرب ضروس ! إلا أن أبا أمية بن المغيرة المخزومي عرض عليهم أن يحكموا فيما شجر بينهم أول داخل عليهم من باب المسجد ، فارتضى القوم ذلك .

فإذا بمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب يكون ذلك الداخل ، فهتف القوم : أن رضينا بالأمين .

فطلب عليه الصلاة والسلام رداءً فوضع الحجر وسطه ، وطلب من رؤساء القبائل المتنازعين أن يمسكوا جميعًا بأطراف ذلك الرداء ، وأمرهم أن يرفعوه ، حتى إذا أوصلوه إلى موضعه أخذه بيده فوضعه في مكانه . فرضي القوم بذلك ، وانتهى نزاع كادت دماؤه أن تصل إلى الركب .

 

وتمر الأيام … وغربة النبي الكريم تزداد يومًا بعد يوم ، فوجوه يعرفها ، وأحوال ينكرها ، كان ذا صمت طويل يزدان بالتأمل والنظر .

لقد كانت تلك الفطرة التي جُبل عليها تمنعه من أن ينحني لصنم ، أو يهاب وثن .

فاعتزل القوم لما رأى من سفاهة أحلامهم ، وتفاهة عقولهم ، فكان عليه الصلاة والسلام لا يحضر عيدًا لوثن ، ولا يشهد احتفالاً عند صنم ، ولا يحلف بالَّات ، ولا يتقرب لعُزَّى ، ولا يشرب خمرًا ، ولا يأكل مذبوحًا على نُصب ، فأبغض ذلك كله .

يقول مولاه زيد بن حارثة رضي الله عنه : ” … فوالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب ما استلم صنمًا حتى أكرمه الله بالذي أكرمه وأنزل عليه ” .

فكان عليه الصلاة والسلام موحدًا على ملة إبراهيم الخليل عليه السلام .
لقد جمع الصادق الأمين من الأوصاف والشمائل ما جعلت محبته لا تقف عند البشر ، بل تتعداه إلى الحجر والشجر ،

يقول عليه الصلاة والسلام بعد أن أكرمه الله بالرسالة : ( إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أُبعث ) ! .
فصلوات ربي وسلامه عليه .

 

وتمر الأيام … حتى بدأ طور جديد من حياته صلى الله عليه وسلم ، فكان يرى الرؤية ثم لا يلبث حتى يراها واقعًا مشهودًا أمامه ،

فكان ذلك بداية بشرى النبوة والرسالة والاصطفاء ، لتكون البداية الحقيقة في الغار بـ { اقرأ باسم ربك الذي خلق } ،

وينادي المنادي في أصقاع المعمورة : إن محمدًا قد بُعث !

فإذا عقارب السنين والأعوام قد دقت الأربعين !
فصلوات ربي وسلامه عليه …

تلك الأربعون _ لعمر الحق _ : عراقة الخلال ،

فكيف بما بعد الأربعين ، حين بُعث إلى العالمين ؟!
{ وإنك لعلى خلق عظيم } .

 

 

 

اترك تعليقاً