الدكتور العادل: تركيا تتجه نحو تغييرات كبيرة لمصلحة الأمة الإسلامية
أظهرت نتائج الانتخابات التركية التي جرت مؤخرا تقدم حزب العدالة والتنمية الإسلامي الذي ينتمي إليه “رجب طيب أردوغان”، وحصل الحزب على ما يقارب الــ50 % من مقاعد البرلمان، وبذلك يكون قد نجح في إرسال رسالة داخلية وخارجية، تتمثل في كسب تأييد الشارع التركي في سياسته الخارجية والتي أظهر فيها مواقف مناوئة لــ (إسرائيل) وكذلك تصديه للعلمانية في تركيا، وإجراءه إصلاحات قضائية من شأنها الحد من نفوذ المؤسسة العسكرية التي تدعم المدرسة الكمالية.. وللتعرف على مستقبل تركيا في ظل فوز حزب العدالة والتنمية وتداعياته على السياسة الداخلية والخارجية للحكومة التركية في المرحلة القادمة، استضاف موقع البيان الدكتور “محمد العادل” الخبير في العلاقات العربية التركية وكان معه الحوار التالي:-
البيان: ما هي الأسباب الذي مكّنت حزب العدالة والتنمية من تحقيق فوز جديد في الانتخابات؟
حجم الإنجازات خلال الفترة الماضية التي حكم فيها حزب العدالة والتنمية تركيا والتي استمرت لفترتين انتخابيتين، حيث تسلم السلطة عام 2002، وكانت تركيا تمر بأزمة اقتصادية، وغارقة في الديون، حمل برامج سياسة و اقتصادية واضحة، كذلك توجه إلى التنمية الاجتماعية، في كل مناطق تركيا التي كانت مهمشة في الفترات السابقة، ولم يركز فقط على المدن الرئيسية بل شملت عمليات التنمية مناطق الأكراد و الأناضول.. وكذلك في عهد ( العدالة والتنمية) قطعت تركيا نهج الاستدانة من الخارج بشكل نهائي وحركت الحكومة عملية التنمية الصناعية وأصبحت صادرتها تصل إلى أماكن كثيرة في العالم، وهذا جعل حجم الصادرات التركية يصل إلى 500 مليار دولار في العام ، بالرغم من أن تركيا لا تصدر النفط. وكذلك في الوقت الذي كانت فيه أوروبا والعالم يعاني من حدة الأزمة العالمية ، لم تتأخر الحكومة التركية في دفع رواتب موظفيها ولم تشعر بهذه الأزمة إطلاقاً.
البيان: ما هي أبرز إصلاحات حكومة “أردوغان”؟
الناخب التركي يدرك هذه الإصلاحات ويشعر بها على أرض الواقع، وقد شملت هذه الإصلاحات ثلاثة جوانب مختلفة وهي على المستوى الداخلية شملت جانب سياسي ودستوري حيث تم تعديل 26 مادة دستورية تتعلق بالحد من هيمنة المؤسسة العسكرية وتحد من تأثيرها على المؤسسة المدنية.وكذلك إعادة هيكلة مؤسسة القضاء التي كانت تستخدم من قبل المدرسة (الكمالية) العلمانية.
وكذلك الجانب الاقتصادي وتحريك عملية التنمية ورفع معدلات الدخل والتخفيف من نسبة البطالة.
وهناك عامل ثالث وهو أضاف رصيد لحزب العدالة والتنمية وهو السياسة الخارجية لتركيا حيث توجه إلى صياغة سياسة خارجية جديدة، أعطت لتركيا دوراً فاعلاً ويتناغم مع طموحات الشعب التركي، وهذا الأمر ساهم في التأثير على الانتخابات لكنه يبقى ضعيف في التأثير لأنه لا يتعدى التأثير النفسي فقط، لأن الناخب التركي يهتم بالتغييرات التي تجري في الداخل مثل الإصلاح الاقتصادي والتنمية وتحسين مستوى الدخل والحرية العام.
البيان: هل يستطيع التوافق مع أحزاب المعارضة؟
حزب العدالة والتنمية حقق فوز مكنه من السيطرة على نصف مقاعد البرلمان، لكن الأحزاب الأخرى وهي أحزاب المعارضة تمثل النصف الأخر من البرلمان لا تستطيع مجابهة حزب العدالة والتنمية لأنها منقسمة ومتشرذمة ولا تقدم مشروعات يمكن أن تقنع الناخب التركي، ما منح حزب العدالة للفوز هو البرنامج الذي يحمله والإنجازات التي قدمها، لكن الأحزاب الأخرى لا تمتلك برامج يمكن أن يشعر بها الناخب التركي لذلك يبقى العدالة والتنمية يحتفظ بقوته في البرلمان.
البيان: لماذا تعطي الأحزاب التركية هذه الأهمية لصياغة دستور جديد؟
خرجت هذه الرؤية لتعديل الدستور الذي وضعه الجنرالات في مطلع الثمانينات، لأن الجميع في تركيا يعتقد بأن هذه الدستور لا يلبي طموحات الشعب التركي، خلال فترة حكم حزب العدالة والتنمية السابقة اصطدمت طموحات الحزب بإعادة صياغة الدستور بالمؤسسة العلمانية والقضاء وتنازل عن التغيير الكامل، واقتصر الأمر على إجراء تعديل لبعض البنود.
وحالياً يعد الحزب بإعادة صياغة الدستور بشكل كامل لإنهاء تدخل المؤسسة العسكرية، ويتم استكمال عملية فصل السلطات، ومشروع الدستور له أهميته من حيث القدرة على تعميق الحريات والتأسيس لديمقراطية حقيقية . وأرى إن حصول حزب العدالة والتنمية على نسبة 50% من أصوات الناخبين هو حالة من الاستفتاء على تغيير الدستور، لأن الحزب وضع (تغيير الدستور) أول بند في برنامجه الانتخابي..
البيان: هل ينجح (العدالة والتنمية) في إيجاد إجماع على تغيير الدستور؟
إن عدم حصول حزب العدالة والتنمية على ثلثي مقاعد البرلمان هو في صالح الشعب التركي، لأنه أحياناً تولد الدكتاتوريات من رحم الديمقراطية، صحيح أن الانتخابات أثبتت تقدم شعبية الحزب، لكن لم يحصل على ما يريد، وهذا لن يعطيه الفرصة في الهيمنة على البرلمان بشكل كامل، وبذلك يدفعه الشعب التركي لضرورة التوافق مع الأحزاب الأخرى.
هناك حالة من التوافق حول مسألة صياغة الدستور الجديد، أحزاب المعارضة كانت تضع هذا المطلب كجزء من برنامجها الانتخابي ومن بينها حزب الشعب الجمهوري (الكمالي) وبذلك يكون وعدا قطعته على نفسها وعليها الالتزام به أمام الناخبين، وبقية الأحزاب كذلك تريد تغيير الدستور لأن الجميع يرى بأنه لايلبي طموحات الشعب التركي.
البرلمان التركي مؤهل أكثر للتوافق حول صياغة دستور جديد يضمن عدالة للجميع، وانفتاح ومستوى راقي من الحريات.
هناك أكثر من 33 نائب كردي في البرلمان دخلوا بشكل مستقل لذلك يقومون بتشكل كتلة حزبية، وهم من صالحهم تغير الدستور من أجل الاعتراف بحقوقهم الثقافية والعرقية، سيحصل جدل لكنه سيكون في حدود واقعية و صحية..
البيان: هل تأثر هذه الانتخابات على السياسة الخارجية لتركيا؟
خطاب “أردوغان” في احتفال الفوز قال فيه إن انتصار الحزب في الانتخابات هو انتصار لدمشق ولتركيا وللشرق الأوسط…() وليس تركيا فقط ، وهو بذلك أراد القول بأن الدور الإقليمي لتركيا يتعاظم أكثر وهذا التأييد الشعبي هو تجديد لثقة الشارع التركي بالسياسة الداخلية والخارجية لحزب العدالة والتنمية.
البيان: هل علاقة (إسرائيل) بتركيا ستتأثر بعد فوز (العدالة والتنمية) مرة أخرى؟
مواقف تركيا من (إسرائيل) يساندها الشعب التركي ، لذلك إذا اعتذرت (إسرائيل) لتركيا عن ما جري ـ بعد حادثة سفينة (مرمرة) قبالة سواحل غزة ـ لا أتوقع أن تعود العلاقات على طبيعتها، لن يكون مستقبلاً شراكة إستراتيجية ، وستكون علاقة عادية مثل أي بلدين ، هناك رغبة واضحة لدى الحكومة التركيا بتعاظم دورها الإقليمي في العالم العربي والإسلامي ، وهذا جزء من موجة الإصلاح السياسي في الشرق الأوسط.
المصدر: موقع البيان