قال الألوسى رحمه الله تعالى وقوله تعالى : { وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } أي من جملتهم ، وحكمه حكمهم ، وهو خرج مخرج التشديد والمبالغة في الزجر لأنه لو كان المتولي منهم حقيقة لكان كافراً وليس بمقصود(اى ليس بمقصود أن يكون كافر ) ، وقيل : المراد ومن يتولهم منكم فإنه كافر مثلهم حقيقة ، وحكي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، ولعل ذلك إذا كان توليهم من حيث كونهم يهوداً أو نصارى(اى مولاتهم من حيث دينهم ) ، وقيل : لا بل لأن الآية نزلت في المنافقين ، والمراد أنهم بالموالاة يكونون كفاراً مجاهرين .([6])
( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْـــــــسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَـــــانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا )
( قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ )
وكذلك قول آل فرعون : ( قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ)( 48 ) (القصص )
أي كان بعهم لبعض معاوناً ، قال ومعاونتهم على المسلمين فهل هذا من باب عطف العام على الخاص أم هذا له معنى وهذا له معنى ، وأكثر الشراح على أن المعنى واحد ويكون المعنى من باب التأكيد .
وقال بعضهم بل إن المظاهرة تزيد شيئاً على المعاونة وهو إرادة ظهور الكفر على الإسلام مع الإعانة وعليه يكون لزوم أن يكون هذا الناقض لمن أراد ظهور الكفر على الإسلام وعاون عليه
والدليل على إن المظاهرة ناقض للإسلام ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) المائدة , وفى كتـــــاب الله آيات كثيرة تنهى عن تولى الكافرين وهى آيات متنوعة قال تعالى : ( لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) آل عمران ، وقال تعالى : ( وَدُّوا لَـــــــوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُـــلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ( ا لنساء ) (89)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( المائدة ) (57)
بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ( النساء ) (139)
تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) المائدة
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23) التوبة
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (14) المجادلة
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1) الممتحنة
إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9)الممتحنة
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (13) الممتحنة
فالناظر في الآيات الكريمة يري أنها تدور على شئ وهو الموالاة والولاء
تعريف الموالاة والولاء :
فالولاء في اللغة هو القرب والبراء أصله الخلوص في الشئ
وأما في الشرع:
قال ابن تيمية : أصل الموالاة الحب وأصل المعاداة البغض
وأصل الموالاة هي المحبة كما أن أصل المعاداة البغض فإن التحاب يوجب التقارب والاتفاق والتباغض يوجب التباعد والاختلاف[2]وعلى هذا فان الولاء هو محبة الله ورسوله ونصرة الدين ويفهم من التعريف ان الولاء والبراء من أعمال القلوب ، فالبراء يراد به المودة القلبية الخالصة للإسلام و أهله وانتصار أهله والبراء عدواته ، قال ابن تيمية : والموالاة والموادة وإن كانت متعلقة بالقلب لكن المخالفة في الظاهر أهون على المؤمن من مقاطعة الكافرين ومباينتهم[3]
وقال أيضا فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ يُوَالِي أَعْدَاءَ اللَّهِ بِقَلْبِهِ ؛ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًاً عَلَى أَنَّ قَلْبَهُ لَيْسَ فِيهِ الْإِيمَانُ الْوَاجِبُ . (مجموع الفتاوى)( باب من نفى الله عنه الإيمان ج7 ص)17و قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن في الدرر السنية : قال :أصل المودة الحب واصل المعادة البغض وينشأ عنهما أعمال القلوب والجوارح وما يدخل في حقيقة المولاة والمعاداة كالنصرة والمعاونة والجهاد والهجرة أما تفسير قول الله تعالى ومن يتولهم منكم فانه منهم فهذه الايه فسرها أهل العلم من المفسرين بتفاصيل تصب في معنيان كما سيأتي إن شاء الله لابد من تعين احدهما في حال من الأحوال قال بن عطية رحمه الله تعالى :وقوله تعالى : { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } ، ومن تولاهم بمعتقده ودينه فهو منهم في الكفر واستحقاق النقمة والخلود في النار ، ومن تولاهم بأفعاله من العضد ونحوه دون معتقد ولا إخلال بإيمان فهو منهم في المقت والمذمة الواقعة عليهم وعليه[4]معنى الآيه من تولاهم في معتقده ودينه فهو يعنى من كانت ولايته للكفار ولاية فى الكفر والدين فهو منهم واستحقاق النقمة والخلود في النار، وأما من تولاهم في الأفعال دون المعتقد من العضــــــــد من المساعدة ونحوه دون إخلال بإيمان فهو منهم في المقت والمذمة الواقعة عليهم وعليه و قال الطاهر بن عاشور: وقوله : ( ومن يتَولّهم منكم فإنّه منهم) ، ( مَن ) شرطيّة تقتضي أنّ كلّ من يتولاّهم يصير واحداً منهم . جعل ولايتهم موجّبة كونَ المتولّي منهم ، وهذا بظاهره يقتضي أنّ ولايتهم دخولٌ في ملّتهم
بيان قول ابن عاشور :
قوله تعالى ومن هذه شرطيه لان الله قال فانه منك فيقول هذه شرطيه فيقتضى أن من تولاهم صار واحد منه يقول وهذا بظاهره يقتضى دخول في ملتهم لان معنى البعضيه هنا لا يستقيم إلا بالكون في دينهم
ثم قال ولمّا كان المؤمن إذا اعتقد عقيدة الإيمان واتّبع الرسول ولم ينافق كان مسلماً لا محالة كانت الآية بحاجة إلى التأويل ، وقد تأوّلها المفسّرون بأحد تأويلين : إمّا بحمل الولاية في قوله : ( ومن يتولّهُم ( على الولاية الكاملة الّتي هي الرضي بدينهم والطعنُ في دين الإسلام ، ولذلك قال ابن عطيّة : ومن تولاّهم بمعتقده ودينه فهو منهم في الكفر والخلود في النّار .
وأمّا بتأويل قوله : ( فإنّه منهم ( على التشبيه البليغ ، أي فهو كواحد منهم في استحقاق العذاب ……. وقد اتّفق عُلماء السنّة على أنّ ما دون الرّضا بالكفر وممالأتهم عليه من الولاية لا يُوجب الخروج من الربقة الإسلاميّة ولكنّه ضلال عظيم ، وهو مراتب في القُوّة بحسب قوّة الموالاة وباختلاف أحوال المسلمين .[5]
وبن عاشور رحمه الله على تأويل الايه وبيان ذلك ان الفاعل إذا اتبع عقيدة الإيمان واتبع الرسول وكان مسلما لا محالة فلابد من تأويل هذه الايه ولا تحمل على ظاهرها
قال أما المفسرون في تفسيرها على احد التاؤلين إما تحمل على ظاهرها ويكون المرد بالولاية هنا تكون الولاية الكاملة وهذه قد يطلق عليه بعض العلماء من المتأخرين التولي فيفرقون بين التولي والمولاة فيقولون التولي و الولاية الكاملة أو الولاية المطلقة أو العامة
وهى محبة المشركين ونصرتهم على المسلمين ومحبة ظهور دينهم على دين الإسلام ( وهى الولاية الكاملة أو التولي على حسب اصطلاح المتكلم ) وأما النوع الثاني
وهو المولاة فيطلق على الولاية غير التامة
أو الولاية المقيدة
وهى التي تكون ولاية في شئ أو أشياء وليست ولاية عامة أو كاملة فبن عاشوررحمه الله يقول إما أن تحمل الولاية في قوله ومن يتولهم على الكاملة ثم يفسر الكاملة التي هي الرضي بدين الكفر والطعن في دين الإسلام
وأما أن تأول على هذا النحو بأنها من التشبيه البليغ أى فهو كواحد منه في استحقاق العذاب ثم عقب قوله ……. وقد اتّفق عُلماء السنّة على أنّ ما دون الرّضا بالكفر وممالأتهم عليه من الولاية لا يُوجب الخروج من الربقة الإسلاميّة ولكنّه ضلال عظيم
فلذلك نقول إن هذا المعنى يحمل على من لم يرضى بدين الكفار ولم يحب دينهم ولم يسعى في نصرتهم على المسلمين وهو يحب ذلك
قال الألوسى رحمه الله تعالى وقوله تعالى : { وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } أي من جملتهم ، وحكمه حكمهم ، وهو خرج مخرج التشديد والمبالغة في الزجر لأنه لو كان المتولي منهم حقيقة لكان كافراً وليس بمقصود(اى ليس بمقصود أن يكون كافر ) ، وقيل : المراد ومن يتولهم منكم فإنه كافر مثلهم حقيقة ، وحكي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، ولعل ذلك إذا كان توليهم من حيث كونهم يهوداً أو نصارى(اى مولاتهم من حيث دينهم ) ، وقيل : لا بل لأن الآية نزلت في المنافقين ، والمراد أنهم بالموالاة يكونون كفاراً مجاهرين .([6])
قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى { لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } [الممتحنة: 8، 9]
فالنهي واقع على التولي والمحبة لأجل الدين (دين الكفر )، والأمر بالإحسان والبر واقع على الإحسان لأجل القرابة أو لأجل الجيرة أو الإنسانية على وجه لا يُخل بدين الإنسان .انتهى كلامه [7]
وقد قسم بعض أهل العلم مظاهرة أهل الشرك على المسلمين على أقسام قال الشيخ صالح أل فوزان حفظه الله على أقسام قال حفظه الله تعالى :
القسم الأول مظاهرتهم ومعاونتهم على المسلمين مع محبة ما هم عليه من الكفر والشرك والضلال, فهذا القسم لاشك أنه كفر أكبر مخرج من الملة, فمن ظاهرهم وأعانهم وساعدهم على المسلمين مع محبة دينهم وما هم عليه والرضا عنهم وهو مختار غير مكره فإنه يكون كفراً أكبر مخرج من الملة على ظاهر قوله تعالى { فَإِنَّهُ مِنْهُمْ }( وهو ما يسمى بالولاية التامة أو الكاملة أو التولي )
الثاني :
أن يعاونهم على المسلمين لا مختاراً وهو لا يحبهم بل يكرهونه على ذلك بسبب إقامته بينهم فهذا عليه وعيد شديد ويخشى عليه من الكفر المخرج من الملة ودليل ذلك أن المشركين لما أكرهوا جماعة من المسلمين يوم بدر على الخروج معهم لقتال المسلمين فإن الله سبحانه وتعالى أنكر عليهم ذلك حيث إنهم تركوا الهجرة وبقوا مع المشركين وعرضوا أنفسهم إلى ما وقعوا فيه من إكراههم على الخروج مع أنهم يبغضون دين الكفار ويحبون دين المسلمين ولكن بقوا في مكة لا عن محبة للكفار أو محبة لدينهم فأنزل الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97)النساء فالذي ترك الهجرة وهو يستطيع ولم يهاجر وبقي يسكن مع المشركين وأخرجوه معهم لقتال المسلمين هذا عليه وعيد شديد انتهى بتصرف
قال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله تعالى
الثالث:
من يعين الكفار على المسلمين وهو مختار غير مكره مع بغضه لدين الكفار وعدم الرضا عنه فهذا لا شك أنه فاعل لكبيرة من كبائر الذنوب ويخشى عليه من الكفر.
مسائل متفرعة من المسالة
من يعين الكفار على الكفار الذين لهم عهد عند المسلمين فهذا حرام ولا يجوز لأنه نقض لعهد المسلمين
قال:
صلى الله عليه وسلم – ((من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة)) وإذا كان الله عز وجل قد نهى المسلمين عن مناصرة المسلمين على الكفار إذا كان للكفار عهد عند المسلمين فكيف بمن ظاهر الكفار على نقض عهد المسلمين قال الله تعالى { وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ }
الثانية .:
وهو مودة الكفار ومحبتهم من غير إعانة لهم على المسلمين هذا نهى الله عنه ونفى عن صاحبه الإيمان قال الله جل وعلا { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ } وقال تعالى { وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ } وقال { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ…….. } إلى قوله { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ }انتهى كلامه حفظه الله تعالى انتهى كلامه ([8])
فالحاصل هو ذكر التفصيل من أقوال أهل العلم في هذه المسالة وكافة مسائل التكفير
ومسائل والولاء والبراء حرصا من الوقوع في حبائل التكفير الذي فتح مصراعيه عن آخرهما
في هذا الزمان .
وعلى هذا فمن يكفر بالتولي أو الولاية العامة المطلقة هو الذي يظاهر المشركين مع محبته لدينهم ومحبة ظهورهم على المسلمين أو رضا بما هم عليه من الشرك وأما ما دون ذلك فلا يخرج من الملة وان كان صاحبه على خطر عظيم فمن والى المشركين ونقول والى وليس تولى أي ولاهم لغرض دنيوي وفلا يكفر بهذا وان كان كبيرة وعمل عملا محرما
والدليل في ذلك وهو الأصل قصه حاطب بن أبى بلتعة [9]
فعن عبيد الله بن أبي رافع يقول سمعت عليا رضي الله عنه يقول
: بعثني رسول الله صلى الله عليه و سلم أنا والزبير والمقداد فقال ( انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها ) . قال فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة قلنا لها أخرجي الكتاب قالت ما معي كتاب فقلنا لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب قال فأخرجته من عقاصها فأتينا رسول الله صلى الله عليه و سلم فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس بمكة من المشركين يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم . فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( يا حاطب ما هذا ؟ ) . قال يا رسول الله لا تعجل علي إني كنت امرءا ملصقا(اى فقير) في قريش يقول كنت حليفا ولم أكن من أنفسها وكان من معك من المهاجرين من لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون قرابتي ولم أفعله ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( أما إنه قد صدقكم ) . فقال عمر يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق . فقال ( إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله قد اطلع على من شهد بدرا فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) . فأنزل الله السورة { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق – إلى قوله – فقد ضل سواء السبيل }
رواه البخارى طبعة بيروت ج4ص1557
فبين حاطب ما حمله على ما فعل حين سأله النبي ما حملك على هذا فأجاب بأنه غرض دنيوي وليس حبا للكفر أو حب ظهوره على الإسلام ولهذا أردف حاطب رضي الله عنه قوله قال( ولم أفعله ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام) فبين حاله حين فعل فقال له النبي انه صدقكم وهذا صريح أن النبي لم يكفره لان لو كان مجرد الفعل كفرا لما احتاج حاطب أن يقول لم افعله كفر
اى لو كان الفعل كفر ما احتاج أن يقول ما فعلته كفر لان الفعل ان كفرا فلا فرق بين الفاعل على سبيل الجد والهزل ولذلك فى مسالة الاستهزاء لما اعتذروا قال الله تعالى (لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ )[10] لان الفعل لو كان كفرا فلا فرق بين من يفعله على سبيل الجد أو الهزل فحاطب رضى الله عنه لم افعله كفر فيدل على إن الفعل قد يكون كفر وقد لا يكون كفرا ابتداء
ويكون كفرا إذا رضي المرء بدين الكافرين وكان ارتداد عن الدين قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن في الدرر
فدخل حاطب بالمخاطبة باسم الإيمان ووصفه وهو منهم اى المؤمنين وتناوله النهى بعمومه ( يعنى أن النهى يتناول حاطب ) وله خصوص السبب الدال على ارداته ما إن فى الآية يشعر أن فعل حاطب نوع مولاة وانه ابلغ إليهم بالمودة فان فاعل ذلك قد ضل سواء السبيل لكن قول النبي صلى الله عليه وسلم( صدقكم خلو سبيله )ظاهر بأنه لا يكفر بذلك إذا كان مؤمن بالله ورسوله غير شاك ولا مرتاب وإنما فعل ذلك لغرض دنيوي ولو كفر لما قيل خلو سبيلهم( تنبه لذلك)
مسالة:
قد يعترض احدهم بقوله إن النبي قال لعمر لعل الله اطلع على أهل فقال اعملوا ما شتت فقد غفرت لكم
والجواب
بان هذا غير مانع من الكفر لماذا لأنه لو كفر بفعله لحبط عمله كله قال الله تعالى (ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون) وقال تعالى( لان أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين(
فليس كونه من أهل بدر مانع من الكفر فلا يقال أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ماشئتم وبيانه أن من أتى منهم بكفر يحبط عمله ولا يبقى شى من الحسنات كما بينت الآيات الكريمات فى بيان أن من أشرك ولو وقع الشرك منهم وهم الصفوة قال تعالى ولو (اشركو لحبط عنهم ما كان يعملون) بعد ذكر جمله من الأنبياء والرسل قال تعالى( وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ([11])
قال البغوى (وَلَوْ أَشْرَكُوا } أي: هؤلاء الذين سميناهم، { لَحَبِطَ } لبطل وذهب، { عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ الأنعام[12])
فهؤلاء أنبياء لو وقعوا فيما ذكر الله وحاشاهم وهم صفوة خلق الله دلت الايه على حبوط الأعمال
فكذلك لو كفر حاطب لحبط عمله كله لاينفعه جهاد ولا اى شئ لان الكفر يذهب ما قبله كما يذهب الاسلام ما كان قلبه من المعاصي والاثام وكذلك الكفر ياتى على الاعمال من القواعد فيجعلها تخر كما يخر السقف من بعد علواو ظهور إلى اندثار ونثور
فدات الايه على ان حاطب لم يكفر وان كان وقع فى محذور
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمه الله :
اما قول الله تعالى وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ…….الايه [13]
قوله لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ………. الايه[14]
وقوله لاتخذوا قال كل هذا فسرته السنة وقيدته وخصته بالمولاة المطلقة العامة
وعليها فلا ياخذ اقوال و نصوص من كتاب الله وتقيم الحكم على النص منفردا وتمهل باقي النصوص وقد بينت السنة بان الكفر الواقع هو على من رضي بحال الكفار ودينهم مع المحبة القلبية لهم وأما من فعل ذلك لغرض الدنيا والجاه والمنصب فلا يخرج من دائرة الإسلام
قال الشيخ عبد اللطيف رحمه الله :
واصل المولاة هو الحب والنصرة والرضا ودون ذلك مراتب متعددة ولكل ذنب حظه وقسطه من الوعيد والذم وهذا عند السلف الراسخين في العلم من الصحابة والتابعين معروف فى هذا الباب
قال السعدي قى قوله ومن يتولهم فأولئك هم الظالمين قال ذلك الظلم بحسب المتولي
فااذا كان تولى عام (الذى يشمل المحبه والنصرة والرضا )كان ذلك مخرج من الإسلام وتحت ذلك من المرتب ما هو غليظ وما هو دونه
وقال:
التولى التام يوجب الانتقال الى دينهم والتولى القليل يدعوا الى الكثير ثم يندرج شيئا فشيئا (لذلك قلنا ان فاعله على خطر
قال ابن العثمين رحمه الله تعالى :
فى قوله ومن يتولهم منكم (فانه منهم) قال هو من فى الظاهر بسبب المعاونه والمناصرة ولكن هل يكون منهم فى الباطل نقول يمكن ان يكون منهم لانه قد تؤدى تلك المناصرة إلى المحبة ثم تؤدى الى الخروج من المله اذا فان قوله _من بتولهم منكم فهو منهم) فى الظاهر ورب تؤدى الى الباطل وعقيدتهم واخلاقهم
فالحاصل يا رحمكم الله
فى هذا الباب ان التكفير فى مولاة الكافرين فلابد ولازما ان يكون بشروط وينبغى ان يقيد المطلق من هذه النصوص بما جاء فى السنه
مساله:
نقل بعض اهل العلم اجماع كفر من تولى المشركين وان لم يرضى ما هم عليه من اكفر وقال بان هذا مجمع عليه من العلماء ومن قال بهذا بن حزم الظاهرى رحمه الله قال فى قوله ومن يتولهم منكم فانه منهم صح أن قوله تعالى {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة، آية 51]، إنما هو على ظاهره بأنه كافر من جملة الكفار فقط، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين [15]
لكن كلام بن حزم يحتمل التفصيل السابق قال انه على ظاهره على التفصيل السابق
والاصرح منه ما نقله الشيخ سليمان بن عبد الله فى رساله الدلائل فى حكم مولاة اهل الاشراك
قال وقد اجمع اهل العلم على ان من ظاهرالكفار من اى الممل الكفريه على المسلمين وساعدهم باى نوع من المساعدة فهو كافر مثلهم
وايضا نقل عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ان ذلك رده وخروج عن الدين والقول فى الاجماع الذى نقله الشيخ سليمان رحمه الله تعالى ان فيه نظر لما تقدم من اقوال العلماء الراسخين كما تقدم وذكرنا التفصيل فى المولاة
ثم ان هذا الاجماع جاء من المتأخرين ولم يكن من المتقدين فالامام الشافعى رحمه الله يقول بخلاف هذا وكذلك من المفسرين كابن عطيه وبن العربى المالكى رحمه الله قال
فى قول تلقون اليهم بالمؤدة قال يعنى فى الظاهر لان قلب حاطب كان سليما بالتوحيد وفى الاثر ان النبى صلى الله عليه وسلم قال قد (واما صاحبكم قد صدق )
وقد ذكر بن الجوزى الامام رحمه اله تعالى فى تفسره زاد المسير الذى يذكر فيه الاقوال للمفسرين
قد ذكر قوالين فى الايه ومن يتولهم فى الدين فانهم منه فى الكفر والقول الثانى ومن يتولهم فى العهد فانه منهم فى مخالفة الامر وسوف ياتى ان شاء الله تعالى فى اخر الرساله من اقوال وفتاوى اهل العلم على عدم انعقاد
كلام حول نقل الاجماع على كفر من ظاهر المشركين مطلقا :
نقل بعض المتاخرين على كفر من ظاهر المشركين على المسلمين وان كان ذلك لأمر من أمور الدنيا وهذا الإجماع ليس صواب ولا يعرف له اصل سوى ما ذكر عن بن حزم
قلنا ان بعضهم نقل الاجماع واستدل بكلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الناقض الثامن [16]
وهذا الاجماع ليس له اصل الا ما يفهم من كلام بن حزم
وكلامه له وجه من التاويل وعلى هذا يكون الكلام خارج عن محل النزاع
الذى هو من ظاهر المشركين وعاونهم با ى وجه من الوجوه كافر خارج من الملة وقد ذكرنا أقسام المعاونة والمظاهرة وذكرنا بان نوع واحد منها هو الذى يخرج المسلم من الملة ان فعلها
وذكرنا الادله وابرزها حديث حاطب رضى الله عنه واقوال المفسرين من السلف
وقلنا اذا كانت الايات عامه فان السنه خصصت هذه الايات العامة فيجب المصير والرجوع الى هذا الخاص وهذا مبدأ عند اهل العلم الراسخين انهم يجمعون بين الادلة ولا يربون بعضها ببعض ثم كلام الرجال احرى ان يحتج له ولا يحتج به واذا كان بن حزم قال كذا او شيخ الاسلام محمد بن عبد الوهاب قال كذا فهذا ليس قران يتلى ولا قول لمعصوم انما هو قول رجل من كبار العلماء وكل ياخد منه ويرد كما قال مالك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ثم وجب بيان ذلك فذكرنا تفسيرا لقوله (ومن يتولهم منكم) وبينا أن التولي له معنى وانه يجب ان يحمل عليه امرا من امرين كما قال الطاهر بن عاشور وقال غيره منهم أي في المعاملة وغير ذلك ذكرنا نقول عن المتقدمين والمتأخرين من المفسرين وإذا قال احدهم أن هناك إجماع فيقال (له ثبت العرش ثم انقش)
فأين هذا الإجماع وما مبتداه فهل هو عن الصحابة او التابعين ومن الذي نقله فان قال الإمام بن حزم قاله نقول ان بن حزم قال صح ان قوله تعالى (ومن0 يتولهم) إنما هو على ظاهره كما هو معروف من مذهب بن حزم رحمه الله تعالى بانه كافر من جمله الكفار وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين
فنقول ان هذا قد خرج عن محل النزاع لاننا لا نختلف في كفر المتولي لكن ما هو التولى الذى يراد فى قوله ومن (يتولهم منكم ) على ظاهر الاية وما ذهب اليه بن حزم :
فيقال هذا هو محل البحث والتنازع أن نعرف أصل التولي وهل هناك فرق بين المولاة والتولي أم لا
فكلام بن حزم لا يفيد شئ في بيان معنى التولي وإنما افاد كفر فاعله
فنرجع الى التولى ونبين ان هناك فرق بين التولى والمولاة وان التولى معناه المولاة العامه وحملت على هذا التعريغ لان السنه بينة ان ليس كل تولى او مولاه بعتبر صاحبها كافر بدليل فعل حاطب بن ابى بلتعة أردا ان يظاهر المشركين على المسلمين والآيات نزلت في حق حاطب كما قال أهل العلم ان الله فال يا أيها الذين امنوا (فادخل حاطب في النداء وهو أول من يخاطب بالآية )(لا تتخذوا عدوى وعدوكم)الايات
و حاطب رضى الله عنه بين انه لم يفعل ذلك ارتدادا عن الدين ولا رضا بالكفر بعد الإسلام وإنما فعل ذلك لغرض دنيوي والنبي صلى الله عليه قبل منه ذلك وقد تقدم الرد على ان النبى صلى الله عليه منعه انه كان من اهل بدر وقد تقدم الرد على ذلك فالحاصل أن المانع على عدم تكفيره ليس شهوده بدر وإنما المانع انه ليس بكافر وفعله ليس كفر
فنعود ونقول هل كلام بن حزم صريح فيما ذهب اليه بعض المتاخرين كمن جعل التولى او المولاه لافرق بين صنف وصنف وان مجرد المظاهرة والمعاونة ولو من اجل غرض دينوى مخرج من المله فالجواب ان قال على فرض نقله للاجماع لا يفهم منه ذلك
مساله:
قد يقال ان النبى صلى اله عليه وسلم منع عمر من ضرب عنقه(اى حاطب) من اجل انه من أهل بدر ولولا انه من اهل بدر لقتل
والجواب أن هناك أصل وهو أن إنزال العقوبة بالشخص لا يلزم كفره ومثاله في الذين خرجوا مع المشركين في يوم بدر قال الله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [17]( فالله عز وجل لا يلومهم بكفرهم وإنما دخلوا النار جراء فعلهم و مثاله قول النبي صلى الله عليه في الثلاثه قال النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى وَهُوَ كَاذِبٌ وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ)[18] وذلك فى السنه كثير فنقول هل يلزم ذلك كفرهم فالجواب لا وكذلك في قوله لا يدخل الجنة قتات فعن (حُذَيْفَةُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ)[19] اى نمام فهل يقال بكفره الجواب ايضا لا فهذا اصل لابد ان يتنبه اليه جيد ويستدل على ان الذنب من كبائر الذنوب والله الموفق
واما ما نقله الشيخ سلميان بن عبد الله
قال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ رحمه الله كما في مقدمة كتاب “الدلائل”: وقد أجمع أهل العلم على أن من ظاهر الكفار من أهل الكتاب وغيرهم من الملل الكفرية على المسلمين وساعدهم بأي نوع من المساعدة فهو كافر مثلهم، قال الله جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ. انتهى.
نقلا من المقدمة
فهذا كلام صريح وأما كلام بن حزم فهو محتمل
واما نقل الشيخ سليمان ونقل من ينقل هذا الإجماع نقول ان هذا الاحماع مخروم بيقين
ولا يعول عليه ابدا ولا يمكن ان يقول منصف انه اجماع
بيان ذلك ما قال الشافعى صرح بان حاطب رضى الله عنه لم يكفر مع إن فعله إعانة قويه للمشركين على جيش المسلمين الذى يتقدمه النيى صلى الله عليه وسلم
( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَحِلُّ دَمُ من ثَبَتَتْ له حُرْمَةُ الْإِسْلَامِ إلَّا أَنْ يَقْتُلَ أو يَزْنِيَ بَعْدَ إحْصَانٍ أو يَكْفُرَ كُفْرًا بَيِّنًا بَعْدَ إيمَانٍ ثُمَّ يَثْبُتُ على الْكُفْرِ وَلَيْسَ الدَّلَالَةُ على عَوْرَةِ مُسْلِمٍ وَلَا تَأْيِيدُ كَافِرٍ بِأَنْ يُحَذِّرَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يُرِيدُونَ منه غِرَّة لِيُحَذَّرَهَا أو يَتَقَدَّمَ في نِكَايَةِ الْمُسْلِمِينَ بِكُفْرٍ بَيِّنٍ فَقُلْت لِلشَّافِعِيِّ أَقَلْت هذا خبرا ( ( ( خير ) ) ) أَمْ قِيَاسًا قال قُلْتُهُ بِمَا لَا يَسَعُ مُسْلِمًا عَلِمَهُ عِنْدِي أَنْ يُخَالِفَهُ بِالسُّنَّةِ الْمَنْصُوصَةِ بَعْدَ الِاسْتِدْلَالِ بِالْكِتَابِ فَقِيلَ لِلشَّافِعِيِّ فاذكر ( ( ( فذكر ) ) ) السُّنَّةِ فيه قال أخبرنا سُفْيَانُ بن عُيَيْنَةَ عن عَمْرِو بن دِينَارٍ عن الْحَسَنِ بن مُحَمَّدٍ عن عُبَيْدِ اللَّهِ بن أبي رَافِعٍ قال سَمِعْت عَلِيًّا يقول بَعَثَنَا رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أنا وَالْمِقْدَادُ وَالزُّبَيْرُ فقال انْطَلِقُوا حتى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فإن بها ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ فَخَرَجْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا فإذا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ فَقُلْنَا لها أَخْرِجِي الْكِتَابَ فقالت ما مَعِي كِتَابٌ فَقُلْنَا لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أو لَتُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ فَأَخْرَجَتْهُ من عِقَاصِهَا فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم
فإذا فيه ( من حَاطِبِ بن أبي بَلْتَعَةَ إلَى نَاسٍ من الْمُشْرِكِينَ مِمَّنْ بِمَكَّةَ ) يُخْبِرُ بِبَعْضِ أَمْرِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال ( ما هذا يا حَاطِبُ ) قال لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي كُنْت امرءا مُلْصَقًا في قُرَيْشٍ ولم أَكُنْ من أَنْفُسِهَا وكان من مَعَك من الْمُهَاجِرِينَ لهم قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بها قَرَابَاتِهِمْ ولم يَكُنْ لي بِمَكَّةَ قَرَابَةٌ فَأَحْبَبْت إذْ فَاتَنِي ذلك أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا وَاَللَّهِ ما فَعَلْتُهُ شَكًّا في دِينِي وَلَا رِضًا بالكفر بَعْدَ الْإِسْلَامِ فقال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ( إنَّهُ قد صَدَقَ ) فقال عُمَرُ يا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبُ عُنُقَ هذا الْمُنَافِقِ فقال النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ( إنَّهُ قد شَهِدَ بَدْرًا وما يُدْرِيَك لَعَلَّ اللَّهَ عز وجل قد اطَّلَعَ على أَهْلِ بَدْرٍ فقال اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ ) قال فَنَزَلَتْ ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ) ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في هذا الحديث مع ما وَصَفْنَا لَك طَرْحُ الْحُكْمِ بِاسْتِعْمَالِ الظُّنُونِ لِأَنَّهُ لَمَّا كان الْكِتَابُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ما قال حَاطِبٌ كما قال من أَنَّهُ لم يَفْعَلْهُ شَاكًّا في الْإِسْلَامِ وَأَنَّهُ فَعَلَهُ لِيَمْنَعَ أَهْلَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ زَلَّةً لَا رَغْبَةً عن الْإِسْلَامِ وَاحْتَمَلَ الْمَعْنَى الْأَقْبَحَ كان الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِيمَا اُحْتُمِلَ فِعْلُهُ وَحُكْمُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فيه بِأَنْ لم يَقْتُلْهُ ولم يَسْتَعْمِلْ عليه الْأَغْلَبَ وَلَا أَحَدٌ أتى في مِثْلِ هذا أَعْظَمُ في الظَّاهِرِ من هذا ( ( ( هذه ) ) ) لِأَنَّ أَمْرَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم مُبَايِنٌ في عَظَمَتِهِ لِجَمِيعِ الْآدَمِيِّينَ بَعْدَهُ فإذا كان من خَابَرَ الْمُشْرِكِينَ بِأَمْرِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَرَسُولُ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم يُرِيدُ غِرَّتَهُمْ فَصَدَّقَهُ ما عَابَ عليه الْأَغْلَبَ مِمَّا يَقَعُ في النُّفُوسِ فَيَكُونُ لِذَلِكَ مَقْبُولًا(وفى الحديث ترك الحكم بالطنون ولا نبى الحكم بالظن لان النبى ليس احد اعظم حرمه عند المسلمين من النبى وكان حاطبيعين على من هو اعظم حرمه ومع ذلك لم يقول النبى باحتمال كذب حاطب انما قال صدق حاطب
قِيلَ لِلشَّافِعِيِّ أَفَرَأَيْت إنْ قال قَائِلٌ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال قد صَدَقَ إنَّمَا تَرَكَهُ (اى ترك حاطب ) لِمَعْرِفَتِهِ بِصِدْقِهِ لَا بِأَنَّ فِعْلَهُ كان يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَغَيْرَهُ فَيُقَالُ(اى يجاب عليه ) له قد عَلِمَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَاذِبُونَ وَحَقَنَ دِمَاءَهُمْ بِالظَّاهِرِ فَلَوْ كان حُكْمُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم في حَاطِبٍ بِالْعِلْمِ بِصِدْقِهِ كان حُكْمُهُ على الْمُنَافِقِينَ الْقَتْلَ بِالْعِلْمِ بِكَذِبِهِمْ وَلَكِنَّهُ إنَّمَا حَكَمَ في كُلٍّ بِالظَّاهِرِ وَتَوَلَّى اللَّهُ عز وجل منهم السَّرَائِرَ وَلِئَلَّا يَكُونَ لِحَاكِمٍ بَعْدَهُ أَنْ يَدَعَ حُكْمًا له مِثْلَ ما وَصَفْت من عِلَلِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَكُلُّ ما حَكَمَ بِهِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَهُوَ عَامٌّ حتى يَأْتِيَ عنه دَلَالَةً على أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ خَاصًّا أو عن جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَا يُمْكِنُ فِيهِمْ أَنْ يجهلوا ( ( ( يجعلوا ) ) ) له سُنَّةً أو يَكُونُ ذلك مَوْجُودًا في كِتَابِ اللَّهِ عز وجل)[20] انتهى كلامه رحمه الله تعالى
فهاهو الشافعي بين انه ليس كفر فكيف يقال ان هناك اجماع
2 القرطبى صرح بوضوح قال رحمه الله تعالى :
ان من كثر اطلاعه الكفار على عورات المسلمين لا يكفر اذا كان اعتقاده سليم مع ان هذه إعانة قويه للمشركين والكفار قال فى التفسير :
من كثر تطلعه على عورات المسلمين وينبه عليهم ويعرف عدوهم بأخبارهم لم يكن بذلك كافرا إذا كان فعله لغرض دنيوي واعتقاده على ذلك سليم؛ كما فعل حاطب حين قصد بذلك اتخاذ اليد ولم ينو الردة عن الدين)[21]
فكلام القرطبى واضح خلاف الاجماع المنقول وهل هو خرق الاجماع فيتحتم ان يقال من القائل بالاجماع واين مظانه ولعل القائل بالاجماع بناه على ما قاله بن حزم رحمه الله ولما اطلعوا على كلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في الناقض الثامن من نواقض الاسلام جعله اصلا لا يمكن مخالفته
قال بن الجوزى رحمه الله في قوله ومن يتولهم منكم فانه منهم
قوله تعالى : { ومن يتولّهم منكم فإنه منهم } فيه قولان .
أحدهما : من يتولهم في الدين ، فانه منهم في الكفر .
والثاني : من يتولهم في العهد فانه منهم في مخالفة الأمر[22]
فنقول هل خرق بن الجوزى رحمه الله الاجماع
رابعا:
قال الالوسى:
وقيل : المراد ومن يتولهم منكم فإنه كافر مثلهم حقيقة ، وحكي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، ولعل ذلك إذا كان توليهم من حيث كونهم يهوداً أو نصارى(اى مولاتهم من حيث دينهم ) ،
خامسا :
أن أئمة المذاهب الأربعة لا يرون كفر الجاسوس الذى بفشى سر المسلمين الى الكفار وهذا ما اختاره بن القيم وبن تيمه
قال بن القيم:
قال في زاد الميعاد في هدى خير العباد تحت باب فصل: فى حكمه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فى الجاسوس
ثبت أن حاطب بن أبى بَلتعة لما جسَّ عليه، سأله عمرُ رضى الله عنه ضربَ عنقه، فلم يُمكنه، وقال: “مَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُم، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ”. وقد تقدم حكم المسألة مستوفى.
واختلف الفقهاء فى ذلك، فقالَ سحنون: إذا كاتب المسلمُ أهلَ الحرب، قُتِلَ، ولم يُستتب، ومالُه لورثته، وقال غيرُه من أصحاب مالك رحمه الله: يُجلد جلداً وجيعاً، ويُطال حبسه، ويُنفى مِن موضع يقرب من الكفار. وقال ابن القاسم: يُقتل ولا يعرف لهذا توبة، وهو كالزنديق.
وقال الشافعى، وأبو حنيفة، وأحمد رحمهم الله: لا يُقتل، والفريقان احتجوا بقصة حاطب، وقد تقدم ذِكرُ وجه احتجاجهم، ووافق ابنُ عقيل من أصحاب أحمد مالكاً وأصحابه.)[23] انتهى
ونقل الاجما ع الحافظ بن حجر عن الطحاوى انه حكى الاجماع على ان الجاسوس المسلم لا يقتل فدل عليه انه لا يكفر
فالواضح ان مسالة الجاسوس وقتله فيه خلاف دل على عدم كفر فمن اين الاجماع المنقول وما مستند الاجماع
وقد تقدم كلام العلامه السعدى رحمه الله
قال الشنقيطى ويفهم من ظواهر هذه الآيات أن من تولى الكفار عمداً اختياراً ، رغبة فيهم أنه كافر مثلهم)[24].
وتقدم كلام الشيخ الى فوازن قال التولى على قسمين الاول من اجل الدين وهو كفر مخرج من المله والاخرمن اجل الدنيا فهو كبيرة,
شبهة والرد عليها ان مسالة الجاسوس خاصة لا يخرق بها الاجماع والاجماع منعقد
والرد على ذلك
1ان من حكى الاجماع اكدوا كل صورة حتى الصور القوليه يعنى قالوا ان من
ظاهر الكفار من اهل الكتاب وغيرهم من الملل الكفرية على المسلمين وساعدهم بأي نوع من المساعدة فهو كافر مثلهم
فيقال فلما تخرجون الجاسوس وبأي دليل وقد نقلتم الإجماع على كفره إذا ساعد باى نوع من انواع المساعدة
2 ان من يتميز به دليل الإجماع ان يكون قطعي الدلالة فليس هو من الادله المجملة حتى يحتاج الى بيان
فلما نتفق وننقل اجماع فيعنى انه اجماع في كذا واضح بين ولا يحتاج إلى تأويل أو بيان أو تخصيص فيكون قطعي الدلالة في المسالة التي نقل فيها
مثال نقل الإجماع على حرم السرقة فلا يستقيم أن نقول إلا فى كذا وكذا لا فهو قطعي الدلالة
3 ان من نقل الإجماع فهم من العلماء المتأخرين ولو كانوا في المسالة إجماع لما أغفله المتقدمين من المفسرين والفقهاء مع كثرتهم ودقتهم
4 أن في كلام العلماء الأوائل والمتأخرين من علق التكفير بالاعتقاد لا على العمل فهولاء اذا ذكروا مسالة الجاسوس ذكروها قطعا لا تخصيصا لأنهم لا يكفرون بمجرد العمل
يعنى لما ذكروا مسالة الجاسوس ذكروها تمثيل لمن ظاهر المشركين بقول او عمل ولم يذكروها بانها تخصيص كما قال ناقلي الإجماع
شبهة والرد عليها
يقولون إن حاطب كان متأول ولولا ذلك لكفره النبى نقول هذه يرد عليها اولا ان النبى لما سال حاطب عن عذره لم يعتذر بانه تاول دليل شرعى لم يقل كنت احسبه كذا او كذا بل ذكرا انه فعله ولم يفعله الا لحظ دنيوى
فهنا ذكره فعله ان غرضه دنيوى
2 ثانيا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفهم أن حاطب كان متأول لذلك وذلك لم يكشف شبهة كان حاطب متمسك بها
3 ان النبى صلى الله عليه وسلم اقر بأنه عاصي ولكنه مغفور له لكونه من أهل بدر لا من اجل التولى ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمررضى الله عنه عندما قال يارسول الله دعنى اضرب عنق فقا ل له النبى دعه يا عمر فلعل الله اطلع على اهل بدر فقال اعملوا من شئتم فمعناه إن فعله يستحق عليه ضرب العنق وذلك لإقرار النبى لقول عمر والدليل ان النبى لم يقل لعمر دعه يا عمر لا يحل دم امرو مسلم الا باحد ثلاث وإنما منع عمر منه لكونه من أهل بدر وان النبي اقر بان حاطب عاصي ولكنه مغفور له لأنه من اهل بدر
وهنا تاتى مسائل تابعه للمسالة التى نحن يصددها
مسائل حكم زواج الكافر من المسلمة
ابتداء لا يجوز المسلمة أن تنكح من غير المسلم لقوله (وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ)[25] والقول موجه لأولياء الأمور
لكن يجوز للمسلم ان يتجوز من الكافرة بشرطين الأول أن تكون من أهل الكتاب
2 ان تكون محصنة
لكن هل يعد حبها من الظهار او التولى والقول فى ذلك
انه لا حتى وان كان هناك حب لانها محبة طبيعية محبه العشرة فهو لا يحب دينها فلا يعد من التولى
ثانيا : مكافأة الكافر على صنيعهم لنا لقول الله (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ )[26]
وإذا كان لهم يد علينا من معروف فيجوز الإحسان اليهم وهذا مما أمر الله به ويجوز لهم الدعاء بالهدايه وصلاح الحال وهناك الفاظ معينه تقال للمكافأة منها الشكر وغيرها من الدعاء ومنها صلاح الحال التي منها صلاح الدين
ثالثا :
المعاملة التجارية مع امن احد البلاد الغير مسلم مثل الصين مثلا فيجور التعامل معهم وان كانوا على غير الدين
فلا يقال قائل إن التعامل معهم والترويج للبضائع المستورة من تلك البلاد هو معاونه لهم على المسلمين ومظاهرة لان فيها الترويج وإرباحهم و بذلك تكون لهم اليد العليا علينا نحن المسلمين ويكونوا أقوى من المسلمين وان تتبعا قوله على ما قدم من الكلام تجده يقول ومن استورد لا نشترى منه ثم يقول ومن اشترى شي مستورد فقد خرج من ملة الإسلام ومن لم يكفره فهو كافر مثله ولله المتشكي من ضيق العقول والصدور
رابعا:
يجوز للمسلمين في استخدام الكفار في الأمور التي لا يحسنها إلا هم
ويجوز الاستفادة من خبراتهم التي هم أتقن لها واعلم ويجوز إجارتهم
خامسا : بر الوالد الغير مسلم يجور ذلك وهو داخل تحت آية الممتحنة وداخل تحت ما بوبه البخارى لحديث اسماء بنت ابى بكر رضى الله عنها وكذلك حديث بن عمر رضى الله عنها قال باب الهدية للمشركين وقول الله ـ تعالى ـ: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ} [الممتحنة: 8]. ثم أورد فيه حديث أسماء بنت أبي بكر ـ رضي الله عنهما ـ قالت: قدمت عليَّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فاستفتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قلت: إن أمي قدمت وهي راغبة؛ أفأصل أمي؟ قال: «نعم! صِلي أمك»، وأورد فيه كذلك حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: رأى عمر حلة على رجل تباع، فقال للنبي -صلى الله عليه وسلم- ابتعْ هذه الحلة تلبسها يوم الجمعة، وإذا جاءك الوفد.
فقال: «إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة».
فأتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منها بحلل، فأرسل إلى عمر منها بحلة، فقال عمر: كيف ألبسها وقد قلتَ ما قلتَ فيها؟
قال: «إني لم أكسُكَها لتلبسها؛ تبيعها أو تكسوها».
فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يُسْلم[27]
6 يجوز أن ندارى الكفار إذا خشي المسلمين من شر الكفار قال تعالى الا ان تتقوا منهم تقاه ويحذركم الله
يعنى الذي تولى الكفار بالمحبة والمعاونة والمظاهرة قد تبرأ الله منه (إلا أن تتقوا منهم تقاة )وهى المدارة إذا خشي المسلمين من الكفار وليس هذا من المولاة و انما من المدارة فنحن نداريهم لدفع شرهم وليس هذا من المولاة وإنما من المدارة والتقية والمدارة بمعنى واحد وهناك فرق بين المدارة والمداهنة
فالمداراة بذل الدنيا لحماية الدين والمداهنة هي بذل الدين لأجل الدنيا
قال السعدى رحمه الله تعالى وقوله: { إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً } أي: إلا أن تخافوا على أنفسكم في إبداء العداوة للكافرين، فلكم- في هذه الحال- الرخصة في المسالمة والمهادنة، لا في التولي الذي هو محبة القلب، الذي تتبعه النصرة.[28]
يجوز مشاركة غير المسلم وقال به الجمهور من أهل العلم ولكن اشترط الإمام أحمد رحمه الله ان تكون اليد العليا للمسلم لا لغير من المشاركين له فى التجارة من غير المسلمين والعلة أن المسلم يتوقا ما لا يتوقاه غير المسلم من معاملة ومن عقود مبرمة إلى آخره من أمور التجارة والمسلم يفعل ذلك تقوى وغيره لا يفعل
فلابد التنبه لهذه المسائل العظام التي لا يتكلم فيها من لم تحصل له درجة التحقيق من أهل العلم وطلبته حتى تتبين له الامور واضحه جليه حتى لايقع فى ما يحمد عقباه من تكفير للمسلمين ولا يقال بانه مجتهد فى قوله لانه لم يصل الى درجة الاجتهاد و اذا ألزمنا المتكلم ان يكون على درجة من التحقيق فى المسائل العظام من امور التكفير فكان واضحا جليا الا يتكلم من هو دونه من عوام الناس الذين لايفقهون وفى تلك الامور التى لايتكلم فيها الا العلماء الربانين من اهل التحقيق والتدقيق والله المستعان