التربية الصحيحة للأبناء
وأهمية القدوة الصالحة في التربية
تصحيح لغوي ، وتنسيق مقال أ/ إبراهيم باشا
نقلاً بتصرف عن / خالد سلامة
يقول خالد سلامة :
لقد أوصى الله تعالى الأبناء ببر الوالدين في مواضع كثيرة ولم يوصِ الأباء بحسن تربية الأبناء بنفس الدرجة ، وذلك باعتبار أن الآباء يحبون أبناءهم بالفطرة حبًا شديدًا ، ويندفعون بالغريزة نحو إحسان تربيتهم والاهتمام بهم ورعايتهم ،
أما وقد تغيرت النفوس وتبدلت القلوب وطغت المادة وجهل الناس كثيرًا من أمور دينهم فأصبح واجبًا على كل أب أن يعرف حقوق ابنه عليه التي قررها الشرع الكريم .
نحن نجد اليوم الشكوى تتكرر من عقوق الأبناء للأباء ، وقد يرجع السبب الأساس في هذا إلى الأباء ؛ حيث أنهم لم يحسنوا تربية أبناءهم ولم يعلموهم شيئًا من كتاب الله تعالى ولم يؤدُّوا حقوقهم عليهم .
فيجب على الآباء أثناء تربية أبناءهم أن لاينسوا التربية على الرجولة والشجاعة ،
فكثير من الآباء يعتبرون أن الطفل ليس له شخصية وليس له رأي ومن ثم يتعامل معه على هذا الأساس فلا يأخذ رأيه في شيء ولا يشاوره في أمر ، فينموا الطفل بغير قوة في الشخصية أو اعتمادًا على النفس أو ثقة في الرأي ن
والحقيقة أن الطفل ومنذ سن مبكرة جدًا يكون لديه شخصية ورأي في أشياء كثيرة ، بل وربما يستنبط أشياء يعجز عنها الكبار .
فهناك فرق بين التربية على الرجولة والشجاعة وبين سوء الأدب مع الكبير أو عدم احترامه فالشجاعة تعني عدم الرهبة أو الخوف من الحق أو من الصدق ،
فالشجاع يقول الحق لايخشى أحدًا إلا الله .
فكما يجب أن نربي أبناءنا على الشجاعة الأدبية ينبغي أن نربيهم على الشجاعة القتالية وحب الشهادة في سبيل الله .
فنحن لا نكون مبالغين إذا قلنا أننا نساعد في التقليل من شأن أبناءنا وعدم إعطاءهم الفرصة حتى يكونوا رجالًا بحق ،
فيجب أن نمنحهم ثقتنا ولا نقلل من شأنهم ونحترم آراءهم ونُشْرِكهم معنا في بعض الأمور ونشعرهم بأنهم أصبحوا رجالًا يعتمد عليهم ، ونحثهم في التربية على احترام الكبير واحترام المعلم ، فاحترام الكبير قيمة عليا من قيم المجتمع المسلم ، والذي لايعرف احترام الكبير لايعرف الإسلام ،
فاحترام الكبير عمومًا واجب ، واحترام الوالدين أوجب وأعظم .
فيجب على الأب أن يعلم ذلك لابنه ، وأن يعلمه بر الوالدين ويوضح له أنها من أعظم الواجبات ، وليضرب له المثل بالقصص الدينية التي تحثه على البر ولا ينسى ذكر رسولنا الكريم فهو لنا أسوة حسنة .
فبر الوالدين يفرج كرب الإنسان وينقذه من المهالك ،
فالأب يجب أن يربي أبناءه على المعاني والقيم ، ويشرح لهم أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام وقصص بر الوالدين مع ذكر فضلهما على الإنسان حتى لا تتكرر المآسي التي نراها اليوم ونشهدها من رجل يسب والديه ، وآخر يضربهما ، وثالث يفضل زوجته على أمه .
وأيضا من أهم القيم التي يجب تربية الأبناء عليها أيضا هي احترام المعلم ،
فالمعلم بمنزلة الوالد بل إن المعلمين ورثه الأنبياء .
ولقد كان مجتمع الصحابة – رضوان الله عليهم – يدرك هذه القيمة ، قيمة احترام العلم وصاحبه وتبجيل المعلم .
فالمجتمع الذي تنتشر فيه إهدار لقيمة المعلم تنتشر فيه أيضًا إهدار لقيمة العلم وإهدار قيمة احترام الكبير ، فينهار المجتمع الذي تهدر فيه هذه القيم .
ولا شك أن كلًا منَّا يريد أن يصبح ابنه طبيبا أو مهندسا أو معلمًا أو أن يحتل أحد المناصب الرفيعة في الدولة .
إن لكل شاب ولكل فتى ميولًا ورغبات واستعدادات فطرية تختلف عن الآخر ، ولدى أصحاب علم النفس ما يسمى بمبدأ الفروق الفردية ، فالمهم أن توجه الابن التوجيه الصحيح بما يناسب ميوله ورغباته وقدراته .
ومن هنا كان واجب على المربي أو المعلم أو الوالد أن ينظر كل منهم في أمر الصبي وفي عقله ، ويقيم قدراته تقييمًا صحيحًا حتى يحدد له المجال الذي يناسبه أو يساعده في تحديده واختياره .
فالخلاصة أن لكل منَّا ميول ورغبات وصفات تختلف عن غيره ،
فلْنفهم ذلك جيدًا ، ولنقدر كل واحد من الأبناء قدره ، ولنحاول أن نضعه في موضعه الصحيح فيما يناسب قدراته وإمكاناته .
ولا ننسى أن الأب الناجح هو الأب الذي يمنح الطفل ثقته ويشجعه على أن يمضي قُدُمًا إلى العمل بدون خوف أو خجل ، لكي ينمو الطفل بطريقة طبيعية ، ويتخطى العقبات التي من الممكن أن تقابله في الحياه العملية .
فلابد أن نقف معه ونمنحه ثقتنا وحبنا ، ولا نحاول تحجيمه وإلجامه بحجة الخوف عليه من الفشل .
فلقد جرفت المادة الطاغية اليوم بتياراتها العارمة كثيرًا من الروحانيات والمثل والقيم التي كان يتمسك بها المجتمع ، حتى وصل الأمر الى لبنة المجتمع والأسرة ، ففترت فيها العلاقات بين الأفراد الذين تربطهم أقوى الصلات وأمتن الروابط ، وأصبح كثيرًا من الآباء لا يرون أبناءهم إلا وَهُمْ نيام ،
فلقد انحصر دور أكثر الآباء في الحصول على الغذاء والكساء والدواء لأولادهم وتوفير مصاريف التعليم لهم .. ونحو ذلك ،
ولا يدرون أن عليهم واجبًا عظيمًا نحو تعليم أبنائهم أمور الدين ، وتربيتهم على الخلق الكريم ومراقبة سلوكهم ، وتوجيههم التوجيه السليم نحو الحق .
فإن كان واجب على الآباء توفير الحياة الكريمة لأبنائهم ، فواجب أيضًا عليهم تربيتهم على الخلق الفاضل ومراقبة سلوكياتهم ، حتى لاينحرفوا ، فيضيع التعب هباءً ، ويصبح كَدَّ الوالد كأنه لم يكن ،
وأفضل شيء يمكن أن يمنحه الوالد لولده هو الأدب الحسن ، فهو سبيله إلى النجاح في الدنيا والفلاح في الآخرة .
كما أن تخصيص وقت للجلوس مع الأولاد يوميًا يساعد على استقرارهم العاطفي .
فلن ينجح الأب في تربية ابنه تربية جيدة على الخلق والعلم إلا إذا كان الأب نفسه قدوة لابنه في الخلق والعلم ،
قدوة في الدين ، قدوة في كل مايريد أن يعلمه له .
فليس من المعقول مثلًا : أن ينصح الأب ابنه بعدم الكذب ، ثم يراه الابن يكذب أمام عينيه .
ولأهمية عنصر القدوة في حياة البشر ولكون الإنسان بطبيعته يحتاج لمن يراه على المبدأ حتى يسير خلفه ويصدق به ،
ومن أجل ذلك بعث الله الرسل للناس ليكونوا لهم قدوات صالحة تُحتذى ، فيرون الأقوال أفعالًا ، ويرون الأخلاق تمشي على الأرض .
فالفعل أبلغ من الكلام وقديمًا قيل : ” فعل رجل في ألف رجل خير من قول ألف رجل لرجل ”
فالقدوة والعمل أهم من القول المجرد .
والقدوة الصالحة من أعظم المعينات على تكوين العادات الطيبة .
فالطفل يحب المحاكاة من تلقاء نفسه ،
لذلك يجب أن يعلم كل أب أن عامل القدوة أكبر العوامل المؤثرة في التربية ، وفي تربية الطفل خصوصًا ؛ لأنه يتعلم في البداية بالمحاكاة والتقليد ، وأي فعل يفعله الأب يخالف قوله لابنه فسوف يمحو الفعل القول ويثبت الفعل .
مثال : نصيحة الأب لابنه بعدم التدخين ، في حين أن الأب يدخن .
فعلى الأب أن يكون قدوة في العقيدة أولًا ، فلا يأتي أي أمر من أمور الشرك ، ولا يتوكل إلا على الله ، ولا يعتقد النفع والضر إلا من الله .
ثم على الوالد أن يكون قدوة صالحة لأولاده في العبادة ، فيحافظ على الصلاة والصيام والزكاه والدعاء وتلاوة القرآن والأذكار والأدعية المأثورة عن الحاجات المختلفة ، ويبتعد عن المحرمات ويتجنب الشبهات .
وأيضًا على الوالد أن يكون قدوة لولده في الأخلاق فلا يكذب ولا يغش ولا يسرق ولا يتجسس على أحد ولا يغتاب أحدًا ولا يظلم أحدًا ،
وليعلم الوالدان أن الخلق الذي يتعوده الولد في الصغر سيظل معه طيلة حياته ولن يستطيع التغلب عليه بسهولة ، فليراع تعويده على الفضائل .
وعلى الوالد أن يكون قدوة لولده في المعاملات فلا يتعامل بالربا ولا بالقمار ولا بغيره مما حرم الله تعالى ،
ويجب أن يكون هذا شأن كل مربي سواء أب أو أم أو معلم أو غيرهم .
فالأب الصحيح هو الأب العطوف الرحيم بأبنائه ،
فلايظن أحد أن اللعب مع الأطفال وملاطفتهم والمزاح معهم ينقص من قدره .
فقد كان من رحمة الرسول عليه الصلاة والسلام بالأطفال هو التجوز في الصلاة وعدم الإطاله عند سماع بكائهم .
فهل تعلم أن الحب من أقوى الوسائل المؤثرة في تعليم الأبناء ، فالطفل يتعلم شعوريًا أو لا شعوريًا معظم القيم الخلقية من أولئك الذين يعجب بهم ويحبهم .
وإن كنا نحتاج الى الرفق في المعاملة مع الآخرين فأولى الناس بالرفق هم الأهل والأولاد .
فليس معنى عطف الوالد وحبه لولده ورحمته عليه أن يتهاون معه في التربية أو أن يدلِّلَه دلالًا زائدًا عن الحد ، ويتجنب توبيخه عن الخطأ أو ضربه عندما يستحق ذلك لأنه لا يوجد أسوأ من الدلع .
فالطفل الذي طلباته كلها مجابه ولا يعترض عليه أحد وينفذ ما يريد ، هو طفل فاشل إن لم يتدارك الوالدان تقويمه .
كما أن من أهم الصفات التي يحتاجها الأب هي صفة الصبر ؛ وذلك لأن التعامل مع الأبناء يحتاج إلى الصبر الجميل ، وخصوصًا الأطفال ؛ لأن لهم حماقات كثيرة قد يطيش لفعلها عقل الآباء فيفعلون مايندمون عليه .
فعلى الوالد أن يتعامل مع الأبناء بتأنٍّ ورويَّة وعدم تسرع في الأمر ،
فالحكمة صفة لازمة للصبر .
والصبر صفة تكتسب بالمجاهدة النفسية ، فمن كان ذا حدة وتسرع فإن عليه أن يتصبر شيئًا فشيئًا ويمسك نفسه عن الغضب ، فالقوة النفسية أهم من القوة البدنية .
ولا يجب أن ننسى أن تربية الأب المثقف لأبنائة تختلف اختلافًا كبيرًا عن الأب العادي الذي لم يكن حظة من الثقافة إلا قليل ،
فالعلم الشرعي أساس مطلوب وبعضه واجب ،
فمن الواجب أن يتعلم الفرائض وما شرعه الله لعباده المؤمنين ليتقربوا به إليه ويعلِّمه أبناءه ، وليكن لديه ثقافة دينية ببعض العلوم الشرعية حتى يكون قادرًا على الرد على ما يثور في ذهن ابنه حول ذلك .
فالبعض يظن أن الطفل عبارة عن رجل صغير فيتعامل معه على هذا الأساس ، ولا يدري أن هذا الطفل له شخصيته المستقله وفهمه المختلف عن الكبار لطبيعة الحياة .
فمن ثم كان من الواجب على كل أب وكل أم وكل من يتعامل مع الطفل أن يقرأ عن صفات تلك المرحلة ليعرف كيف يتعامل مع الطفل بطريقة صحيحة .
Related