أيهما أصح : كتابة ( يوم الاثنين ) بهمزة وصل ، أو ( يوم الإثنين ) بهمزة قطع ؟!
تصحيح لغوي ، وتنسيق مقال / إبراهيم باشا
هذا نصٌّ منقول من كتاب ( القلائد الذهبية في شرح قواعد الألفية – قسم التصريف ) ،
لـلأستاذ الدكتور / محمود فجال .
المتخصص في علم النحو والصرف
يقول أ.د. محمود فجال :
همزة ( يوم الاثنين ) وصلٌ .
قال كثيرٌ من علماء الرسم الإملائي المُحْدثين : إذا كان العَلَم منقولاً من لفظ مبدوء بهمزة وصل فإن همزته بعد النقل تصير همزة قطع .
وذكروا مثالاً على ذلك ( يوم الاثنين ) بأن همزته قطع ؛ لأنه صار علمًا على يوم .
أقول :
همزة ( يوم الاثنين ) وصلٌ ؛
لأنها من الأسماء العشرة التي نصَّ العلماء على وصل همزتها .
وكونها صارت علمًا على اليوم لا يخرجها عن الوصل إلى القطع ؛
لأنها كانت في عائلة الاسمية ، ولم تخرج من عائلتها حتى نقول بقطعها .
وها أنا ذا أضع بين يديك نصَّ إمام النحاة « سيبويه » فاستمع إليه وهو يقول في كتابه ( 3 : 198 ) :
« إذا سميت رجلاً بـ ( اِضْرِبْ ) أو ( اُقْتُل ) أو ( اِذهَبْ ) لم تصرفها ، وقطعتَ الألفاتِ حتى يَصير بمنزلة الأسماء ؛ لأنك قد غيَّرتها عن تلك الحال .. » .
ثم يتابع قوله في ( 3 : 199 ) : « لأنك نقلت فعلاً إلى اسمٍ ، ولو سميتَ رجلاً ( اِنطلاقًا ) لم تقطع الألف ؛ لأنك نقلت اسمًا إلى اسم » .
قرّر سيبويه أنك إذا سميتَ شخصًا بفعل مبدوء بهمزة وصل ، فإن همزتَه تصير بعد العلمية همزةَ قطع ؛ لأنك نقلت فعلاً إلى اسم .
ولو سميتَ باسمٍ مبدوء بهمزة وصل فإن همزتَه تبقى بعد العلمية همزةَ وصلٍ كما كانت .
وإليك كلام « ابن مالك » في « شرح الكافية الشافية » ( 1466 ) : « وإذا سُمِّيَ بما أَوَّلُهُ همزةُ وَصْلٍ قُطِعَتِ الهمزةُ إنْ كانَتْ في منقولٍ من فِعْلٍ ، وإلا استُصْحِبَ وَصْلُها .
فيقال في ( اعْلمَ ) إذا سُمِّيَ به : هذا إعْلمُ ، ورأيتُ إعلمَ .
ويقال في ( اخرج ) إذا سُمِّي به : هذا أُخْرُجُ .
ويقال في المسمَّى بـ ( اقْتِرَاب ) و ( اعتِلاَء ) : هَذا اقترابٌ ، ورأيتُ اقترابًا ، وهذا اعتلاءٌ ، ورأيت اعْتِلاءً ؛
لأنه منقولٌ من اسميَّة إلى اسميَّة ، فلم يَتَطَرَّقْ إليه تَغَيُّرٌ أكثرُ من التعيين بعدَ الشِّياعِ .
بخلافِ المنقولِ منَ الفعلية إلى الاسمية ، فإنَّ التسمية أحْدَثَتْ فيه مع التَّعْيين ما لم يكن فيه من إعراب ، وغيره من أحوالِ الأسماء . فَرُجِعَ به إلى قِياسِ الهمزِ في الأسماء وهو القَطْعُ » .
ومثله في « التبصرة والتذكرة » (2: 542) و « حاشية الدسوقي على المغني » (3: 490) و « حاشية الصبان على الأشموني » (3 : 208) .
وهذه النصوص واضحة في أن همزةَ ( يوم الاثنين ) ، وما سُمِّي به من المصادر مثل: ( كلية العلوم الاجتماعية ) و ( ابتسام ) و ( ابتهال ) همزةُ وصلٍ . أُبقيت فيها همزةُ الوصل على حالها لعدم نقل الكلمة من قبيل إلى قبيل فاستصحبت ما كان ثابتًا لها قبل العَلَمِيَّة . اهـ .
أعتقد أن هذا النص قد أوضح لنا بالأدلة أنَّ همزة يوم ( الاثنين ) هي همزة وصل ؛
لأنها لم تنتقل من باب الاسمية إلى باب الفعلية .
أرجو أن تكون المسألة قد اتضحت للجميع بما لا يدع مجالاً للشك ،
* * *
وهذا كلامٌ للأستاذ/ فيصل المنصور – حفظه الله – عن المسألةِ ؛ يقولُ :
( أمَّا الأسماءُ ، فلا يَجوز لك أن تقطعَها إذا سمَّيتَ بها ؛ لأنه إنما جازَ لك القطعُ في الأفعالِ ، والحروفِ ، دونَ الأسماءِ ؛
لأنَّ الأفعالَ ، والحروفَ إذا سُمِّيَ بهما ، خرجَا إلى حيِّز الأسماءِ ، فأصبحَ يجري عليهما أحكامُها ، والأصلُ في الأسماء القطعُ كما تقدَّمَ ،
أمَّا الأسماءُ ، فإنَّ التسميةَ بها لا تؤثِّرُ في اسميَّتِها شيئًا ؛ إذ هي أسماءٌ قبلَ التسميةِ ، وبعدَها ، غيرَ أنها كانت منكَّرةً ، فأصبحت معرَّفةً ، وهذا لا يسيغُ الحملَ على الغالبِ في الأسماءِ ؛ لأنَّها استحقَّت النادرَ أولاً ؛ وهو الوصلُ ؛
فإذا عرَّفتَها ، لم يكن تعريفُك لها سالبًا لها هذا الاستحقاقَ ، ولا رافعًا عنها هذا الحُكمَ . ولم يمكنهم أن يتجرءوا عليها كما تجرءوا على الأفعالِ ، والحروفِ ؛ إذْ كانت الأفعالُ ، والحروفُ قد انتقلت من ديارِها ، وموطنِها إلى الأسماءِ ؛ والداخلُ على قومٍ ليس منهم يتجرءون عليهِ ما لا يتجرءون على من هو منهم ، ولا يغفِرون له ما يغفرونه للآخَر ، كما قالَ خالدُ بنُ نَضلةَ :
إذا كنتَ في قومٍ ولم تكُ منهمُ فكل ما عُلِفتَ من خبيثٍ وطيِّبِ
أمَّا الأسماءُ ، فامتنعتْ منهم ، لمكانِها من القرابةِ التي تُدلي بها . ولو ساغَ لهم أن يقطعوا همزتَها حملاً على الغالبِ ، لوجبَ هذا قبلَ النَّقلِ ، وهذا لا يجوزُ كما هو معلومٌ .
قال سيبويه : ( وإذا سمَّيتَ رجلاً بـ ” إضربْ ” أو ” أقتلْ ” أو ” إذهبْ ” لم تصرفه ، وقطعتَ الألفاتِ ، حتى يصير بمنزلة الأسماء ، لأنك قد غيَّرتَها عن تلك الحال . ألا ترى أنك ترفعُها ، وتنصبُها . وتقطع الألفَ ، لأن الأسماء لا تكونُ بألفِ الوصلِ .
ولا يُحتجّ بـ ” اسم ” ولا ” ابن ” ، لقلة هذا مع كثرة الأسماء … ، وإذا سميتَه ” انطلاقًا ” ، لم تقطع الألفَ ، لأنك نقلتَ اسمًا إلى اسم … ، وإذا أردتَّ أن تجعل ” اقتربت ” اسمًا ، قطعتَ الألفَ ، كما قطعتَ ألف ” إضرب ” حين سمَّيتَ به الرجلَ … ، فإذا جعلتَ ” إعضضْ ” اسمًا ، قطعتَ الألفَ ، كما قطعتَ ألف ” إضربْ ” .
وقالَ الزجَّاج : ( وإذا سمَّيتَ رجلاً ” ابنٌ ” ، وصلتَ ألفَه ؛ فقلتَ : ” هذا ابنٌ قد جاء ” ) .
فلذلكَ إذا سمَّيتَ امرأةً بـ ( انتصار ) ، أو ( ابتهال ) ، أو ( ابتسام ) ، لم تقطعِ الهمزةَ ،
كما لا يَجوز لك أن تقطعَ همزةَ ( الاثنين ) علمًا لليومِ ؛ وإنِ ادَّعى ذلك مَن ادَّعى .
وهذا هو الثابتُ قياسًا – كما مرَّ – ، وسَماعًا كما في مُعجَماتِ اللُّغةِ . وممَّا وردَ من الشِّعرِ قولُ حسان :
بأبي وأمِّي من شهدتُّ وفاتَه في يومِ الاثنينِ النبيُّ المهتدي
صلَّى الله وسلَّمَ عليه .
ويجوزُ قطعُها في الشِّعرِ ، كما جازَ قبلَ العلميَّةِ ،
ومنه قولُ العَرْجيِّ :
بعادلةِ الإثنينِ عندي ، وبالحَرَى يكونُ سواءً منهما ليلةُ القدْرِ
فإن قيلَ :
ولكنَّ الهمزةَ صارت جزءًا من الاسمِ العَلَم .
قلتُ :
نعم ؛ هي جزءٌ منه ؛ ولكنَّها تظلُّ همزةَ وصلٍ ، كما كانت قبلَ النقلِ ، وليس شيءٌ يوجب أن يكونَ الجزءُ من العلمِ يُنطَق في البدءِ ، والدرجِ .
ولو قلنا بقطع همزةِ الاسمِ إذا أصبحَ علمًا احتجاجًا بهذه الحُجَّةِ ، لجازَ هذا أيضًا في الحرفِ ؛ فوجبَ أن تقولَ : ( ألنُّعمان ) ؛ فتقطعَ همزته .
وهذا بيِّن البُطلانِ .
ثمَّ إنَّ يوم ( الاثنين ) لم يَزل علمًا مذ عرفَه العربُ ، فأيُّ شيءٍ استجدَّ لدى المتأخرينَ لم يكن في العُصُرِ الخالي .
وعجبي من هؤلاء المتأخرينَ أنَّهم على ادِّعائهم طلبَ التيسيرِ ، وطرح الشواذِّ ، هم أولعُ شيءٍ بالمخالفةِ ، ولو بالحجةِ الضعيفةِ ، والقولِ المنكَرِ ، ثمَّ لا يبالون أن يركبوا في سبيلِ ذلكَ ما لا يَجوزُ ، ولا يُقبَل ، كأنَّ العلمَ عندهم ، والتحقيقَ أن يخالِفوا ؛ فهم راضُون أن يكونَ ذلك حظَّهم منه ؛ فلا أدري أهو حبُّ الإغرابِ ، وإيهامُ دقَّة النظَر ، أم هو شيءٌ آخرُ لا نعلمُه ! معَ أنَّهم لا يستندِون في ذلكَ إلى سماعٍ صحيحٍ ، ولا قياسٍ منضبطٍ ! وشبيهٌ بهذا ما ادَّعوا من قطعِ همزةِ ( البتة ) ،
فلم يزيدوا على أن أفسدوا في اللغة ، وأوقعوا الناسَ في لبسٍ من أمرِهم ، وحرجٍ .
وهذا السماعُ ، والقياسُ ، وكلامُ أهلِ العلمِ قدَّمناه بينَ يديكَ بيِّنًا جليًّا ؛ فماذا بعدَ الحقِّ إلا الضلالُ ) انتهى .
* * *