
أسباب زوال نعمة الأمان
للشيخ/ محمد عبد الباقي
خطبة الجمعة
5-4-2013م
من مسجد رياض الصالحين بمدينة بورسعيد – مصر
أسباب زوال نعمة الأمان
للشيخ/ محمد عبد الباقي
خطبة الجمعة
5-4-2013م
من مسجد رياض الصالحين بمدينة بورسعيد – مصر
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا ً عبده ورسوله ، يآيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ، يآيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيرا ً ونساءا ً ، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا . يآيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا ً سديدا ، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما .
أما بعد ….
فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى ، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
أخوة الإسلام إن من أعظم نعم الله علينا بعد نعمة الإسلام هي نعمة الأمن ، تلك النعمة العظيمة التي يهبها الله عز وجل لمن يشاء من عباده ، هذه النعمة التي من أجلها تنفق الأموال ،ومن أجلها تجند الجنود وتجيش الجيوش وهي غاية الأمم وهي غاية الأمم ، ما من أمة إلا وتسعى لأمنها واستقرارها ومما يدل على أنها من أعظم النعم أنها كانت أول دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين قال قال تعالى :
( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ ) البقرة 127
( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ ) البقرة 127
فبدأ بالأمن قبل الرزق وذلك لأنه لا يستطاب طعام ولا شراب إذا كان هناك فزع وخوف ، وامتن الله عز وجل على أهل مكة بهذه قال تعالى :
( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ) العنكبوت: ٦٧
فلم يكن في العرب بلدة آمنة إلا مكة حفظها الله وعظمها ويتخطف الناس من حولهم ، و قال سبحانه وتعالى
وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ۚ أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٥٧﴾
القصص: ٥٧
، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا رأى الهلال قال اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان ، اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام هلال خير ورشد ربي وربك الله وهذا يوسف عليه السلام لما استشعر الأمن في مصر، استدعى والديه ، واستدعى إخوته عليه السلام فقال
وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ﴿٩٩﴾
يوسف: ٩٩
فلا غنا ً للعبد أبدا عن هذه النعمة نعمة الأمن لا غنا ً للعبد عن هذه النعمة لا في الدنيا ولا في الآخرة وذلك قال الله عزوجل لاهل الجنة
ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ ﴿٤٦﴾
الحجر:
٤٦
وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ ﴿٣٧﴾
سبأ: ٣٧
فالأمن نعمة عظيمة ونعمة جليلة ، وهبها الله عز وجل لمن يعمل بطاعته سبحانه وتعالى ، وإن هذه النعمة نعمة الأمن إذا انفرط عقدها سارت الأمم في فوضى عمت الفوضى وكثر الهرج وكثر الجراحات وخاف الناس على أنفسهم وعلى أموالهم وعلى أعراضهم . هذه النعمة الجليلة إذا فقدها المرء في هذه الحياة لا يكاد يشعر براحة أبدا ، لا يستطيع العبد أن يعرف ربه إذا فقد هذه النعمة فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مكة ما منع النا س أو ما منع الكثير من الناس أن يؤمنوا به إلا من الخوف ، خوف أن تخرج عليهم قريش تعذيبا ً وتقتيلا ًكما فعلوا بمن آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام ، فلم يؤمن بمكة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا قليل من أصحابه ذلك لأنهم كانوا يفتقدون إلى هذه النعمة والنبي عليه الصلاة والسلام لما هاجر إلى المدينة واستقر الأمن فيها آمن معه خلق كثير لكن مع ذلك كان كثير من العرب يخافون أن يتبعوا النبي من غدرة قريش ، فلما دخل النبي عليه مكة يوم الحديبية ومنع منها وصالح الناس وآمن الناس آمن بعضهم بعضا ،ً كان قد ذهب صلى الله عليه وآله وسلم إلى الحديبية ومعه ألف وخمسمائة من أصحابه وبعد عامين وأشهر قليلة جاء النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – مكة فاتحا ًومعه عشرة آلآف مقاتل غير الذين خلفهم صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة غير الذين آمنوا على أطراف الجزيرة عشرةألآف مقاتل كل آمنوا في وقت الأمن حين آمن الناس بعضهم بعضا ً حين آمن الناس بعضهم بعضا ً ، واستشعروا الأمن فدخلوا في دين الله أفواجا ًفبالأمن يستطيع العبد ان يعبد ربه، وإذا أراد أن ينام نام نوما ًهادئا إذا طعم أو شرب طعم طعاما ًهنيئا ، ًوشرب شرابا ًهنيئا فالأمن لا غنى للعبد عنه في هذه الحياة ، وهذا موسى عليه السلام ماآمن معه حين كان يخاف الناس من فرعون إلا قليل منهم كما
فَمَا آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَىٰ خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ ۚ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ﴿٨٣﴾
يونس: ٨٣
فلما قتل الله عز وجل فرعون إزداد الناس إيمانا ً، وآمن بموسى كثير من الناس حتى النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – يقول إذا كان يوم القيامة ويرى سوادا ًعظيما ًمن الناس فيقول أمتي أمتي ( يعني : أرجوا أن يكون هذا السواد العظيم من أمتي ) فيقال له بل هذا موسى وأمته …. فهذا دليل على أن العباد إذا أمنوا على أنفسهم وأمنوا في بلادهم وأوطانهم عبدوا الله عز وجل حق العبادة ، فهذه النعمة نعمة عظيمة ينبغي أن نعمل على ألا تزول من بيننا.
كيف نحافظ على هذه النعمة ؟؟!
نحافظ على هذه النعمة بالإيمان والتوحيد قال الله عز وجل :
الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴿٨٢﴾
الأنعام: ٨٢
قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم – مفسرا للظلم هنا بأنه الشرك .
الصحابة رضوان الله عليهم لما سمعوا هذه الآية قالوا : يارسول الله وأينا لا يظلم نفسه .. بل قال .. ليس هذا .. أي ليس المقصود بالظلم هنا ظلم النفس قال اسمعوا إلى قول العبد الصالح إن الشرك لظلم عظيم قال تعالى :
الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴿٨٢﴾
الأنعام: ٨٢
وكذلك ترك المعاصي والذنوب والآثام ، هذا مما يحل هذه النعمة على العباد والبلاد فإن الله عز وجل حين قال :
الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴿٨٢﴾
– قال شيخ الإسلام ابن تيمية ان المعاصي وإن كانت لا تفيد هذه النعمة بالكمال والتمام لكنها تقلل من الأمن والإهتداء بأهل المعاصي لأن الأمن والمعاصي لا يجتمعان أبدا ً، ًفإذا آمن الناس وعملوا بطاعة الله عزوجل إذا آمنوا وعملوا بطاعة الله سبحانه عزوجل ، كان ذلك دليل على أن الله عز وجل يهب لهم هذه النعمة العظيمة نعمة الأمن . كذلك مما يزيد هذه النعمة على الخلق صلاح أهل الأمن صلاح القائمين على الأمن في البلاد ،إذا كان القائم بالأمن ( مرتشي ) غاش لأمته كيف ينعم الناس بالأمن إذا كان القائم بالأمن ظالما ً فكيف ينعم الناس بالأمن إذا كان لصا كيف ينعم الناس بالأمن مر عبد الله بن عمر على راعي الغنم فقال له:
بعنا شاة من هذه الغنم ، فقال : إنها ليست لي إنها لسيدي ، فقال ابن عمر : قل لسيدك أكلها الذئب ، فقال الراعي: فأين الله؟…
إذا استطاع ان يغش الخلق فكيف هل لأحد من الناس أن يخدع الله ؟ الجواب : لا أبدا ً الله عزوجل لا يخدع ، فإذا كان صاحب الأمن إذا كان الشرطي آمين أمن الناس ، إذا كان صالحا ًأمن الناس كذلك مما يزيد هذه النعمة على الخلق نعمة العلم .. العلم بالله ، وبكتاب الله ، وبسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذين يقبلون على تعلم كتاب الله ، وعلى سنة رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم – الذين يجلسون في مساجد الله عز وجل يسمعون إلى شيخ المسجد ، ويتعلمون الهدى والإيمان .
بالله عليكم كيف يكون سلوكهم ؟ كيف يكون سلوك من يلتزم أهل العلم وحلق الذكر الذين يتلمسون حلق الذكر ويجلسون إلى العلماء ، ويجلسون إلى الدعاة يستمعون كلام الله عز وجل ، ويستمعون إلى سنة النبي – صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم – كيف يكون حالهم ؟
الإستقامة والطاعة لله ولرسوله ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول عن العلماء بأنهم ورثة الأنبياء فإذا كان هؤلاء هم ورثة الأنبياء فماذا عساهم أن يعلموا الناس ؟ ! .. فماذا عساهم أن يوجهوا الناس يوجهونهم إلى طاعة الله وإلى طاعة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وبما قال العلامة بن القيم رحمه الله : ( أن العلم إذا كان في مكان أو في محله قل الفساد في أهلها إذا ظهر العلم في مكان أو في محلة قل الفساد في أهلها وإذا ظهر الجهل في مكان أوفي محلة زاد الشر فيها وزاد الفساد فيها .. ) فعليكم بحلق الذكر وعليكم بورثة الأنبياء من العلماء والمشايخ والدعاة ، التمسوا خطاهم فإن سبب الإنحراف أول سبب للإنحراف هو الجهل ، الجهل بالله والجهل بدين الله عز وجل ، أيضا مما يديم هذه النعمة على الخلق شكر الله عز وجل ، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴿٧﴾
إبراهيم: ٧
ولئن شكرتم نعم الله لأزيدنكم منها ما من نعمة تشكر الله عليها الا والله تعالى يزيدك منها ، فشكر النعمة من أسباب دوامها كما أن كفر النعم من اسباب زوالها ، فنشكر الله عز وجل على نعمه ، والشكر ليس بالكلمة فقط بل الشكر لابد أن يكون باللسان ، وبالقلب ، وبالجوارح ، فباللسان لا نأكل لقمة إلا ونشكر الله عليها ، وتحمد الله عليها لا نشرب شربة إلا ونشكر الله عليها ، وتحمد الله عليها ، وكذلك يكون الشكر بالقلب والشكر بالقلب محبة الله عزوجل الذي أنعم علينا بهذه النعم ، تعظيم الرب سبحانه وتعالى الذين أنعم علينا بهذه النعم فإن نعم الله عز وجل تتنزل على الخلق ليل نهار لا تنقطع ، وأنت نائم نعم الله تتنزل عليك ، وأنت في اليقظة نعم الله عز وجل تتنزل عليك في نهواتك وسهواتك نعم الله عز وجل تتنزل عليك ، فلاذ لابد وأن يثمر شيئا ً ألا وهو محبة الله عز وجل ، وكذلك الشكر بالجوارح تشكر الله عز وجل بجوارحك تسجد الله تصلي لله عز وجل ، تتعلم من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم – تتضرع لله عز وجل بالدعاء لا تلتفت إلا لله ولا تسأل إلا الله سبحانه وتعالى ، هذا هو الشكر حقيقة الشكر أن يكون بلسانك ، وبقلبك ، وجوارحك ، أيضا مما يديم نعمة الأمن تحكيم شرع الله عز وجل ، تحكيم الكتاب والسنة والله عز وجل يقول
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿١﴾
الحجرات: ١
قال عبد الله بن عباس أي لا تقولوا بخلاف الكتاب والسنة لا تلتفت إلى قول بعد قول الله ، لا تلتفت إلى قول بعد قول رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم- والنبي عليه الصلاة والسلام – يقول : وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلاَّ جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ ) – فعدم تحكيم شرع الله عز وجل هذا سبب في زوال نعمة الأمن وتحكيم الشريعة وتحكيم الكتاب والسنة سبب في دوامها – وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلاَّ جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ
أيضا مما يديم نعمة الأمن على العباد والبلاد ، الخوف من الله عز وجل وفي قصة ابني آدم هبيل وقابيل قصة تدل على ذلك إن ها بيل ما رضي ان يقتل اخاه وقال كما قي قوله تعالى
لَئِنْ