أربعون عامًا قبل النبوة
تصحيح لغوي وتنسيق مقال / إبراهيم باشا
هذا المقال نقلاً بتصرفٍ مني عن كاتبه / عبد الملك بن محمد بن صالح الجاسر
القاضي في المحكمة الإدارية في حائل
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على الهادي البشير ، وعلى آله وصحبه أجمعين ..
فالسيرة العطرة ، سيرة خير البرية ، معين لا ينضب ، وينبوع صافٍ متدفق ، يرتوي من نميره كل من أراد السلامة والنجاة ،
إنها شمس ساطعة ، وسنًا مشرق ، ومشعل وضاء ، يبدد ظلمات الانحراف ، ويهدي سبيل الرشاد .
سأكتب عن أربعين عامًا من حياة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه .
أربعون عامًا كلها صفاء ونقاء .
أربعون عامًا تكلمت فيها الفطرة ، وتجلت فيها الصفات الحميدة ، وظهرت فيها العناية الربانية في إعداد سيد البرية .
أربعون عامًا هُيِّأ العظيم فيها لأمر عظيم ، لتكون تلك الأربعين هي بداية التغيير للعالم السفلي من ظلمات الكفر والجهل إلى نور التوحيد والعلم .
أربعون عامًا فيها أفراح وأتراح ، وآمال وآلام { وكان الله عليمًا حكيمًا } .
ابتدأت تلك الأربعين بـ :
(1) ولادة يتيمة !
توفي الوالد قبل الولادة ، بعد سعي في طلب لقمة العيش ، ليكون على موعد مع القدر في أرض يثرب ، مقبورًا في أحد مقابرها !!
وأُودع الوالد والزوج الثرى ، لتعاني الوالدة الحنون آلام الوضع ، وآلام الفقد ، وآلام مستقبل طفل تيتَّم قبل خروجه للدنيا !
وتأتي ساعة الصفر وتستبشر الدنيا بـ :
(2) ولادة محمد – صلى الله عليه وسلم – :
فيولد سيد المرسلين بشِعْب بني هاشم ، يوم الإثنين في شهر ربيع الأول ،
لأول عام من حادثة الفيل ،
وقبل هجرته عليه الصلاة والسلام بثلاث وخمسين سنة ،
ويوافق ذلك العشرين أو الثاني والعشرين من شهر إبريل سنة ( 571 م ) ، حسبما ذكره بعض المحققين .
وفي مكان آخر بعيدًا عن ذلك البيت الصغير الذي وُلد به ذلك العظيم :
وقف رجل يتأمل السماء والنجوم ، فإذا الأمر مختلف عن العادة ،
فالآية قد ظهرت !
فما كان منه إلا أن صرخ بقومه :
” يا معشر اليهود ! “
فاجتمعوا إليه فقال : ” طلع نجم أحمد الذي وُلد به في هذه الليلة ” .
نعم .. لقد وُلد أحمد ، وها هو بين أحضان أمه ترضعه وتشاركها في ذلك : أم أيمن ، وثويبة مولاة أبي لهب .
وتمر الأيام …. وإذا بالرضيع في :
(3) ديار بني سعد :
فانتقل مع أمه حليمة السعدية لترضعه في مضارب بني سعد بن بكر ،
على عادة العرب في التماس المراضع لأولادهم ، لتقوى أجسامهم ، ويُتْقِنُوا اللسان العربي من صغرهم .
وفي تلك المضارب نشأ محمد الصغير ..
وبها وقف ومشى على قدميه ..
وبها ضحك ولعب مع أقرانه الصغار ..
فأي براءة وجمال كانت تشع من عيني ذلك الطفل الطاهر !
فصلوات ربي وسلامه عليه .
وفي تلك المضارب رعى الغنم ، وسار خلفها وقادها مع إخوانه من الرضاع .
وتمر الأيام على رعاة الغنم الصغار ، ويبلغ الصغير أربع سنين ،
وبينما هو يلعب مع الغلمان ، إذ به يصرع ويضجع من رجلين عليهما ثياب بيض ، لينطلق المنادي إلى أمه بنداء الرعب والخوف : ” لقد قُتل محمد!!! ” .
فكان ذلك القتل هو :
(4) شق الصدر :
لقد أضجعه الرجلان ، ثم أخرجا منه علقة سوداء فألقياها ، فانتهت حظوظ الشيطان منه ،
ثم غسلا قلبه في طست من ذهب بماء زمزم ، ثم أعادا قلبه إلى مكانه ، فجاء الصغير إلى القوم وهو منتقع اللون .
يقول أنس رضي الله عنه : ( وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره ) .
فلما رأت حليمة ذلك : خافت على الصغير من أن يصيبه شيء ، فاتخذت قرارًا بـ :
(5) رَدِّه إلى أمه الحنون :
فرجع الصغير إلى أحضان أمه ترعاه وتحنو عليه ،
فكان عندها حتى بلغ ست سنين ،
لتتحرك عاطفة آمنة وشوقها إلى حيث توفي الزوج ويقطن الأهل ، فعزمت على السفر إلى يثرب ، فتحركت المطايا ، ومكثت شهرًا في يثرب ، ليحين بعد ذلك وقت الرجوع ،
وفي طريق السفر بين يثرب ومكة : توقفت المطايا في مكان يحمل في طياته ذكرى لا تزال عالقة بذاكرة الحبيب حتى بعد النبوة ، فمرَّ يومًا على قبر فانتهى إليه وجلس ، وجلس الناس حوله ، فجعل يحرك رأسه كالمخاطب – كما يروي ذلك بريدة رضي الله عنه – ثم بكى بكاءً لم يبكه من قبل ،
فاستقبله عمر فقال : يا رسول الله ما يبكيك ؟
فقال : ( هذا قبر آمنة بنت وهب ) !
لقد توقفت المطايا في مكان يقال له الأبواء ، ليكون الصغير على موعد جديد مع اليتم ، وتؤخذ آمنة منه ، وتوارى بين ناظريه ، لينتقل الطفل باكيًا إلى :
(6) جدِّه عبد المطلب :
عاد صغير الآلام إلى الجد العطوف ، الذي رق له رقة شديدة ، فكان لا يدعه وحيدًا ، بل جعله مقدَّمًا على أولاده وبنيه .
إن لعبد المطلب فراشًا لا يجلس عليه غيره إجلالاً له واحترامًا ،
فكان محمد الصغير هو الوحيد المصرح له بالجلوس ، فيأتي الأولاد والأبناء ليُبعدوه ، فيقول الجد :
” دعوه ، والله إن لهذا شأنًا ” !!!
وتمر الأيام ويبلغ الصغير ثمان سنين ، ليكون على موعد جديد مع الآلام ،
فها هو عبد المطلب يوارى الثرى ، لتكون وصيته الأخيرة ، أن يكون الصغير عند :
(7) عمِّه أبي طالب :
فنهض باليتيم على أكمل وجه ، وضمَّه إلى بنيه وقدَّمه عليهم ، واختصه بمزيد احترام وتقدير .
وتمر الأيام … ويأتي على قريش سنون عجاف ، أجدبت لها الأرض ، وكاد يهلك بها القوم ،
فبات الناس في شظف من العيش ، فما كان من قريش إلا أن طلبوا من سيدهم أبي طالب أن يستسقي لهم ، فكان :
(8) أبيض يُستسقى الغمام بوجهه :
خرج أبو طالب يستسقي ، والسماء ما فيها من قزعة !! ومعه الغلام الصغير –صلى الله عليه وسلم- وبنيه ،
فأخذ أبو طالب الغلام اليتيم الصغير – وهو يتذكر كلمات عبد المطلب : ( والله إن لهذا شأنًا ) !! –
فألصق ظهره بالكعبة واستسقى .
فأقبل السحاب من كل جانب ، وانفجرت السماء بماء منهمر ،
فقال أبو طالب :
وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه — ثِمالُ اليتامى عصمة للأرامل
وتمر الأيام … ويبلغ النبي الكريم اثنتي عشرة سنة ،
وفي صيف حار تحركت ركائب قريش نحو الشام ، فكانت قصة :
(9) بُحيرى الراهب :
فارتحل أبو طالب بقومه ومعه محمد – صلى الله عليه وسلم – ،
فلما وصلوا إلى بُصرى نزل القوم للراحة ،
فخرج إليهم بحيرى ولم تكن من عادته الخروج إليهم ، فتخللهم حتى جاء إلى الفتى الصغير وأخذ بيده وقال :
هذا سيد العالمين !! هذا رسول رب العالمين !! هذا يبعثه الله رحمة للعالمين ! .
فقال أبو طالب وأشياخ قريش : وما علمك بذلك ؟
فقال : إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا خرَّ ساجدًا ، ولا يسجدان إلا لنبي ،
وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة ، وإنَّا نجده في كتبنا ” .
ثم سأل أبا طالب ألَّا يذهب به إلى الشام خوفًا عليه من الروم واليهود ،
فردَّه أبو طالب بغلمان معه إلى مكة .
وتمر الأيام … وقد شبَّ النبي الكريم ، ولم يكن له عمل معين في أول شبابه .
ولكن جاءت الروايات وتوالت بأنَّ مهنته كانت :
(10) رعي الغنم :
لقد كان يسير طوال نهاره خلف الغنم ، فرعاها في بني سعد ابتداءً ، ثم في مكة على قراريط لأهلها .
إن مهنة كهذه يُشترط لها أمانة مع طول نفس ،
ولذا : ( ما من نبي إلا وقد رعى الغنم ) ،
ولعل ذلك – والله أعلم – : لأن صورة القطيع شبيهة بسير سواد الأمم ،
والراعي قائد يتطلب عليه أن يبحث عن الأماكن الخصبة والآمنة ،
كما يتطلب ذلك حماية وحراسة لما قد يعترض قافلة السير .
وهذه المهنة فيها ما فيها من قسوة ومتابعة ، إلا أنها تُثمر قلبًا عطوفًا رقيقًا ،
وواقع حال رعاة الغنم خير شاهد على ذلك .
وبعيدًا عن العمل وهمومه ، وبعيدًا عن كدح البحث عن لقمة العيش نقف مع :
(11) نوازع نفس محمد صلى الله عليه وسلم :
يحدثنا النبي الكريم عن نفسه في تلك الفترة فيقول :
( ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يهمون به من النساء ، إلا ليلتين ، كلتاهما عصمني الله تعالى منهما ،
قلت ليلة لبعض فتيان مكة – ونحن في رعاية غنم أهلنا – فقلت لصاحبي : أبصر لي غنمي حتى أدخل مكة ، فأسمر فيها كما يسمر الفتيان . فقال : بلى .
فدخلت حتى إذا جئت أول دار من دور مكة سمعت عزفًا بالغرابيل والمزامير . فقلت :
ما هذا ؟ فقيل : تزوج فلان فلانة .
فجلست أنظر ، وضرب الله على أذني ، فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس .
فرجعت إلى صاحبي ، فقال : ما فعلت ؟ فقلت : ما فعلت شيئًا ، ثم أخبرته بالذي رأيت .
ثم قلت له ليلة أخرى : أبصر لي غنمي حتى أسمر بمكة . ففعل ،
فدخلت ، فلما جئت مكة سمعت مثل الذي سمعت تلك الليلة ، فسألت . فقيل : فلان نكح فلانة ،
فجلست أنظر ، وضرب الله على أذني ، فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس ،
فرجعت إلى صاحبي فقال : ما فعلت ؟ قلت : لا شيء ،
ثم أخبرته بالخبر ، فوالله ما هممت ولا عدت بعدها لشيء ، حتى أكرمني الله بنبوته ) .
إنها الرعاية الربانية ، تقف للحيلولة بينه وبين تلك النوازع ، ولذلك جاء في الأثر :
( أدبني ربي فأحسن تأديبي ) .
وتمر الأيام … ليبلغ النبي الكريم عشرين عامًا ، ليشهد حربًا وقعت في شهر حرام ، فتُسمى بـ :
(12) حرب الفِجَار :
حَرْب الفِجَار : حربٌ وقعت بين قريش و حلفائها وبينَ هوازن ، وحضرها النبيُّ صلى الله عليه وسلم وعمرُهُ زهاءَ عشرين سنة .
المعجم: المعجم الوسيط
وقعت تلك الحرب سوق عكاظ بين قريش ومعهم كنانة وبين قيس عيلان ، فاصطف القوم ووقعت حرب ضروس ،
وسميت بالفِجَار لما استحل فيه هذان الحيان من المحارم بينهم في الأشهر الحرم ولما قطعوا فيه من الصلات والأرحام بينهم.
وكان النبي الكريم يجهز النبل للرمي ،
وكثُر القتل في الطرفين ، حتى رأى عقلاء القوم أنَّ وضع أوزار الحرب والاصطلاح خير من الملحمة ،
فهدموا ما بينهم من العداوة والشر ، وعلى أثر ذلك حصل :
(13) حلف الفضول :
إنه حلف الخير والعدالة ،
تداعت إليه قبائل من قريش في ذي القعدة ، وكان اجتماعهم في دار عبد الله بن جدعان التيمي ،
فتعاهدوا وتعاقدوا على ألَّا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها وغيرهم من سائر الناس إلَّا قاموا معه ،
وشهد هذا الحلف النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – ،
وقال عنه بعد أن أكرمه الله بالنبوة : ( لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أنَّ لي به حمر النعم ، ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت ) .
ولا عجب في ذلك ، فهو نبي العدالة والرحمة ..
وتمضي الأيام … ويبلغ النبي الكريم الخامسة والعشرين من عمره ، ليخرج إلى :
(14) تجارة الشام :
وذلك في مال لخديجة بنت خويلد ، بعد أن سمعت بأخبار الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم ،
وجعلت معه غلام لها يُقال له : ميسرة .
ذهب النبي الكريم إلى الشام ، فما لبث أن رجع إلى مكة ،
فرأت خديجة في مالها من الأمانة والبركة ما لم تره من قبل ،
وحدَّثها ميسرة بما رآه من حال الصادق الأمين ،
فما كان منها إلا أن سعت ليكون الخبر في أرجاء مكة :
(15) محمد – صلى الله عليه وسلم – زوج لخديجة – رضي الله عنها – !
وذلك بعد أن تقدم لها سادات قريش ، فكان الإباء عليهم هو الجواب .
ثم لمَّا رأت ما رأت بعد تلك التجارة المباركة ، عزمت على نية أفصحتها لصديقتها : نفيسة بنت منبه .
فقامت بدورها بذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم . فرضي بذلك ،
إلا أن والد خديجة حاول عبثًا الوقوف أمام هذا الزواج الميمون ، إلا أن حيلة خديجة كانت حَكَمًا قاضيًا في الموضوع ،
فما الذي فعلته خديجة ؟
يروي لنا ابن عباس رضي الله عنهما ذلك فيقول :
” إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر خديجة – وكان أبوها يرغب عن أن يزوجه – ، فصنعت طعامًا وشرابًا ، فدعت أبوها وزمرًا من قريش ، فطعموا وشربوا حتى ثملوا .
فقالت خديجة لأبيها : إن محمدًا بن عبد الله يخطبني فزوجني إياه .
فزوجها إياه . فخلقته وألبسته حلة – وكذلك كانوا يفعلون بالآباء -،
فلما سرى عنه سكره ، نظر فإذا مخلق وعليه حلة ،
فقال : ما شأني هذا ؟ قالت خديجة : زوجتني محمد بن عبد الله . قال : أُزوِّج يتيم أبي طالب !؟ لا لعمري .
فقالت : أما تستحي ؟!
تريد أن تسفه نفسك عند قريش ، تخبر الناس أنك كنت سكران !! فلم تزل به حتى رضي ” .
ويتزوج الشريف الشريفة ،
وتمر الأيام والأعوام على ذلك البيت الهادئ الجميل ، ويُرزق منها بالبنين ، والنبي الكريم يُقري الضيف ، ويعين الملهوف ، وينصر المظلوم ، ويكون في حاجة أهله ..
ويجرف مكة سيل عرم وينحدر إلى البيت فيُصدِّع جدرانه حتى أوشك على الوقوع والانهيار ،
فاتفقت قبائل قريش على :
(16) إعادة بناء الكعبة :
وتبني قريش الكعبة بشرط مسبوق : ” ألا يدخل في بنائها إلا طيِّبًا ، فلا يدخل فيها مهر بغي ، ولا بيع ربا ، ولا مظلمة لأحد من الناس ” .
ويشارك النبي الكريم صاحب الخمس وثلاثين عامًا في البناء ،
ويحمل الحجارة من الوادي مشاركًا قومه في مثل هذا الحدث العظيم .
ويرتفع البناء ، ويعود للبيت جلاله وهيبته ،
ولما بلغ البنيان موضع الحجر الأسود حصل الاختلاف ، وتنازع القوم في شرف وضع الحجر الأسود أربع ليال أو خمس ،
حتى كادت الحال أن تتحول إلى حرب ضروس !
إلا أنَّ أبا أمية بن المغيرة المخزومي عرض عليهم أن يحكموا فيما شجر بينهم أول داخل عليهم من باب المسجد . فارتضى القوم ذلك .
فإذا بمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب يكون ذلك الداخل .
فهتف القوم : أن رضينا بالأمين .
فطلب عليه الصلاة والسلام رداءً فوضع الحجر وسطه ، وطلب من رؤساء القبائل المتنازعين أن يمسكوا جميعًا بأطراف ذلك الرداء ،
وأمرهم أن يرفعوه ، حتى إذا أوصلوه إلى موضعه أخذه بيده فوضعه في مكانه .
فرضي القوم بذلك ، وانتهى نزاع كادت دماؤه أن تصل إلى الركب !!
وتمر الأيام … وغربة النبي الكريم تزداد يومًا بعد يوم ،
فوجوه يعرفها ، وأحوال ينكرها ، كان ذا صمت طويل يزدان بالتأمل والنظر ،
يزدان 🙁 حَسُنَ وجَمُل )
لقد كانت تلك الفطرة التي جُبِل عليها تمنعه من أن ينحني لصنم ، أو يهاب وثن .
فاعتزل القوم لما رأى من سفاهة أحلامهم ، وتفاهة عقولهم ،
فكان عليه الصلاة والسلام لا يحضر عيدًا لوثنٍ ، ولا يشهد احتفالاً عند صنمٍ ، ولا يحلف بالَّات ، ولا يتقرب لعُزى ، ولا يشرب خمرًا ، ولا يأكل مذبوحًا على نُصب ،
فأبغض ذلك كله .
يقول مولاه زيد بن حارثة رضي الله عنه : ” … فوالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب ما استلم صنمًا حتى أكرمه الله بالذي أكرمه وأنزل عليه ” .
فكان عليه الصلاة والسلام موحدًا على ملة إبراهيم الخليل عليه السلام .
لقد جمع الصادق الأمين من الأوصاف والشمائل ما جعلت محبته لا تقف عند البشر ،
بل تتعداه إلى الحجر والشجر ،
يقول عليه الصلاة والسلام بعد أن أكرمه الله بالرسالة : ( إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث ) !! .
فصلوات ربي وسلامه عليه .
وتمر الأيام … حتى بدأ طور جديد من حياته صلى الله عليه وسلم ،
فكان يرى الرؤية ثم لا يلبث حتى يراها واقعًا مشهودًا أمامه ،
فكان ذلك بداية بشرى النبوة والرسالة والاصطفاء ، لتكون البداية الحقيقة في الغار بـ { أقرأ باسم ربك الذي خلق } ،
وينادي المنادي في أصقاع المعمورة : إن محمدًا قد بُعث !!
فإذا عقارب السنين والأعوام قد دقت الأربعين !
فصلوات ربي وسلامه عليه .
تلك الأربعون – لعمر الحق – : عراقة الخلال ، فكيف بما بعد الأربعين ، حين بُعث إلى العالمين !
{ وإنك لعلى خلق عظيم } ..