** تنبيه على شناعة وخطورة وصف السنة النبوية بالأوصاف البذيئة **

في تاريخ :  08 أغسطس 2018

** تنبيه على شناعة وخطورة وصف السنة النبوية بالأوصاف البذيئة **

تصحيح لغوي ، وتنسيق مقال/ أ. إبراهيم باشا .

نقلًا عن/ د. خالد بن عبدالرحمن بن حمد الشايع .

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على معلم البشرية وهادي الإنسانية نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين، أما بعد:

فقد استمعت إلى ما تحدث به الأخ الكاتب الصحفي يحيى الأمير لإحدى القنوات الفضائية في سياق وصفه لأحد الأحاديث النبوية الشريفة بوصف مقذع ، وهو وصف في حقيقة الأمر لمن تحدَّث بالحديث الشريف وهو نبينا محمد حاشاه عليه الصلاة والسلام من كل سوء أو إساءة.

فقد نص الكاتب المشار إليه على وصف قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ” مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ ” بأنه: “خطاب متوحش”!! وأنه تضمن “وحشية مفرغة من سياقاتها” !!. ثم اخترع قاعدة من عنده في الحكم على السنة النبوية مبنية على الإحساس بتوحش نصوصها كما يزعم!! ليتم ردها ورفضها.

 

وبداية فهذا الحديث الشريف الصادر ممن لا ينطق عن الهوى حديث متفق على صحته، وقد تلقته الأمة بالقبول، حيث إنه مسند بأسانيد كالشمس في أصح الكتب بعد كتاب الله، فقد رواه الإمامان الجليلان البخاري ومسلم رحمهما الله في صحيحيهما من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما مرفوعًاً، وأيضًاً رواه غيرهما في كتب السنة الشهيرة.

والذي نجزم به أن الأخ يحيى وأي مسلم لا يمكن أن يقصد ولا أن يتعمد تنقص الرسول عليه الصلاة والسلام وهو يؤمن بالله رباً وبالإسلام ديناً وبحمد عليه الصلاة والسلام نبياً، لأن هذه الإساءة خطر على إيمان من تعمدها.

 

ولكن مهما قيل من حسن الظن في المسلم فالعبرة بما ظهر من كلام وكتابة أما السرائر فنكلها إلى عالمها، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن أناسًا كانوا يُؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيراً أمِنَّاه وقربناه، وليس إلينا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءاً لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال: إن سريرته حسنة. رواه البخاري.

 

ودفعًا لما توهمه الكاتب المشار إليه وما أيدته فيه المذيعة التي استضافته في حديثه المسيء لجناب النبوة فإن النص النبوي الكريم لم يحمل “توحشاً” ولا إساءة لجانب النساء كما توهمه، بل هو رحمة وهداية للناس أجمعين، وتنظيم لعلاقاتهم من أجل حياة طاهرة كريمة، وهو مؤيد بكلام الرب جل وعلا في القرآن العظيم: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ) الآية من سورة آل عمران.

 

وللأسف فإن الكاتب المذكور ومن يشابهه في تحكيم عقولهم في نصوص الوحي المقدس من القرآن والسنة كثيراً ما تخونهم أفهامهم وعقولهم، ولو أنهم رجعوا إلى أهل العلم فيما أشكل عليهم لما وقعوا فيما وقعوا فيه من تنقص القرآن والسنة ووصفهما بالأوصاف المشينة.

 

وليعلم أن منهج الأئمة في فهم كلام الله تعالى وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام التسليم المطلق، وأن ينزَّل على أحسن محامله، وأن يجمعوا النصوص الواردة في مسألة محددة ليتضح المراد فيها فكلام الله وكلام رسوله يصدق بعضه بعضاً.

 

وهذا ما أوضحه الحافظ ابن كثير حين أورد الآية من سورة آل عمران حيث قال: فأما إذا كان القصد بهن الإعفاف وكثرة الأولاد، فهذا مطلوب مرغوب فيه مندوب إليه. ا.هـ.

 

فقول الرسول عليه الصلاة والسلام: “مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ ” لم يكن مفرغاً من سياقه كما زعم الكاتب المذكور، بل هو مراد ومقصود وله دلالاته المشاهدة في القديم والحديث ، وليس هذا قدحاً في النساء ولا إقلالاً من شأنهن ، بل هو تقرير للواقع الإنساني، فالميل إلى النساء مركوز في الطبع ، وضعه الله تعالى لحكمة بقاء النوع بداعي طلب التناسل؛ إذ المرأة هي موضع التناسل ، فجعل ميل الرجل إليها في الطبع حتى لا يحتاج بقاء النوع إلى تكلف ربما تعقبه سآمة.

 

وفي الحين نفسه قررت الشريعة أن من الرجال من يتجاوز حدود الله فينتهك حرمة النساء فيظلمهن ويظلم نفسه ، كما لا يخلو منه زمان ومكان ، ولذلك جاء هذا الحديث وما في معناه ليوجد ضوابط تنظم العلاقة بين الرجال والنساء، من أجل أن تقف النفوس عند الحد السليم من تعاطي هذه «الشهوات» المحببة إلى النفوس بين الجنسين، وهو الحد الباني للنفس وللحياة ، وليس حد الكبت والحرمان.

 

وفي هذه التنبيهات القرآنية والنبوية _ كما لا يخفى _ حماية للمرأة من ظلم الرجل واندفاعه غير المحسوب نحوها. وحماية لكيان المجتمع بأسره.

ونلحظ في التعبير القرآني الوصف بأنها “شهوات” وفي التعبير النبوي “فتنة” فهي شهوات مستحبة مستلذة إنسانياً؛ وليست مستقذرة ولا كريهة. ولكنها تكون مهلكة إن تم فيها تجاوز المباح، والتعبير لا يدعو إلى استقذارها وكراهيتها؛ إنما يدعو فقط إلى معرفة طبيعتها وبواعثها ، ووضعها في مكانها لا تتعداه.

 

ويا سبحان الله! كيف يصف الأخ يحيى الوحي الرباني لنبينا عليه الصلاة والسلام الذي فيه تنظيم العلاقة بين الرجال والنساء، وفيه أيضاً حماية المرأة بأنه “متوحش”!! وهو عليه الصلاة والسلام الذي أخبرنا عن قول الحق سبحانه: (هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ) [سورة البقرة:187] وقوله تعالى في آية ثانية: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الروم:21].

 

ويا سبحان الله! كيف يجترئ الأخ يحيى على تلك الأوصاف لأرحم الخلق بالخلق… ألم يسمع اللطف والحنو النبوي على النساء في مناسبات متعددة، وقد حثَّ على حمايتهن واللطف بهن في أعظم مشاهد البشرية وتاريخها، هناك في حجة الوداع حيث قال عليه الصلاة والسلام: ” اسْتَوْصُوا بالنساء خيراً ” رواه الشيخان.

 

وبهذا فإني أدعو الأخ الكاتب لمراجعة منهجيته في التعامل مع نصوص السنة المشرفة، وأن يرجع عن هذا الخطأ الفاحش، وإذا أشكل عليه شيء فليراجع المتخصصين ولا يتكل على فهمه وعقله ، فالسنة قسيمة القرآن، ومن أساء إليها فقد أساء إلى من أوحيت إليه، واعترض على من أوحاها. وحسبك بهذا زيغاً وضلالاً.

 

والواجب علينا جميعاً تعظيم السنة ونصوصها، والحذر من تقديم آرائنا في الاعتراض عليها أو تحييدها، فقد قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الحجرات:1].
وقال سبحانه: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الحشر:7] .
وقال جلَّ وعلا: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [النور:51].
وقال سبحانه: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النور:63].

 

قال الإمام أحمد رحمه الله: أتدري ما الفتنة؟! الفتنة: الشرك. لعله إذا رَدَّ بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك.

 

ويبقى في الخاتمة عتب كبير على هيئة الصحفيين بالمملكة أنها لم تنكر هذه المقولة على قائلها، وبخاصة أن الهيئة يقوم عليها اثنان من كبار الصحفيين وعندهما من الغيرة على القرآن والسنة ومن الرشد وطول الخبرة ما يكفل ذلك ، إذ المنتظر أن يكون لهيئة الصحفيين دورها في رد الأطروحات المسيئة للشريعة الإسلامية أو للقرآن والسنة أو المسيئة للوطن أو لعموم ثوابتنا وقضايانا الكبرى، بحكم الاختصاص، لأن المتحدث بتلك الأغلوطات منتسب للصحفيين، ونحن ندرك أن الصحافة والصحفيين في المملكة براء من أن ينشز من بينهم شيء من تلك الإساءات لنبي الهدى عليه الصلاة والسلام أو لسنته. بل إننا لننتظر من زملائنا الصحفيين كافة أن يكونوا عوناً لنا في التعريف بنبي الهدى ونصرته والدفاع عنه وعن سُنته عليه الصلاة والسلام.

 

وبعد فقد حررت ما تقدم براءةً للذمة وغيرةً على الجناب النبوي الكريم وعلى السنة المطهرة أن تحكَّم فيها الأهواء أو أن توصف بسوء، والله حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين.

 

 

 

اترك تعليقاً