المنجيات الثلاث ، والمهلكات الثلاث

في تاريخ :  25 مارس 2015

المنجيات الثلاث ، والمهلكات الثلاث

تصحيح لغوي ، وتنسيق مقال / إبراهيم باشا

يقول الشيخ / محمد صالح المنجد :

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:
فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

المهلكات تقابلها المنجيات

عباد الله!
يقول نبينا -صلى الله عليه وسلم-: ((ثلاث منجيات، وثلاث مهلكات، فأما المنجيات: فتقوى الله في السر والعلانية، والقول بالحق في الرضا والسخط، والقصد في الغنى والفقر، وأما المهلكات: فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه))،

هذه المنجيات الثلاث التي كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يسألها ربه فيقول: ((اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب، وأسألك القصد في الغنى والفقر))

ذكر في الحديث ثلاثة أمراض مهلكة، وبإزائها ثلاث علاجات لهذه الأمراض، فخشية الله مقابلة لاتباع الهوى؛ لأنها تمنعها وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:40-41]،

وذكر القصد في الغنى والفقر بإزاء الشح المطاع،

وذكر كلمة الحق في الغضب والرضا بإزاء إعجاب المرء بنفسه.

تقوى الله وخشيته ملاك الأمور

إن تقوى الله وخشيته بالسر والعلانية ملاك الأمور، فيها مراقبة العلام على الدوام، والاستحياء منه سبحانه وتعالى ،
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا [الطلاق: من الآية2]،أي: ينجيه من كل كرب، ولو كانت السموات والأرض رتقًا على عبد فاتقى الله؛ لجعل له من بينهما مخرجًا،

وهكذا جعل الله للمهاجرين الفرج، وجعل لأم إسماعيل الفرج، وجاء بالفرج لعباده الثلاثة في الغار، وكذلك نجى جريجًا بعدما شفى أيوب، ولا يزال الناس بخير ما اتقوا ربهم،

قال إسحاق الغزواني: زحف إلينا أزدمهر -من قادة الفرس- عند مدينة الكيرج في ثمانين فيلاً، فكادت تنفض الخيول والصفوف، -يعني: صفوف المسلمين-، فكرب لذلك محمد بن القاسم -قائد المسلمين-، فنادى عمران بن النعمان أهل حمص وأمراء الأجناد فنهضوا، فما استطاعوا، فلما أعيته الأمور نادى مرارًا: لا حول ولا قوة إلا بالله، فكف الله الفيلة، وسلط عليها الحر، ففزعت إلى الماء وتركت الساحة، فحملت خيل المسلمين، وكان الفتح بإذن الله،

فمهما كان عند العدو من عدد وعُدد فإن المسلمين إذا اتقوا الله ذهب الله بسلاح الكفار، وجعل الدبرة عليهم، المؤمن على خير، ترحب به الأرض، وتستبشر به السماء، ولن يساء إليه في بطنها إذا أحسن على ظهرها.

يا عبد الله! لن يساء إليك في بطنها إذا أحسنت على ظهرها.

كلمة الحق في الرضا والغضب

والقول بالحق في الرضا والسخط، يعني: أن نقول الحق في الغضب، في الرضا، على نفسك، على قريبك، أين ما كنت؟ وهكذا يقول الحق ولا يبالي،

الإسلام يربي المسلم على هذا المبدأ؛ لأن قول الحق مهم، إذا لم يقل الإنسان بالحق خفي الحق، وظهر الظلم، وانحسر العدل، وذهبت الحقوق، وضاعت الأمور،

فلابد أن يُربي الإنسان نفسه على قول الحق، وأن نربي أولادنا من الصغر على قول الحق، ولذلك لو أنك سألت ولدك من كسر كذا؟ فصدق معك، وقال: أنا، ربما تكون عدم معاقبته مكافئة على صدقه؛ فيتعود الصدق، بينما لو عاقبته مباشرة -هذه قضية تنشأ من الصغر يا عباد الله-!، وهذا القول بالحق عزيز؛ لأن النفس تدعو إلى قول الباطل؛ لتحصل على ما ليس لها،

كان الصحابة قوالين بالحق حتى عندما يظلم الواحد منهم، لا يتعدى في الانتصار، لما جاء رجل إلى عمر وافترى على سعد وقال: إن سعدًا لا يسير بالسرية، -يعني: تارك الجهاد في سبيل الله-، ولا يقسم بالسوية، -يعني: هو أمير علينا لا يعدل-، ولا يعدل في القضية، فقال سعد: أما والله لأدعون بثلاث: “اللهم إن كان عبدك هذا – وبالاحتياط في الدعاء، بعض الناس إذا أراد أن يدعو على شخص أسرف ((وإذا خاصم فجر))،لكن هذا دعاء سعد المظلوم- قال: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا قام رياء وسمعة، -إذًا: لو كان صادقًا أو قام بالحق في نظر نفسه لمصلحة المسلمين العامة، وليس لكي يذكر هو- قال: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا قام رياء وسمعة؛ فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن”، فكان هذا الرجل بعد ذلك إذا سأل يقول: شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد، يتعرض للجواري بالطرقات وقد سقط حاجباه على عينيه، -يعني: من كبر السن-، هكذا ينظر إليه الناس.

عباد الله! قول الحق ولو كان في الأعداء؛

لمّا بعث النبي عليه -الصلاة والسلام- عبد الله بن رواحه إلى خيبر يخرص عليهم -اليهود أبقاهم في خيبر يعملون على شيء والباقي للمسلمين-، فعبد الله بن رواحه يحسب الآن ثمار الأشجار، جعلوا له حليًا من حلي نسائهم –رشوة-، فقالوا له: هذا لك، وخفف عنا، وتجاوز في القسم، فقال لهم: “يا معشر اليهود، أنتم أبغض الخلق إليَّ، وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم -يعني: أنتم أبغض إليَّ من أعدادكم من القردة والخنازير، ولكن لا يحملني بغضي لكم على أن أجور عليكم-، قالوا: بهذا قامت السموات والأرض.
أثنى الله تعالى على أنبيائه ” وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ ” [سورة صّ:45]، قوة في تنفيذ الحق: أولي الأيدي، وبصيرة في الدين.

حسن التدبير للمعيشة من رجاحة العقل

والحديث يقول ثالثًا: ((القصد في الغنى والفقر))، بعض الناس إذا جاءه المال أسرف، وإذا قل عنده بخل، ما عنده ميزان ولا ميزانية، قال: ((والقصد في الغنى والفقر))، حسن تدبير، قوة عقل، اقتصاد، ” وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ ” [سورة الإسراء:29]، ” إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا ” [الفرقان:67]،

وهكذا كان الاقتصاد من النبوة “كفى بالمرء سرفًا أن يشتري كل ما اشتهى”، كما قال عمر: “أكلما اشتهيت اشتريت ؟”،

ولذلك قال العلماء: الاقتصاد خلق محمود، يتولد من خلقين: العدل والحكمة، فبالعدل يعتدل، وبالحكمة يضع الأشياء في مواضعها، فالإمساك في موضع الإنفاق مذموم، والإنفاق في موضع الإمساك مذموم، مثال: على الإنفاق في موضع الإمساك: الإنفاق في المحرمات لا تنفق ولا ريال.

الشح خصلة ذميمة وخلة شنيعة

قال: ((وأما المهلكات: فشح مطاع، وهوىً متبع وإعجاب المرء بنفسه))،

الشح: منع الحقوق، الشح: يشمل البخل، لكن الشح أسوء من البخل، كيف؟

يقول عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-: “الشح أشد من البخل، الشحيح يشح على ما في يديه فيحبسه، وهذا يفعله البخيل، ويشح على ما في أيدي الناس حتى يأخذه”، هذا الذي يفوق فيه الشحيح البخيل سوءًا، فهو يأخذ ما في أيدي الناس، يأخذ حقوق الناس، ويمنعهم حقوقهم. هكذا إذًا ((شحًا مطاعًا))

خصلة ذميمة خلة شنيعة، شدة الحرص توجب البخل والظلم، ومنع الخير بل وكراهية الخير، والنبي عليه الصلاة والسلام قال لنا: ((يتقارب الزمان، وينقص العمل، ويلقى الشح، ويكثر الهرج)) ، وقال: ((لا يجتمع الشح والإيمان في جوف عبد)) ، ((شر ما في الرجل شح هالع، وجبن خالع)) .

من القصص التي فيها عبرة فيما جاء عن سلفنا:

دخل الحسن البصري على رجل يعوده في مرضه، فرآه يصوب بصره في صندوق في بيته ويصعده، ثم قال الرجل للحسن: يا أبا سعيد، ما تقول في مائة ألف في هذا الصندوق لم أؤدي فيها زكاة، ولم أصل منها رحمًا؟ قال: ثكلتك أمك، ولمن كنت تجمعها؟! قال: لروعة الزمان، وجفوة السلطان، ومكاثرة العشيرة. ثم مات الرجل، فشهده الحسن، فلما فرغ من دفنه قال: انظروا إلى هذا المسكين أتاه شيطانه، فحذره روعة زمانه، وجفوة سلطانه، ومكاثرة عشريته عما رزقه الله إياه، وغمره فيه، انظروا كيف خرج منها مسلوبًا محزونًا، ثم التفت إلى الوارث -السلف يوصون الورثة في المقبرة-، ثم قال له: أيها الوارث، لا تخدعن كما خُدع صويحبك بالأمس، أتاك هذا المال حلالاً -يعني: من طريق الميراث-، فلا يكونن عليك وبالاً، أتاك عفوًا صفوًا ممن كان له جموعًا منوعًا من باطل جمعه، وحق منعه، قطع فيه لجج البحار، ومفاوز القفار، لم تكدح أنت فيه بيمين، ولم يعرق لك فيه جبين، إن يوم القيامة يوم ذو حسرات، وإن من أعظم الحسرات غدًا أن ترى مالك في ميزان غيرك، فيالها من عثرة لا تُقال، وتوبة لا تُنال.

اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرضا، نسألك نعيمًا لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقاءك، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين.

ينبغي على المسلم أن يكون كريمًا بخلقه، كريمًا بماله، كريمًا بجاهه، كريمًا بعلمه، يقدم ولا يسأل الناس شيئًا،

وسيبقى البخل وصمة عار، وإمساك الحقوق مسبة، حتى ذُكر في بعض كتاب التواريخ فلان الفلاني كان شحيحًا مفاتيح خزائنه في الكيس الحديد، مسمرًا بالمسامير لا يفارقه، قال الذهبي في ترجمة فلان الفلاني كان شحيحًا دنيئًا، يرابي ولا يزكي، تبقى حتى في بعض كتب التاريخ، تبقى قصصًا تُروى.

هذا الشح يورث قطيعة الرحم، والظلم، والبغي، والعدوان، ويجرئ على المعاصي، ويغضب الرحمن، ويهلك الإنسان ((إياكم والشح، فإنما أهلك من قبلكم الشح)). منع الحقوق، منع الحقوق يا عباد الله ، والبخل من الشح

قالت أم البنين -أخت عمر بن عبد العزيز-: “أف للبخل، والله لو كان طريقًا ما سلكته، وثوبًا ما لبسته”، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: من الآية9]،

عبد الرحمن بن عوف كان يُكثر من الدعاء في الطواف: “اللهم قني شح نفسي”، فقال له رجل: ما أكثر ما تدعو بهذا، قال: إذا وقيت شح نفسي وقيت الشح والظلم والقطيعة،

وذكر بعض أهل العلم: أن جماعة من المحدثين منهم أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وحُبيش بن مبشر الثقفي جلسوا يومًا فأجمعوا أنهم لا يعرفون رجلاً صالحًا بخيلاً،

فلابد أن يكون البخل يورث الفسق، ويورث الفساد، والذي لا يُعطي سيبقى هذا عارًا عليه،

قال رجل لشخص: إني أقصد فلانًا أرجو منه نوالاً، قال:

ترجو الندى من إناء قلما ارتشحا

                                           كالمستذيب لشحم الكلب من ذنبه

وقال آخر:
أمن دار الكلاب تروم عظمًا

                              لقد حدثت نفسك بالمحال

وقال عمرو بن الأهتم يدعو زوجته أن تدع لومه في بذله وكرمه:
 ذريني فإن البخل يا أم هيثم

                                     لصالح أخلاق الرجال سروق

ذريني وحظي في هواي فإنني

                                                 على الحسب العالي الرفيع شفوق

ومستنبح بعد الهدوء دعوته

                                         وقد حان من نجم الشتاء خفوق

فقالت الزوجة الصالحة: وهذا أثر أهل البيت في تثبيت الإنسان على خير في نفسه
فقلت له: أهلاً وسهلاً ومرحبًا

                                فهذا مبيت صالح وغبوق.

لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها

                                      ولكن أخلاق الرجال تضيق.

خطورة اتّباع الهوى

الهوى المتبع خطير جدًا، الهوى ما تميل إليه النفس، الهوى يهوي بصاحبه في النار، الهوى يُتَّبع، يجذب، ولكن يسحب إلى الدركات، صاحب الهوى لا يرى إلا الهوى، إذا تكلم بهواه، وإذا صمت بهواه، وإذا أعطى لهواه، وإذا منع لهوى، فيعيش لهواه، يُعميه ويصميه، -يعني: يصمه-، المأسور من أسره هواه، ” أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ” [الفرقان: من الآية43]،

فأنت اليوم ترى أصحاب العلاقات على الشبكات وفي الاتصالات يتبعون الهوى، فهذا يصاحب امرأة، والله قال: ” غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ” [النساء: من الآية25]، غير مسافحين ولا متخذي أخدان، من هو الخدن؟ ما معنى الأخدان؟ هذا الذي يسميه الغرب بـ girl friend -boy friend، مذكور في القرآن غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ،

دخل الهوى في العلاقات الشخصية، فصرت ترى المحادثات والمكالمات والعلاقات مبنية على الهوى، يستجريهم الهوى، يتقاذفهم الهوى ” وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ ” [القصص: من الآية50]،

في البدع والضلالات الهوى، ” أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ ” [الجاثـية:23]،

وهكذا الذين يتيحون المجال للهوى أن يتلاعب بهم، أهل البدع حذر السلف من مجالستهم، لا تجالسوا أهل الأهواء،

الهوى يجذب، ولكن الذي يمنع نفسه من الهوى ” وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ” [العنكبوت: من الآية69]،

قالوا: إن شخصًا كان يطوف بالبيت فنظر إلى امرأة جميلة، فمشى إلى جانبها ثم قال:
أهوى هوى الدين واللذات تعجبني

                                            فكيف لي بهوى اللذات والدين

نريد أن نجمع بين المتناقضات، نجمع بين الصلاة في المسجد ورؤية الأفلام الإباحية، نريد أن نجمع بين الأدعية والاستغفار وقراءة القرآن وإقامة العلاقات المحرمة، ونريد أن نجمع بين الصدقات والزكاة وبين الربا.
أهوى هوى الدين واللذات تعجبني

فكيف لي بهوى اللذات والدين

أنا أطوف حول الكعبة وأنظر إلى النساء الأجنبيات، فكيف لي بهوى اللذات والدين ؟! فقالت المرأة: دع أحدهما تنل الآخر، لا مجال للجمع بين النقيضين، دع أحدهما تنل الآخر، لا يوجد طريقة، الذي يُفكر بالجمع بين نقيضين لا يمكن، يكذب على نفسه، يكذب على الله قبل ذلك،

وإذا تأملت حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله كل واحد منهم خالف هواه، فنال تلك الرتبة.

التحذير من آفة العجب بالنفس

قوله في الحديث: ((وإعجاب المرء بنفسه))، هذه مصيبة فمن الناس من يُعجب بذكائه وتفكيره وعبقريته ورأيه، منهم من يُعجب بخطه، منهم من يُعجب بعضلاته وجسده وقوته، منهم من يُعجب بمنصبه، منهم من يُعجب بماله، منهم من يُعجب بأولاده، منهم من يُعجب بخدمه، منهم من يُعجب ببيته ومركبه،

إعجاب المرء بنفسه قاتل، رأى محمد بن واسع ابنًا له يمشي مشية منكرة فقال له: “تدري بكم شريت أمك؛ لأن أمه كانت أمة، بثلاثمائة درهم، وأبوك لا كثر الله في المسلمين مثله، وأنت تمشي هذه المشية”،

قال بعضهم: رأيت في الطواف رجلاً بين يديه خُدام يمنعون منه الناس، ثم رأيته بعد ذلك على جسر ببغداد ذليل يسأل الناس، فتعجبت منه، فقلت: أنت الذي كنت في مكة؟ قال: نعم، إني تكبرت في موضع يتواضع الناس فيه، فابتلاني الله بالذل في موضع يترفع الناس فيه.

عباد الله!
الإعجاب حتى بالعبادة مصيبة، قال بعضهم: رأيت مرة في نفسي أنه صفا لي حال من الذكر وأعجبت بنفسي، يعني: حصل لي بكاء وعبادات، قال: ثم إني احتجت إلى دخول حمام من الحمامات العامة في ذلك الزمان، فدخلته واغتسلت وخرجت ولبست ثوب إنسان على بدني بالخطأ، لبست ثوب واحد فوق ثيابي بالخطأ وأنا لا أعلم، وخرجت ومشيت فإذا صائح يصيح بي يا شيخ!، فالتفت فإذا صاحب الحمام. فقال لي: ثياب الرجل، الرجل في الحمام عُريان، فقلت له: وأين ثياب الرجل؟. قال: عليك، فانتبهت فنزعت الثوب الذي عليّ وأعطيته، يقول: ما مشيت إلى موضع كذا إلا ووجدت الصبيان يقولون: سارق ثياب الحمامات، سارق ثياب الحمامات، فالإنسان لا يصح أن يناله عجب ولو بالعبادة، ويتواضع لرب العالمين.

ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم إنا نسألك الأمن في البلاد، والنجاة يوم المعاد يا رب العباد، آمنا في الأوطان والدور، وأصلح الأئمة وولاة الأمور، واغفر لنا يا عزيز يا غفور، لا تفرق جمعنا هذا إلا بذنب مغفور، وعمل مبرور يا أرحم الراحمين، اشملنا برحمتك.
اللهم هب لنا رحمة تقضي بها ديوننا، وتكفر بها عنا سيئاتنا، وتتوفانا بها مع الأبرار، أصلح نياتنا وذرياتنا وبيوتنا يا رب العالمين، اللهم عليك بمن أساء إلى أمهات المؤمنين.
اللهم عليك بمن أساء إلى أمهات المؤمنين، اللهم عليك بمن أساء إلى أمهات المؤمنين، اللهم عليك بمن أساء إلى عائشة وخديجة وبقية نساء نبيك صلى الله عليه وسلم وصحابته أجمعين.
اللهم إنا نسألك أن ترحمنا برحمتك، وأن تغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، وسع لنا في دورنا وبارك لنا في أرزاقنا، وعافنا في أجسادنا، ارزقنا عمل الصالحات، وفعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 

 

اترك تعليقاً